
شخصيات لها تاريخ.. فؤاد الركابي
شديد الذكاء محط إعجاب الأوساط القومية بهدوئه وصراحته
حيدر زكي عبدالكريم
يقول الكاتب المصري محمد زكي عبدالقادر : ” أن التاريخ ذكريات محفوظة والعمر ذكريات مطوية ، ومن يلتمس الخلود يجده في التاريخ ولا يجده في العمر ، لأنه يمضي ولا يعــــــود ” .
– الولادة والنشأة : ولّد فؤاد احمد مطر الركابي عام 1930 بمدينة الناصرية في جنوب العراق ، من اسرة عربية ، من الطبقة المتوسطة في المجتمع العراقي ، والده احمد بن مطر بن فوزي بن احمد بن خوان من ال طعيمه من بني ركاب ، كان يسكن في مدينة سوق الشيوخ وانتقل الى مدينة الناصرية مع نهاية عشرينات القرن الماضي وعمّل موظفا في بلدية الناصرية ، وفؤاد هو الولد الوحيد مع شقيقتين .
أكمل فؤاد احمد مطر دراسته الابتدائية والثانوية في مدينة الناصرية وبتفوق متوجها لإكمال دراسته الجامعية ببغداد ضمن كلية الهندسة بقسمها المدني وتخرج مع العام 1952-1953 ، وعيّن موظفا بمجلس الاعمار بدرجة معاون مهندس.
لاجئة عراقية
تزوج فؤاد احمد مطر سنة 1962 من امرأة تدعى سلوى محمود الدرة من مدينة الموصل وكانت لاجئة مع عائلتها في القاهرة .
– حياته السياسية : في بداية شبابه تأثر بأول حدث سياسي في العراق الملكي وهو حركة مايس 1941 التحررية الوطنية ، وكان لابد والحالة هذه ان تبرز قوى وشخصيات وطنية متحمسة والتي حصلت على تعليم مناسب وبدأت تنظم نفسها من خلال انتخابها للأحزاب الوطنية والقومية الرافضة للوضع القائم آنذاك ، وعلى سبيل المثال ظهور حزب قومي بعد الحرب العالمية الثانية تأسس في سورية وهو حزب البعث العربي الاشتراكي في نيسان 1947 كمنظمة قومية اصبح لديه فروع في اغلب الاقطار العربية فيما بعد ، والذي وصل للعراق عن طريقين الاول مجيء عدد من الطلاب السوريين للدراسة بالعراق ، والثاني الطلاب العراقيون في سوريا . الذين جلبوا الكراسات التي اصدرها الحزب في سوريا مثل كراس احاديث البعث العربي وكراس ذكرى الرسول العربي وكان البعث في تلك الفترة (هو حرية العربي في الابداع) على حد وصف البعض انذاك.
تكوين تشكيلات
اما بخصوص اوائل البعثيين في العراق فهم كلٌ من : ” عبدالرحمن الضامن وفايز اسماعيل وفؤاد الركابي وشفيق الكمالي وتحسين معلة وعدنان العزاوي ومحمد الاسود وجاسم محمد الباقر وجعفر قاسم حمودي وشمس الدين كاظم وفخري ياسين وجاسم محمد حمزة وعبدالله سلوم السامرائي وعبدالله نجم وعبدالله عودة الفخار وغيرهم ” ، وأول التشكيلات تكونت في بغداد عام 1950 وتكونت من عبدالرحمن الضامن وفؤاد الركابي وفخري ياسين وطه علي الرشيد ، وأخذ البعث ينتشر خارج بغداد ببقية المدن العراقية عن طريق الندوات الموسعة والنشرات السرية ومنها على سبيل المثال لا الحصر في مدينة الناصرية عندما تشكلت اولى الخلايا من الشباب ومنهم عبدالله الركابي ومعاذ عبدالرحيم ونعيم حداد وفي الرمادي عن طريق الشاب يونس حسن المصلح وفي كربلاء استطاع سعدون حمادي ان يبذر البذرة الاولى فيها ، واصبح الجميع اتصالهم ببغداد وبفؤاد الركابي مباشرة ، الى ان اصبحت الحاجة الى تأسيس قيادة تُشرف على كافة الفروع وبمبادرة من فؤاد الركابي تم طرح المشروع لتشكيل قيادة قطرية منتخبة ممثلة بفؤاد الركابي اول امين سر للقطر العراقي في تشرين الثاني 1952 وجعفر قاسم حمودي مسؤول شعبة بغداد ومحمد سعيد الاسود مسؤول عن الاتصال الخارجي وفخري ياسين قدوري مسؤول المكتب الثقافي ، واستمر هذا التشكيل حتى انعقاد المؤتمر القطري الاول في كانون الاول 1955 ..
