شذرات الذهب – نصوص – كاظم الحلاق

فصل من رواية

شذرات الذهب – نصوص – كاظم الحلاق

روح المدينة

نادرة هي المرات التي ترسختْ بها القناعة في قلبي وشعرت بأنه يمكنني القيام بشيء على أحسن وجه؛ وسط ضبابية تلك المرات أتذكّر ليلة  كنت أتمدد على السطح جوار أخي صافي  فسألني:

–  هل تحب مدينتك؟

–  أحبها جدا.

–  إذن عليك عبور نهرها الكبير.

–  وماالعلاقة بين حب المدينة وعبور النهر؟

–  عبر مراقبتي الخاصة أن روح المدينة تكمن هناك في أعماق النهر وأنك عبر السباحة وملامسة جسدك مياه تلك الأعماق تكون قد شعرت بطاقة تلك الروح.

 توقف عن الكلام وتناول علبة سجائره من جانب فراشه  وقدم لي واحدة وأخرى لنفسه واشعلهما وجلسنا ندخّن مسندين ظهرينا لسياج السطح ومتطلعين إلى السماء، كان القمر كبيرا يتألق أمامنا والنجوم بضفائر ضوئها المتهدل على أكتاف السماء خلعت على المكان جوا سحريا، بمقدوري أن أرى عيني أخي تنظران نحوي بينما شعره الجميل المتوسط الطول ينساب على جبهته.

– لكني عبرت أنهارا أخرى في المدينة. قلت مخاطبا إياه

– الأنهار الصغيرة التي سبحت فيها وعبرتها لن تجديك نفعا ولم تفض بك إلى شيء على الرغم من كونها آمنة.

قالها ثم غيّر مكان جلوسه في الدقيقة التالية ليجلس على فراشي ويقابلني وجها لوجه ويضع يده على كتفي ويضيف:

– هل تتذكر حينما قلت لي قبل أسابيع بأنك تعشق حبيبتك سميرة جدا وأنك على استعداد لتقديم كل شيء من أجلها حتى لو كلفك ذلك حياتك؟

– نعم، قلتُ ذلك.

-إذن لماذا لا تعبر النهر معي لنبحث في الغابة عن الكنز لعلنا نعثر على شيء من الذهب ونغيّر حياتنا. توقف قليلا ثم أردف: اعتبر المدينة امرأة؛ المدن كالنساء إذا ما أردت أن يكشفن لك عن أسرارهن وخبايا كنوزهن عليك أن تحبهن وتعشقهن بشكل حقيقي. أحيانا يتعين عليك أن تبذل الجهود الكبيرة وتتعرض للخطر أو حتى الفناء من أجلهن، إنهن لا يحبن الحلول الوسطى أبداً.

–  لكني أخاف من الموت، أخشى أن  تخدر يداي أو ساقاي أثناء السباحة وأغرق، أيضا كلما تخيلت نفسي بأنني أسبح فوق مياه الأعماق أصاب بالفزع من سمك القرش.

–  فأما مسألة الموت فلا تهتم لها كثيرا لأننا كلنا سنموت في يوم ما، وأما خدر يديك وساقيك لا تخف، فأنا سأكون معك، وسأصاحبك في كل خطوة، ومهما سيحصل لك سأنتشلك. من ناحية سمك القرش فإنها لا تهاجم في الأعماق، الشخص الذي يسبح هناك يكون بقلب شجاع ويتحرك برشاقة وخفة، إنها تهاجم الخائفين الذين يطبطبون قرب الجرف ويثيرون الضجيج بحركاتهم المضطربة.

– لكن صديقي سعد لم يكن خوافا. علّقت

– عليك أن تدرك أن “سعد” حينما ضربه القرش في فخذه كان يطرطش بالماء على مقربة من الشاطئ.

 – هل ستدعو بعضا من أصدقائك لمصاحبتنا أثناء العبور؟ طرحت هذا السؤال كما لو أن ليست لدي ثقة في أخي وأن معرفته بالسباحة وشجاعته لا تكفيان فأردت الاستنجاد بأصدقائه.

– لا حاجة للأصدقاء، ثق بي ودع أفكار الشك والتردد بعيداً عن قلبك. لا تفكّر في عبور النهر دفعة واحدة، فقط فكّر بأنك ستذهب حد ذلك الزورق أو تلك السفينة، إذا ما فكرت في عبور النهر دفعة واحدة سترعبك فكرة العبور وتشل قواك. من خلال تجربتي من الأفضل أن تركز فقط على الخطوة القريبة التي أمامك والخطوة التي تليها… طبعا يمكنك أن تلقي النظر بين حين وآخر على الضفة البعيدة، لكن لا تركّز على ذلك.. ليكن هدفك اجتياز مسافات قصيرة، عندما تقترب من منتصف النهر لا تفكّر في العودة أبداً، سيكون طريق الرجوع أصعب، وستستهلك طاقة كبيرة، عليك أن تضع انتباهك على الضفة التي أمامك، وما أن تفعل ستقترب منك. سأكون معك، ومهما سيحدث لك سأنتشلك.

