شذرات من تراث الكاظمية في القرن العشرين

كتاب بار بأهله وأصله وشفعائه لكن لي عليه ملاحظات

شذرات من تراث الكاظمية في القرن العشرين

أحمد عبد المجيد

حسنا فعل زميلنا علي الزبيدي، عندما وضع عنوان (شذرات) من تراث الكاظمية في القرن العشرين،  لكتابه الجديد الذي صدر مؤخرا عن مؤسسة ثائر العصامي في بغداد. فقد ذهب الى التخصيص  بعبارة (شذرات) تفادياً للاطلاق او التعميم.

ولو انه لم يفعل ذلك لظلم مدينة بعراقة الكاظمية، يقدر العلماء عمرها بنحو 1256 عاما ، وهو امتداد تاريخي يحفل بالحوادث والوقائع والاسماء، ويكفيها فخرا انها تضم رفات اثنين من الائمة الاطهار عليهما السلام ومقامات عدة لاصحابهما وتلاميذهما ومحبيهما مندرسة في مقابر قريش . فضلا عن ثروة لاتقدر بثمن لمستوعبات الفقه والادب والتواصل الانساني ورفد البشرية بالمأثور والمنقول والمتجدد المنثور، الذي توارثته بيوتات ومجالس الكاظمية ورجالها.

ولعل من وفاء الانسان ان يكرس جهدا او عملا ينقل جانبا من تراث ، مسقط رأسه، وهو تراث ثري وحافل، الى الاجيال. وذلك ما فعله الزبيدي، المعروف بمهنيته  التي لاتطغى عليها فرعيات اخرى، برغم ثقل مسؤولية المواطنة والانتساب الى بعض هذه الفرعيات . وهكذا قدم للقراء  خبرة حياة وعيش وملازمة، قد تفتقر لها مصادر او مؤلفات اخرى رفدت المكتبة العراقية والاسلامية بشأن مدينة الكاظمية. واميل الى عد ذلك خصوصية يتسم بها هذا الكتاب المعززة صفحاته بالصور النادرة على امتداد القرن العشرين ، حيث تعد حقبة صاخبة وحافلة في معايير المؤرخين والباحثين.

يقع الكتاب في فصول ثلاثة،  لخصها الدكتور طه جزاع في عرض صحفي كتبه مؤخراً بـ ( علماء وفقهاء الكاظمية ) ، ( الدولة ورجال السياسة ) و ( الحياة الاجتماعية والمهنية للمدينة )، غير ان اتساع البحث ، والتداخل الذي لا يمكن الخلاص منه في الكثير من القصص والحكايات والمشاهد والأحداث الاجتماعية والسياسية ، جعل فقرات كل فصل من الفصول وكأنها نسيج واحد ، وهي فقرات تزيد عن  120 فقرة، تناولت تعريفات بشخصيات لعبت أدواراً مشهودة في التاريخ الوطني أمثال الشيخ مهدي الخالصي الكبير والسيد محمد الصدر والدكتور محمد فاضل الجمالي، الذي استطرد المؤلف طويلا في عرض سيرته العلمية والدبلوماسية والسياسية، والنائب صادق البصام التميمي والشيخ عبد المحسن الكاظمي ، فضلاً عن شخصيات واكاديمية وثقافية وفنية ورياضية وشعبية أمثال الدكتور علي الوردي والدكتور حسين علي محفوظ والدكتور فرحان باقر والدكتور حكمت عبد الرسول والدكتور نزار باقر الحسني والدكتور إبراهيم خليل الشمري والحاج عباس الجصاني ونازك الملائكة وجعفر السعدي وغيرهم . كما تناولت تلك الفقرات مختلف أوجه الحياة في المدينة ، من المواكب الحسينية وخطباء المنبر الحسيني ومجالس العزاء ومواكبه ، والصحافة والصحفيون والمصورون والتصوير الفوتوغرافي ، والصيرفة والصرافون ، والعمارة والمعماريون ، والحلاقة والحلاقون ، والرياضة والرياضيون ، ورجال القانون والمحامون والمعلمون والمدرسون والمكتبات العامة والخاصة ، والمجالس الأدبية حيث يخصص صفحات منها لمجلس الخاقاني الذي بدأت نواة تأسيسه أثناء زيارات العلامة الدكتور الشيخ عيسى الخاقاني إلى العراق وكان الأقرب إلى نفسه الدكتور حسين علي محفوظ والدكتور علي الوردي، والأمثال  الشعبية ، ومتعهدو الحج والعمرة (الحملدارية) والقابلات المأذونات والدفن والدفانة ، والصناعات والمهن وباعة الكتب والقرطاسية والحمامات العامة والصناعات الشعبية مثل صناعة السيوف وصياغة الذهب والفضة ومعامل الغزل وصناعة النسيج ” معمل الحاج نوري فتاح باشا ” وأسواق الاسماك واللحوم ، وعلاوي جملة الفواكه والخضر والمقاهي ، إلى باعة الباجة وكبة البرغل والحلويات . ورأيت ان هذا الخليط غير المتجانس اثقل الكتاب وارهق (الصفحات) وساوى بين الترى والثريا.