اهتم فؤاد الركابي بتثبيت قاعدة الحزب الفكرية والتنظيمية وهو صاحب فكرة طبع كتاب في سبيل البعث ، ومن الجدير بالذكر مثلما اخذ تنظيم الحزب يتسع بدخول عناصر عراقية جديدة ، انتشرت افكار الحزب بين صفوف الطلبة العرب الذين كانوا يدرسون في المعاهد والكليات العراقية ، ومن اوائل الطلبة العرب كما جاء في كتاب ” دور حزب البعث العربي الاشتراكي في الحركة الوطنية : ص125: بلقاسم محمد من تونس وابو بكر الحبشي من اليمن ومحمد سالم من ليبيا ورفعت ابراهيم الخليلي من فلسطين وعبدالرحمن منيف من السعودية وغيرهم ” .
وبدأ دوره الوطني يأخذ اكثر فاعلية فقد اسهم بدور مميز بانتفاضة تشرين الثاني 1952 – انتفاضة طلبة الكليات التي عرفت في حينها ، كما ساهم بالتحشيد من خلال حزبه ضد حلف بغداد في شباط 1955 ، وكان نتيجتها القاء القبض عليه من قبل السلطات ومن المفارقات الطريفة ان الحاكم الذي وقف امامه مجموعة من البعثيين بضمنهم فؤاد الركابي – ابدى اعجابه بهم وهم يروون قصة كفاحهم مع الاستعمار وحكوماتهم الرجعية العميلة وتضامن معهم … كما ساهم فؤاد الركابي بدور نضالي متضامنا مع باقي الاحزاب السياسية العاملة في الساحة العراقية ، من خلال التحالف معها ومنها الحزب الشيوعي العراقي – ضد العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 ومواجهة اجراءات حكومة نوري السعيد 13 ، وبالتالي ادت الاحداث المتسارعة الداخلية والخارجية الى ان تتبلور جبهة الاتحاد الوطني عام 1957 بائتلاف القوى السياسية الوطنية ” حزب البعث العربي الاشتراكي والحزب الشيوعي العراقي وحزب الاستقلال والحزب الوطني الديمقراطي ” وكانت قيادة حزب البعث تتواصل مع اداة التغيير الفاعلة وهي الجيش بعناصره الوطنية من تنظيم الضباط الاحرار .
اشرقت شمس تموز 1958 وبالرغم من بعض السلبيات التي ترافقت مع هذا الحدث الا انها كانت عفوية من صغار ضباط الجيش ومن الجماهير المندفعة ، الا ان ما احدثته من تغيرات جذرية اسهمت بدور حقيقي وايجابي على مختلف المستويات فيما بعد .