 لقد أدركت أن كلمات صافي والوقت الغريب الذي كنت أعيشه هي فترة نمو في حياتي. في تلك الليلة ظللت أنظر إلى السماء وأفكر في النهروسميرة ، بقيت غارقا في أحلامي لبعض الوقت وأنا أتطلع الى النجوم التي بدت كأنها تهمهم بشيء ما،.. لا أدري لماذا طفقتُ أربط بين ضفة  النهر الأخرى  وسميرة. السباحة فوق عمق النهر الكبير أو عمق المدينة كما يسميه صافي يعني الاقتراب من أعماق روح سميرة.

التغلب على القنوط

 استجمعت طاقتي في إحدى الظهائر وأنا أجلس في الظل فوق سرير أبي الخشبي المركون في ساحة البيت،محدثا نفسي عليَّ أن أبث الشجاعة في قلبي وأتغلب على القنوط وجميع المخاوف والشكوك، متخيلا جسدي يطفو فوق وسط النهر وأنا أحرك يدي بسهولة متقدما نحو الجهة الأخرى من النهر كما هو الحال حينما أطير برجلين منفرجتين وذراعين ممدودين للأمام في  أحد الأحلام الواعية. كان صافي خارج البيت وحينما عاد في وقت الغداء قلت له دعنا نذهب بعد تناول الغداء لنعبر النهر، الى متى اليأس؟ فشعر بالاثارة والفرح وهو يسمعني أتلفظ بتلك الكلمات. قال ليس اليوم؛ في هذه الظهيرة نتدرب فقط دون أن نعبره. علقّت لماذا لا نعبره اليوم؟. قال سأريك شيئا هناك؛ وحينما ذهبنا الى النهرونزلنا المياه، قال كما تتذكر لقد علمتك من قبل طريقة السباحة الحرة أي التقدم للأمام، كما السباحة العكسية أي على الظهر وأيضا علمتك طريقة الفراشة واليوم سأعلمك  الحركة الأخيرة: أي الطفو في المكان نفسه بتحريك اليدين والساقين بشكل منتظم، هذا التمرين مفيد حينما تتعب جدا وتشعر بأنك غير قادر على التقدم أكثر فتراوح بمكانك دون الرغبة بالتحرك في أيّ اتجاه، وحينما رآني أجيد ذلك ابتسم قائلا: هيّا، دعنا نخرج ونذهب إلى ذلك الكشك (وهو يشير صوب مبنى صغير على الشاطئ) لأشتري بعض اقلام ماجك قد احتاجها لوضع علامات في بعض الأمكنة ثم نعود للبيت وغدا سنعبره. فخطوناباتجاه محل صغير من الخشب مسقوف بالصفيح يجلس في مقدمته شيخ كسا الشعر الأبيض النافر هامته ولحيته وحاجبيه وأعلى صدره ويديه يبيع الكتب القديمة والقرطاسية والمجلات، فأخذت اتطلع برهبة لعروق يديه البارزة من تحت الجلد واقارنهما بانسياب الشعر الاسود الناعم فوق يدي بينما صافي يبتاع منه، متمني الو أموت غرقا في النهر الذي وراءه دون أن يتحول جمال يدي ليصير مثل يديه العجفاوتين! بعدها رجعناللبيت وأنا فرح جدالما تعلمته في السباحة كما لو أنني اقتربت خطوة أخرى من ايجاد كنزي؛ الذهب الخالص.. أليفة صباي سميرة.العبور، الغابات، الهلاوس .

في ضحى اليوم التالي عبر صافي النهرمعي بعد أن وضعنا ثيابنا في مكان بمنأى عن النظر، استرحنا مرتين أو ثلاث جوار السفن والزوارق الراسية وسط النهر، ومسكنا بالاطارات المقذوفة على جانبها لنكسب بعض اللحظات نرتاح فيها. ثم واصلت السباحة، وحينما تأكد بأنني اجتزت المرحلة الخطيرة، أخذ يسرع تاركا إياي خلفه. وصل قبلي وجلس على الجرف وأخذ يراقبني وابتسامة الانتصار تعلو أسارير وجهه. وعندما وصلت الشاطئ بدوري لم أصدّق نفسي بأنني فعلت ذلك، بدا الأمر مثل شخص تلقى اهانات كثيرة في على امتداد حياته دون أن يرد بشكل مناسب لدرجة افقدته الثقة في نفسه وها هو يرد على واحدة بشجاعة منقطعة النظير. علّق صافي: ألم أقل لك إن باستطاعتك العبور رددت والابتهاج يفعمني: لا أدري كنت متشككا في قدرتي وخائفا من الفشل.