ادوار مؤثرة

ومن بين هذه الفقرات نلمح عدداً من الإشارات حول شخصيات يرى الزبيدي أنها تستحق الاهتمام من المدينة لما لعبته من أدوار مؤثرة في مجمل الحياة الوطنية والاجتماعية ومنهم الدكتور محمد فاضل الجمالي الذي يعد من أبرز معالم السياسة والتربية في العراق ، وهو الذي قال في رسالة إلى رحيم كاظم الهاشمي ” إن تناول حياتي كلها يستغرق سنوات يصعب استعراضها ، عمري فوق التسعين ، خبراتي ثمانون سنة من الدراسة والتدريس والسياسة ” ويدعو المؤلف إلى إقامة تمثال للجمالي في مدينته الكاظمية التي ولد فيها عام 1903 ومن سياسيي الكاظمية البارزين فضلاً عن الجمالي وعبد الرسول الخالصي وعبد الكريم الأزري وعبد الصاحب العلوان والدكتور عبد الحسين الجمالي والسيد باقر احمد الحسني نائب رئيس تشريفات البلاط الملكي ، وكذلك يولي اهتماماً خاصاً بالطبيب الجراح الدكتور فرحان باقر الذي يطلق عليه لقب ( طبيب الرؤساء الأربعة )،  وهو في الاصل عنوان سبق للمفكر الدكتور عبد الحسين شعبان ان نحته في سلسة من السرديات عن الراحل كتبها في جريدة (الزمان)، وبقية الأطباء المشهورين حكمت عبد الرسول ونزار باقر الحسني وإبراهيم خليل الشمري ، وفي مجال النحت والرسم والحفر على الخشب تبرز أسماء الفنانين الكبار محمد غني حكمت وخليل الورد واتحاد كريم وهاشم الورد ووضاح الوردي وإبراهيم النقاش ، ويخصص المؤلف حيزاً للتعريف بالنحات عبد المطلب مهدي عبود الطائي الذي يعد من أبرز نحاتي العراق لكنه لم يأخذ حقه إعلامياً ، وهو الذي وفر للمؤلف الكثير من الصور المهمة والنادرة .

واميل الى قول زميلي جزاع انه (من الصعوبة ايجاز كل تلك المعلومات والحكايات التي وردت في كتاب ” شذرات من تراث الكاظمية في القرن العشرين ” لكن لابد من الإشارة إلى مختاري محلاتها القديمة ، الدبخانة الشيوخ والتل والمدامغة والقطانة ، ومنهم آخر مختار لمحلة القطانة قبل الاحتلال الأمريكي الشهيد عبد الرزاق عبد الأمير الزبيدي ، شقيق المؤلف ، وهو أيضاً صاحب مكتبة العراق الجديد في باب الدروازة ، وقد أغتيل غدراً ، فترك ندباً دامياً في قلب كل من عرفه لما يمتلكه من طيبة وأريحية ونبل وكرم وشهامة هي من صفات أهل الكاظمية الأصلاء على حد وصف المؤلف.  وحرص الزبيدي عبر 430  صفحة من الكتاب على رصد مواقف انسانية وطرائف والتقاط  معلومات غير متداولة او غابت عن رصد الباحثين تتعلق اما بشخصيات الكاظمية او باجندتها ومثاباتها البارزة ومواقعها ضمن جغرافية بغداد ، فضلا عن ما ذكره من شواهد تخص الكاظمية ورموزها السياسية والاجتماعية).