شارك فؤاد الركابي بأول وزارة لحكومة الثورة من 14تموز 1958 الى ايلول 1958 وزيرا للأعمار كونه مهندسا عمل مسبقا بمجلس الاعمار والتحق في مساء 14تموز 1958 بمجلس الوزراء بوزارة الدفاع ليتسلم مهامه في اليوم التالي ويبادر بإعادة المفصولين الوطنيين وتطهير الجهاز الاداري من الفاسدين في الحكومة وفي وزارته واهتم بشؤون وزارته وقوانين مجلس الاعمار والشركات الاستثمارية ومشاريع الاسكان وازمة السكن ودور الشركات الاجنبية الاحتكارية في هذا القطاع وكذلك مشاريع الطرق والجسور وغيرها ويذكر في هذا الصدد شاهد عيان معاصر للأحداث :
” اهتم المرحوم فؤاد الركابي بعوائل العمال والشريحة الكادحة وتقديمه مقترحات للحكومة بتوزيع الدور الجاهزة ومدة انجازها وتكلفتها ، واسهم بتخصيص مالي كذلك لبناء دور جاهزة في شمال العراق للكرد باعتبارهم جزء من ابناء الشعب العراقي الكريم ” . وبالرغم من الفترة المحدودة لوزارته الا ان الخلافات السياسية التي نشبت بين مختلف الكيانات السياسية وتوجهاتها ، صدر قرار بإعفائه وتعيينه وزيرا للدولة ، وتدخلت القيادة القطرية حول مسالة الاستقالة النهائية لفؤاد الركابي من الحكومة وبالتالي تم تقديم استقالة جماعية وعرفت في حينها استقالة الوزراء القوميين في 3 من شباط عام 1959 ، وبعد حركة الشواف – انتفاضة الموصل 1959 وما ترتب عليها من انتهاك لحرمة المدينة المحافظة واعدام قسم من الضباط الاحرار وصراع الجماهير في الشارع بمختلف توجهاتها وميولها اصبحت الفوضى السمة البارزة ، عرض حزب البعث القوة السياسية العاملة مشروع اغتيال رئيس الحكومة وفق المفهوم الثوري وان تتم هذه الخطوة بالتعاون مع اطراف سياسية اخرى وبدون تدخل من أي جهة خارجية للحفاظ على سرية الموضوع ونجاحه وتم تحديد موعد التنفيذ بتاريخ 7\10\1959 في نقطة تسمى راس القرية بشارع الرشيد وبتوجه رئيس الوزراء نحو النقطة المذكورة تم التصدي له واطلاق الرصاص عليه ونجا بأعجوبة بعد اطلاق اكثر من 150 رصاصة على عجلته واصيب بجراح مع مرافقه قاسم الجنابي ، وسقط عبدالوهاب الغريري متأثرا بجراحه نتيجة تغير موقف الرماة واصابته بطلقات رفاقه ، وكشفت السلطات هويته فيما بعد . وفي هذا الصدد تشير الوثائق البريطانية الى الموقف نقلاً عن العسكري ابراهيم خليل حسين وموسوعته العراق في الوثائق البريطانية ، ج4، ص 186 : حسب الوثيقة المرقمة F.o\371\140925 من السفارة البريطانية الى الخارجية البريطانية وملخصها : ( بعد حادثة الهجوم ، انتشار العجلات المدرعة وغلق المنافذ الحدودية مؤقتا والتفتيش لأكثر من عشرين مرة للسيارة الواحدة في نقاط التفتيش وشباب يرتدون القبعات الحمراء يجبون الشوارع ، الناس مشغولون بحادثة الاغتيال اكثر من أي شيء اخر ، عمليات اعتقال عديدة ، عندما يغادر رئيس الوزراء المستشفى ستجرى له احتفالات جماهيرية ، اشتباكات صحفية بين اطراف النزاع – صحيفة اتحاد الشعب الشيوعية تهاجم مصر وعصابات الشواف ومن الجانب الاخر صحيفة الثورة البعثية التي نشرت مقالا مثيرا جاء فيه ” اين هي الدوائر الاتحادية أي المقرات الشيوعية قرب المكان الذي تعرض فيه رئيس الوزراء لحادث الهجوم ، فلماذا اخفق الحاضرون هناك في القاء القبض على أي من اولئك الذين تمكنوا من الهرب ، هل السبب في ذلك كونهم ابطالا في القول والصياح فقط عاش النضال “) .