 توغلنا في غابة النخيل، كان المكان مختلفا جدا عن كل ما رأيت من أمكنة في البصرة، الضوء، الألوان، عذوبة الهواء ورائحة الارض.سحبت أنفاسا عميقة واحسست كأنني في مكان شديد الفتنة… الأضواء المتخللة بين الأشجار تكوّن أشكالا هندسية غاية في الجمال ثم تختفي. أزاح صافي أغصان اشجار التين والسدر وهو يشق طريقه بين النخيل متفحصا التراب أو ضاربا فوق الارض بمعول كان يخبأه بين جذوع الشجر ظانا بانه سيجد أثرا للكنز، تنقلنا في المكان وصورة سميرة لا تفارقني، لم يعد يهمني أن أجد الكثير من القطع أو القوالب الذهبية، كان يكفيني لو احصل على شذرات من الذهب فقط أسعد بها حبيبتي سميرة. ونحن نخطو وددت لو ان سميرة هي من تبحث معي بدلا من أخي صافي. شرع الارتباط الخيالي بين الكنز وسميرة يمدني بقدرة لا نهائية من الأمل. وفي غمار اشتعال رغباتي رأيت قطعة ذهبية اللون بحجم حصاة  تتوهج في الضوء المنسرب عبر أوراق الشجر، هل كانت جزءا من الكنز؟ إلا انني حينما اقتربت وجدتها شظية قذيفة ربما خلفتها التدريبات العسكرية. مشينا بين السواقي ومررنا بأشجار علّمها صافي وأصحابه بأقلام الماجك على هيئة قلوب وصلبان ومثلثات ودوائر. توهجت الزهور بألوان حمر وبيض وصفر، وانحنت اوراق الاغصان الخضراء على الصخور ملامسة مياه الخلجان الصغيرة المتناثرة في المكان. شعرت كما لو أن أحراش الازهار الملونة هي أجساد فتيات مقنّعة ممكن أن تعود لحالتها الإنسانية في أي لحظة وتهدينا الى موضع الكنز.

 سألت صافي، هل تعتقد بأن الآخرين يعرفون بالمكان؟ قال: لا ادري، لكنني في كل مرة أجيء هنا أرى جذوعا أخرى رسمت عليها علامات غامضة بمحاذاة بعض الحفر. كانت الاحراش تنتشر على تراب أصفر كالذهب ومن بين فجوات الاغصان بدت السماء بلون فاتح الزرقة مشوب بمسحة بنفسجية. حفرنا بين الاحجار وتحت الجذوع لكننا لم نجد أثرا أو أية علامة تدل على الكنز، فقط التربة الصفراء التي ترآت لي في بعض الاحيان بانها حرثت قبل مدة قصيرة على الرغم من انعدام أي شخص في المكان. تطلعت الى الامام، هل خُيّل إليّ بأنني أرى ألواحا ذهبية مصفوفة فوق صخرة سوداء؟ كانت تتألق في الاشعة المتخللة بين سعف النخيل، وحين اقتربت  لم يكن ثمة شيء هناك،فادركت عندها بأن كلمات صافي المشحونة بالحماس وكلماته المشجعة هي التي اوحت إليّ بهذه الهلاوس.

في طريق عودتنا إلى البيت سألته” هل ممكن المجيء الى هذا  المكان عبر اليابسة؟”، قال:” إن ذلك يستغرق وقتا طويلا، عليك أن تذهب الى فندق الميناء حيث ” جسر الأحلام” تعبره وتنعطف صوب جزيرة السندباد ثم تتجه جنوبا وتواصل سيرك وسط غابة النخيل، بعد ذلك تشق طريقك نحو المكان، لكن الطريق الأسهل هو الذهاب مباشرة بعبّارة الجامعة القريبة من كشك القرطاسية الذي اشترينا منه أقلام الماجك.