واذا كان الزبيدي قد تناول هذا الحشد الكبير من الاسماء والمسميات في كتابه ، فان من الطبيعي ان تفوت الواحد مثله، برغم كل ما بذله من صبر وثابر من اجله، بعض الوقائع والشخصيات، ولا سيما في المجالات البعيدة عن اهتمامات المؤلف كالرياضة. فقد بحثت ولم اجد ذكرا لبعض من عرفتهم من اهل الكاظمية ، من قبيل الاستاذ صبري بنانة الذي رفع اسم العراق في محافل العاب الساحة والميدان، وتتلمذ على يديه جيل من الرياضيين في مدارس كربلاء اواخر الستينات من القرن الماضي، وعرفته للمرة الاولى في متوسطة الوحدة واعدادية كربلاء التي درسنا فيها وكان ملازما لصديقه مدرس الرياضيات الاستاذ اديب اطال الله في عمره ان كان حيا.

واحمد عباس الرياضي الاداري البارز الذي ترك بصمة في نادي الجيش واتحاد كرة القدم وغيرهما ومازال يرفد بخبرته الادارية الحركة الرياضية العراقية. وتلك هفوة لكنها لا ترتقي الى خطأ مقصود او متحكم او لا يستند الى دليل مادي، كالوثيقة والاعتراف واداة الفعل.

وفي حقل الصحافة سعدت برصد عشرات الاسماء من زملاء المهنة التي وردت في الكتاب، ولاسيما ما يتعلق بأسرة الصحفي هادي الانصاري الذي عاصرت إدارته لجريدة (الجمهورية )، ابان رئاسة الاستاذ الراحل سعد قاسم حمودي، وكذلك توليه سكرتارية تحرير قسم الاخبار. كان الانصاري صحفياً فذاً مولعاً بزراعة واستنبات انواع من الزهور، وخلال زيادة رافقت فيها عمي مراسل الجريدة في كربلاء طارق امين الخفاجي الى الكاظمية، وتفقد الانصاري جال نظري في شتى انواع الزهور بحديقة منزله العامر.

ولأني نقابياً، فقد تمنيت لو ان كتاب الشذرات، قد أفرد صفحات أوسع للحديث عن زملاء المهنة، الذين أعرف بينهم مجتهدين وكتاباً بارزين، ولاسيما زميلي سلام الشماع الذي يرتبط بعلاقة وطيدة برمزين من رموز الكاظمية، علي الوردي وحسين علي محفوظ، واليه الفضل في توثيق الزاخر من تراثي الرجلين،  فضلاً عن تراث مدينته الكاظمية، وكذلك الأمر مع زميلّي طارق الجبوري ونوري الزكم، اللذين ما زالا يمنحان الصحافة نبضاً ومسؤولية، عبر مساهماتهما الكتابية ونشاطهما الاجتماعي.

جريدة المنبر

واستغربت ان الكتاب تجاهل اسمين لفقيهين بارزين الأول حسين محمد هادي الصدر، الذي عرف بمساهماته الكتابية في الصحافة المحلية وبدوره في اصدار جريدة (المنبر) في لندن كصوت اعلامي للمعارضة الاسلامية، وقد انجزت قبل بضعة أشهر عن كتاباً  متواضعاً بعنوان (حسين محمد هادي الصدر- منبر تنويري نهضوي) ضمنته دراسة وصفية لاتجاهات الجريدة التي اصدرها، خلال عقد التسعينات من القرن الماضي، واما الفقيه الثاني فهو حسين اسماعيل الصدر، المعروف بمساهماته العلمية ومشاريعه التربوية التي قدمها للكاظمية التي درس وتدرج حوزوياً فيها. وفداً ورد المؤلف صورة لأحد نشاطاته في ملحق الصورة (393).

اخيرا ، فان (شذرات) الزبيدي عن الكاظمية، اضافة ثقافية وعلمية الى تراث مدينة تتصدر الابجديات الجغرافية وتتقدم جميع المعطيات اللاخلاقية ،ولاسيما ما يتعلق منها بالحكمة والموعظة والاثر الطيب وحفظ حقوق اصحاب الكلم والنظم والذكاء الحاد.

مشاركة