الأحلام الواعية

الأحلام الواعية المتعلقة بالكنز وسميرة كانت تتكرر كما لو أن شدة رغبتي في الاقتراب منها والصور  الفنتازية المنصبة على اكتشاف جسدها راحت تغذي ذهني بأحاسيس لا تنضب فتجعله حقلا خصبا لمشاهد حياة الليل. أثناء نومي كنت أعي وأشعر بأنني أحلم، على الرغم من توهج المشاهد بنبض حياتي يفوق حياة الواقع بمرات كثيرة. في أحد الأحلام رأيت نفسي أقف فوق اسكلة قريبة من قمة برج البث التلفزيوني الواقع في نهاية منطقتنا، كأنني أريد أن أصلح الضوء أو أنظف نافذة من النوافذ. في الأسفل  يرتمي النهر بمياه رائقة، يمكنني أن أرى الضفة البعيدة بوضوح حيث انتقل بيت والدي سميرة من شارعنا ومسخ إلى قلعة بباب حديدي واطئ يقف على جانبيه أمها وأبوها اللذان يبدوان أقصر مما في الواقع بكثير وهما يضعان بطانيتين مقلمتين بخطوط عريضة على صدريهما ويمسكان بسيفين قصيرين فيبدوان  كرئيسي قبليتين من الهنود الحمر. أقول في نفسي إن بيت سميرة يقع في نهاية شارعنا وليس جوار النهر لا يمكن أن يحدث هذا لابد أنني احلم.. فجأة تسقط الاسكلة او تختفي فأجد نفسي أرفرف بيديّ ورجليّ لأمسك بإطار واحدة من النوافذ، اتطلع إلى تيارات المياه الخضر التي أخذت تندفع بقوة، أقول يمكنني أن أطير إلى الجهة الأخرى، اترك الإطار وارفرف ببطء بأطرافي فوق المياه وأحط في الجهة المقابلة للقلعة. حين أدنو يتغير مشهد والديها إلى وردتين طويلتين زرعتا في جرّتين جانبي الباب. أـدخل  وأوميءلسميرةإلا أنها تبدو  نائمة بين أخواتها، انحني عليها وأقبّل صدرها ثم اجلس عند رأسها وأوقظها بنعومة، تفتح عينيها، اقول دعينا نذهب الى الغرفة الامامية لنبحث عن الكنز. تقول أي كنز؟ اقول ساخبرك فيما بعد. تنسل من الفراش،  نخطو لغرفة أبيها التي تبدو خالية إلا من فرشة اسفنج . اطوقها بيدي ثم تتمدد على ظهرها فوق الفرشة واستلقي لصقها، أتطلع الى بياض صدرها العاجي الذي بدا كأنه هومصدر الضوء في الغرفة، أقول لها قبل أن نفعل أي شيء أريد أولا أن اطل على أمك وأبيك لأتأكد هل هما نائمان فتقول افعل كما يحلو لك. اذهب للغرفة المجاورة فاراهما يتمددان على السرير وكل واحد يدير ظهره للآخر، كأنهما شبحان ينفثان أنفاسا دخانية تتعالى كاسرة الصمت المخيف المحيط بالمكان. تتغير المشاهد بسرعة كبيرة فاستيقظ.

الحلم الآخر الذي أتذكره جيدا هو سميرة وأنا وامرأة أخرى كأنها أمها علينا الركض مع آخرين في مارثون من منطقة الزبير إلى الكورنيش، نقطع مسافة طويلة ثم نجلس جميعنا على مصاطب من المرمر قدام” محكمة البصرة”  ونتناول طعامنا وشرابا، أقول كيف يحدث هذا؟ إننا في مارثون وليس من المعقول تناول طعام خلال الركض، فادرك بأني احلم. أسأل سميرة  هل هذا حلم؟ تقول لا أعرف، إنك في منتصف الطريق، عليك اكمال المسافة لأخبرك. نستأنف الركض ثانية تسبقني هي وأمها. أجد نفسي أهرول في ساحة مهجورة، أقول بداخلي عليّ أن اقطعها لكي اعرف اتجاهي الصحيح وما ان اجتاز مسافة قليلة حتى أرى نفسي على الساحل المزدحم بالناس. ثمة شاحنة ومجموعة أشخاص يقفون في جزئها الخلفي ويرمون الطابوق على المارة بشكل عشوائي. ألمح أحد الوجوه كأنه (أبو) سميرة، حينما يراني يلوّح لي ببندقية، أقول إنني في حلم انك لا تستطيع إيذائي، فأواصل الركض بينما الطابوق يتناثر فوق رأسي كأنه من ضوء.

حياة الليل

كنت اكافح خلال النهار متنميا لو تكون لي القدرة التي امتلكها في حياتي الحلمية هي نفسها في حياة اليقظة، اتذكّر كيف كنت اخرج من بيتنا في وقت متأخر من الليل تاركا الباب مواربا. الشارع يغرق في الصمت، أضواء خافتة تنبعث من شقوق الأبواب والستائر المسدلة على النوافذ، أضواء  مفعمة بالسلام والترحيب، لم تكن قوية لتكشف ملامح الواحد. كانت حياة النهار تمتلىء بالجد والدراسة ومساعدة الأب في عمله أحياناً، أو الالتحاق بعمال البناء المتناثرين على طريق المدرسة عندما أكون بحاجة ماسة للمال. لكن  كل شيء يختلف في حياة الليل، صورة سميرة المنتظرة في الباب أثناء الليل بجسدها الرشيق وشعرها الداكن الطويل المحلول على ثوبها الساتان البني يبديها مثل نخلة محملة بالعذوق، وحينما اقترب منها واعانقها في الضوء المنسرب من وراء ستارة الباب تقول لو التقي بك في مكان لا يعرفني به أحدلطوقتك بالحنان وعواطف قلبي الملتاعة من الحب. تخطر في بالي غابة النخيل، وحين أخبرها عن قصة الكنز والكتابين اللذين يتحدثان عنه لا تصدقني، أقول إن أخي صافي ترك المدرسة بسببهما وأنه رأى في أحد الايام قطعة ذهبية بحجم الكيلو غرام تتوهج في الضوء بينما كان يبحث هناك إلا أنه  افتقدتها بسبب الحاح أصدقائه بالعودة قبل حلول المساء.  قالت ما رأيك أن نغيب من المدرسة ونذهب غدا لنبحث في المكان؟ قلت، نعم. قالت لو نعثر ولو على جزء بسيط من الكنز سنترك المدرسة نهائيا وسنتزوج ونعيش سعداء في حياتنا. هل المكان بعيد؟ سألتني،  قلت إنه في غابة النخيل الواقعة بالقرب من الجامعة. قالت آه.. تعني في منطقة “التنومة” لقد أخذني أبي معه في حفلة  تخرج أحد أبناء الضباط الذين يرأسونه وأمضينا ساعات هناك في الجامعة. قلت نعم وأنا أتذكر كشك القرطاسية وعبّارة الجامعة. اتفقنا على أن نلتقي قرب الكشك في العاشرة من صباح اليوم التالي.

عذرية سميرة

غادرت في الثامنة  صباحا بعد أن اشتريت من محل قريب من بيتنا قنينتي عصير برتقال ووضعتهما في كيس أسود من البلاستيك. استقليت حافلة النقل العام إلى منطقة العشار حيث ترجلت في آخر موقف أي في ساحة “أم البروم”. المحطّة الرئيسية التي تتفرغ منها خطوط النقل إلى معظم أحياء المدينة. غذذت الخطى بين أزقة بيوت الطابوق المتداخلة لمحلة “البجاري” ومنها اجتزت “شارع الكويت” الواسع ودلفت بين واجهات الزجاج الغارقة بالأضواء الساطعة لمحلات بيع الأقمشة والخياطين في سوق حنا الشيخ؛ متابعا السير نحو نهر المدينة الكبير غير قادر على تركيز انتباهي على أي شيء آخر سوى التفكير في سميرة.

 وقرابة العاشرة وصلت إلى الكشك الذي اتفقنا على اللقاء قربه، كانت الظلال تتطاول لتغطي الأبنية الممتدة على الجانب الأيمن من شارع الكورنيش، بينما انتشرت أشعة شمس برتقالية على السفن وزوارق الصيد. رأيت سميرة واقفة عند الكشك وهي تضع حقيبتها المدرسية التي بدت منتفخة على كتفها متشاغلة بتصفح مجلة. لاح تحذرة ومشوّشة وهي تنقل نظرها بين الصفحات والعمال المنشغلين بنقل صناديق البضائع من السفن لوضعها على الرصيف. وحينما رآتني مقبلا ابتسمت وأعادت المجلة لمكانها، سألتها ان كانت على مايرام فردت بنبرات ثقيلة لا، لا، اشعر بالخوف ربما يرانا شخص يعرفني ويخبر أهلي. قلت لا أعتقد ذلك، لا أحد في منطقتنا يعمل بالبواخر، دعينا نعبر النهربالعبارة لنذهب صوب غابة النخيل ومن الأكيد ستغادرك مشاعر الخوف. لم يتح لي اضطرام أشواقي ولهفتي الاستفسار والتدقيق عن الكيفية التي وصلتْ بها، لكنها تمتمت بحياء كما لو تعلمني سرا بأنها رتبت الأمر مع أب إحدى صديقاتها الطالبات ليوصلها إلى المكان(سائق تاكسي عجوز مخمور أغلب الأوقات ولا يدقق بالتفاصيل) مبلغتاه بأن سميرة في صف آخر ولديها سفرة نهرية ستنطلق من الساحل في العاشرة صباحا.

 صعدنا العبارة، سميرة ترتدي تنورة زرقاء وقميصا أبيض. أنا ارتدي بنطالا من الجينز الازرق وقميصا ابيض طويلا يسترسل على البنطال، اتكانا (أحدنا يقابل الآخر) إلى سلاسل العبارة. بدت سميرة مرتبكة وهي تتطلع لمويجات المياه الخضر المنداحة بعيدا عن ماكنة العبارة وهو تبتعد عن الجرف. حينما وصلنا الجهة الاخرى من النهر نزلنا وأخذنا نمشي على جانب الطريق الاسفلتي الذي تقع جامعة البصرة على مقربة من منتصفه، اجتزنا أبنية الجامعة وواصلنا سيرنا الى نهاية الطريق حيث تفرعت عدة دروب ترابية متعرجة؛ على اليمين ثمة بيوت من الآجر متروكة ارتمت قرب اسيجتها المهدمة هياكل سيارات محروقة والى اليمين تناثرت أكواخ طينية امتدت جوارها غابة النخيل، انحرفنا إلى اليسار كانت هناك مجموعة تنانير من الطين بنيت ولم يجف طينها تماما. سميرة غادرها  خوفها وأخذت تنفتح أسارير وجهها. امتدت الأفياء على  السواقي، والخلال(البلح) الذي نضج مبكرا تساقط بعضه في القيعان. تطلعنا نحو أحد الأكواخ  حيث كان حمار يتمدد مسترخيا وبمحاذاته ديك يحاول القفز على دجاجة، إلا أنه في كل مرة يفشل في اعتلائها يصعد على أحد التنانير ليصيح، تباطئنا بخطواتنا وأخذنا نرقب المشهد، لقد حاول عدة مرات وفي المرة الأخيرة أفلح في ابقاء جسده المرتعش فوقها للحظات ثم نزل منتشيا ومنفوخ الريش فنهض الحمار في تلك الاثناء وطفق بالنهيق فعلقت وأنا أنظر في عينيّ سميرة أن الحمار يباركهما الآن فشرعت بالضحك ممسكة بخاصرتها.أسراب من اللقالق حلقت فوقنا لبعض الوقت ثم تلاشت وراء غابة النخيل. انحرفنا إلى اليسار، لاحت سميرة فرحة وبدأت تنقل قدميها على التراب بين الأشواك بخفة كأنها مستمتعة برحلة اكتشاف المكان.

وقفنا عدة مرات وتطلعنا إلى عذوق النخل وهي تتوهج بالبلح بلونه الأصفر المتوهج، أردت أن اصرخ أني فرح، اني مبتهج جدا بمرافقة سميرة، شكرا لك أيتها الحياة، شكرا لك يا نهر شط العرب، شكرا لك يا صافي، شكرا للظروف التي تركت سميرة وحيدة معي في هذا الوقت.

أردت أن اصرخ بهذه الجمل بأعلى صوتي لأجعلها تصطدم بجذوع النخل ثم تنتشر فوق سماء المدينة وتبلغ الناس بسعادتي، إلا أنني خشيت من أن تقول بأنني مجنون وتغير رأيها وتعود، فسيطرتُ على نفسي وأنا أعبّر عن هذا الشعور بكلمات مثل؛ سميرة تطلعي ما أجمل النهر، أو ما أرق النسيم وأعذبه، أو هل حصل لك وكنت بمثل هذا الاتساع وأنت ترقبين النخل بعذوقه الذهبية؟ بدأ الدرب يضيق حتى تلاشى بين العشب والعاقول. أتطلع إلى البلح، لم يكن شبيها بالبلح الذي كنت أراه في الأسواق، اللون الأصفر بدا أكثر اشعاعا كأنه من ذهب وكذلك اللون الأخضر للسعف أو اللون البني للجذوع لاحا ببريق ينتمي لعالم الأحلام. كلما توغلنا أكثر امتلأ المكان أكثر فاكثر بنبض الحياة؛ البلابل وهي تتطاير حول أعشاشها بلطخات الريش الاصفر تحت ذيولها وطيور “أبو الزعر”الصغيرة التي تتقافز بين أشجار السدر والتين والتوت، وعلى الرغم حرارة الصيف امتزج الهواء ببرودة منعشة.

 طيور خضر وبيض بمناقير زرق تحط وتطير بالقرب منا، أصوات البلابل تصدح في الغابة وهديل الحمام وحفيف الفراشات الملونة المرفرفة حول الزهور يتعالى كأنه سيعكس نهاية لا مناص منها. أشجار ضخمة تساقط التوت منها بألوانه المختلفة، الارجواني الفاتح والغامق والأحمر القرمزي. وقفنا قرب إحدى الشجرات، قالت سميرة وضعت في الحقيبة بعض الكباب والخبز والريحان وبطانية خفيفة  بدلا من كتب المدرسة. قلت هذا رائع وأنا جئت بقنينتي عصير برتقال مستنشقا العطر المثير الذي ضمخت به قميصها الأبيض. خشت سميرة من أن تتلوث ثيابها بالتوت، فقلت لها انزعيها وعلقيها على أحد الاغصان، ترددت، ثم قالت:هل حقا تحبني؟ قلت أحبك بعمق هذا النهر، وأنا أشير إلى شط العرب. قالت هل تعدني إذا وقــــفت وراء الجذع لا تنظر إليّ، قلت: أعدك. أخذتْ البـــــطانية قربها، خلعت تنورتها وقميصها ولفت جسدها بالبطانية لتجلس فوق حجر كبير بجانب جذع الشجرة.

 وأنا أخطو قرب سميرة متفحصا الأرض، لم تكن لدي فكرة عن الشكل الذي سيكون عليه الكنز؟ لكني توقعته بأنه سيكون بسيطا ونقيا مثل قلب سميرة.

تطلعت الى بهاء صدرها من خلال طرفي البطانية التي تلف بها جسدها وهي تجلس امامي، بعدها عدت أتأمل اللون الحنطي لكتفيها اللذين تنديا بالعرق واسوداد أهدابها الوطفاء حيث انزاحت الى الوراء من عينيها خصلات من شعرها الكستنائي الطويل. كانت ثمة زهور بالوان متوهجة بالقرب منا، قطفت زهرة صفراء وشككتها في شعرها، فتمددت على ظهرها فوق العشب وهي ما زالت تلتف بالبطانية محركة  يديها في الفضاء  قائلة: يا لسعادتي.. هلم نرتو ودا إلى الصباح، محركة يديها كأنها فاقدة للوعي أو نائمة وأمواج من ضوء أبيض تدور من قدمها الأيسر مارة بربلة ساقها، خصرها، ثم شعرها لتدور إلى ذراعها الأيمن. قرّبت رأسي من عنقها (لا أعتقد بأنني سأنسى ذلك اليوم مهما سيحصل لي) فرمت  يدها في المياه المنسابة في الساقية المجاورة لها، سحبتها من قدميها إلى البطانية. الريح شرعت بالهبوب، فسقط قميصها الأبيض من الشجرة على الأرض وحينما نهضت لأرفعه رأيت جسد سميرة يتوهج بالضوء، أنظرُ حوالي، حائرا بجهالتي، في تلك الاثناء شعرت بأن تلك العناصر او الكائنات غير المرئية التي استحوذت على روح صافي محاولة نصحه في ايجاد الكنز تملأ المكان وتقودني إلى كنزي حاملة بين أيديها الشكل الخارجي لدم عذرية سميرة، فادركت كنز صباي وأحلامي. أرخت سميرة يديها عن البطانية الخفيفة التي طفقت تزيح طرفها الريح، جرتني من يدي فوق جسدها وهي تردد كفى كفى كفى، فامسكتها وقبلتها وأخذنا نرتوي وداً ونتلذذ بالحب، وعندما تداخلت أرجلنا شعرت بسائل حار ينسرب على فخذي، تناثرت بضع قطرات من الدم على طرف قميص سميرة المرمي بجانبنا، خيّل إليّ أن مياه الساقية المجاورة تكتسي بمياه حمر لتختلط بأمواج شط العرب الذي سيفيض وتصل تلك الامواج الحمر  شارعنا مخبرة أهل سميرة وأهلي بما حدث، كما خيّل إليّ أن تلك الكائنات التي تحرس الكنز تقدم التهاني لنا على ما قمنا به، كانت فِرحة وهي تتخذ شكل  طيور خضر بذيول بيض تأتي قربنا من الشرق والغرب وتزقزق كأنها تبارك تحقق حلم جسدينا. ظلت سميرة مغمضة العينين بعض الوقت وهي تتأوه بكلمات عن القسوة والسعادة والموت بينما أشعة الشمس المتخللة عبر غصون الأشجار تصنع  مكعبات من ضوء على خصلات شعرها الغزير واضلاعها وأسفل ركبتيها. تناولنا الطعام واسترخينا قليلا ثم تشابكت أرجلنا مرة أخرى وانفجرت أحاسيس طاقاتنا الجنسية ثانية وثالثة وخامسة، وحينما شعرنا بالتعب عدنا إلى البيت في الرابعة عصرا.

اختفاء سميرة

بعد بضعة  أسابيع اختفت سميرة من المدرسة والبيت وشعرت بحزن لا يوصف لفراقها، وبعد الحاح متواصل على أخواتها وأمها لمعرفة مكانها اخبرتني أمها بأنها حامل مني وأنها  تسكن مؤقتا في بيت بمنطقة” القرنة” مع عجوز  قريبة لها خشية من يعرف أبوها.

 وحين ذهبت إلى بيت المرأة العجوز لأرى سميرة سألتني وهي تبكي بكاء مرا  أن أفاتح أبي  بصدد موضوع زواجنا، فرددت عليها لا أعتقد بأنه سيوافق، سيظن بأني اصطنع قصة الحمل لأضغط عليه لكي يقبل فكرة الزواج، من الأفضل أن تكلمه أمك.. بعد أسبوع تقريبا جاءت أمها إلى بيتنا وأخذت تتحدث مع أبي عن امكانية زواجي من سميرة، بينما هو يرفض بشدة مبررا رفضه بأنني مازلت في المدرسة وغير مؤهل للزواج، فطالبته المرأة بمبلغ كبير من المال كي تأخذ سميرة إلى عيادة تجهض فيها، فرد أبي لا يعقل أن يفعل ابني هذا، إذا ترغبين فيه يمكنك أن تأخذيه من الان معك لكي يتزوج ابنتك، إنه ابن عاق، انني متخل عنه، لكن امهليني بعض الوقت وسأدبّر المبلغ.

 كنت أقف في الممر واسترق السمع من النافذة المطلة على غرفة أبي، بعد ان غادرت المرأة، نادى عليّ، وسألني ان كان كلام المرأة بشأن ازالة بكارة سميرة صحيحا؟ فاجبت نعم صحيح.. فنهض من مكانه بدشداشته البيضاء وحزامه الجلد في يده قائلا: انني متبرئ منك، انك لست ابني لا ارغب برؤيتك ثانية، أنت ولد كريه. ألا كان الأجدر بك أن تموت وراء أمك بدلا من المجيء هنا لتعبث بفتيات الناس. كنت أقف في زواية الغرفة بينما هو يقف عند الباب لمنعي إذا ما أردت الافلات منه، حاولت أن أهرب إلا أنه امسكني من دشداشتي  وأخذ يضربني بحزامه على صدري وساقي ويدي، اخرج من البيت وهو يضربني ثانية وثالثة، لا أريد أن أراك، إنني أكرهك. قلت أبي سأخرج، وأنا أُدخل جسدي تحت سريره  متجنبا الضرب، أبي أرجوك كفى. قلت: أبي سأتزوجها وأنفق عليها لكنه أخذ يضحك مني، ثم قال: “مَنْ ينفق عليها أنت الذي حرقت سترة الرجل بسبب انشغالك بقراءة الكتب السخيفة؟ مَنْ أنت الذي يتردد على بيوت القحاب في المبغى وأصطحبت معك صديقك باسم لكي تجعله ينام مع أمه؟؟”  وحتى لو كنت قادرا على الانفاق عليها فانني لا اريد الارتباط بعائلة ذي سمعة مشبوهة، تركت كل الفتيات وتريدني أن ارتبط بعلاقة نسب مع أم سميرة جاسمية الفاجرة، في آخر عمري ولد مثلك لا يساوي شيئا يريد أن يلطخ سمعتي بالوحل”، رددت عليه: وافق على الزواج فقط وأنا سأتدبر معيشتها وآخذها واذهب بعيدا عنك وبهذا لن تتلطخ سمعتك بالوحل، لكنه أخذ يهز بيده، فادركت عدم قيمتي عبر تردد ضحكاته الساخرة. انطباع واحد يمكنني استرجاعه من الحوار بأنه لو كانت أمي على قيد الحياة لما تصرف أبي هكذا. ابي سأذهب بعيدا لا تضربني أكثر، أرجوك كفى وأنا أصرخ صراخاً شديداً، إلا أنه جرني من دشداشتي وأخرجني من تحت السرير وانهال عليّ ضربا بالحزام حتى فقدت الوعي. حين أفقت وجدت أختي حنين وأخي صافي  يمسحان وجهي وصدري بكمادات باردة، أحسست بأن أبي من القسوة والكراهية التي لا حد لها للحياة والناس، انتابني ذعر من أن  هذا الأب الذي يجلس إلى جانبي لا يربطني به شيء، ومع ادراكي هذه الفجوة الهائلة التي تفصل بيننا، لا أجرؤ على التفكير، كيف حدثت..؟ كان مجرد التفكير بتلك العلاقة التي بيننا يعني الاقتراب من نار تغطيها قشرة من الرماد، وما انخدع به النظر بأنه رماد ها هو يندفع بوهجه القاسي، لهيب غير مبال لكل الأفراد الذين اندفعوا من صلبه. تمددت في الفراش والعرق الغزير يغرق جسدي وأنا أبكي في الظلام مفكرا بالهروب من بيت الأب إلى الأبد. وقبل أن يغلبني النعاس بقليل خطرت بذهبني فكرة الذهاب إلى مدينة العمارة حيث تسكن شقيتي لميعة المتزوجة من ابن عمتي هناك.

  { كاتب عراقي مقيم في امريكا

Kmahdi602@hotmail.com