وفي يوم الخميس 25\2\1960 الساعة الرابعة عصرا انعقدت المحكمة العسكرية العليا الخاصة لإصدار احكامها بالإعدام شنقا حتى الموت والسجن والبراءة واحكاما غيابية على المشتركين في محاولة اغتيال رئيس الوزراء عبدالكريم قاسم . وفي الجانب الاخر اصدرت القيادة القومية لحزب البعث قرارا بفصل فؤاد الركابي من الحزب بتاريخ 15\6\1961 ونقلاً عن صحف بيروت في 22\6\1961 : ” قررت القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي فصل السيد فؤاد الركابي من الحزب استنادا الى لائحة الاتهام المقدمة من منظمة الحزب في العراق تتعلق بتصرفاته عندما كان في العراق ونظرا لألتحاقه بمجموعة عبدالله الريماوي /الاردن التي ابعدها الحزب من صفوفه عام 1959″ .
وفي اليوم التالي 23\6\1961 عقد فؤاد الركابي مؤتمرا صحفيا في فندق الريفييرا ببيروت وتلا نص البيان الذي وقعه – وملخصه : ” اعلان انفصال قطر العراق عن القيادة القومية لحزب البعث واتهام القيادة القومية بالانحراف عن عقيدة الحزب ومحاربة الوحدة والالتقاء مع الاستعمار وان القيادة القومية خطر على القضية القومية العربية .. “
وفي هذا الشأن يرى شاهد عيان معاصر للأحداث رؤيته عن سبب الخلاف بين قيادة قطر العراق والقيادة القومية هو ليس سبب الاغتيال نفسه وانما يعود الى : ” ان قيادة ميشيل عفلق حلت الفروع القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي تماشيا مع قيام الوحدة بين سورية ومصر واعلان الجمهورية العربية المتحدة آنذاك دون الرجوع الى استشارة الفروع القطرية وفق دستور الحزب ، وبعد فترة من المتغيرات السياسية في العراق ، قامَ عفلق بنفس الاسلوب السابق بمحاولة اعادة الحزب وفروعه للوقوف ضد الجمهورية العربية المتحدة تمهيدا للانفصال – وفقا لما تقتضي مصلحته واهوائه وهذا موثق تاريخيا من اغلب القيادات السابقة لحزب البعث ” .
عودة سياسيين
بعد قيام حركة 8 شباط 1963 وصدور قرار عودة السياسيين الوطنيين الى العراق وصلّ فؤاد الركابي الى مطار بغداد قادما من القاهرة في نيسان 1963 وحدثت مشادة كلامية وهو في المطار مع احد قيادات حزب البعث التي تشكلت بعد العام 1961 ، وفضلّ العودة الى القاهرة مجددا ، ومع قيام حركة 18تشرين الثاني 1963 وازاحة حزب البعث عن السلطة بسبب الانشقاقات الاخيرة في صفوفه عاد فؤاد الركابي مرحبا به في وطنه من قبل الساسة واولهم الرئيس الراحل عبدالسلام محمد عارف ، ولقد تم اختياره في التشكيلة الوزارية 1964-1965 وزيرا للبلديات والشؤون القروية وكعادته بدأ يمارس مهامه بكل مثابرة وزياراته التفقدية للألوية (المحافظات) العراقية وتقديم ودراسة المشاريع لتنفيذها ، لكنه قدم استقالته عام 1965 نتيجة الخلافات التي حدثت بين الكتلة القومية والرئيس عبدالسلام عارف ، وخلال العام 1966 تعرض للاعتقال من قبل حكومة عبدالرحمن البزاز بسبب محاولة عارف عبدالرزاق العسكرية للسيطرة على الحكم ، ولقد كان فؤاد الركابي من المؤيدين مسبقا لعبدالرحمن البزاز لتولي رئاسة الجمهورية باعتباره مدني وسياسي بعد مصرع الرئيس عبدالسلام عارف في نيسان 1966 بحادثة الطائرة قرب مدينة البصرة في جنوب العراق .
بعد تشكيل ناجي طالب لحكومته في اب1966 ، اطلق سراح فؤاد الركابي الذي كان من المقربين لناجي طالب وتم استدعاء فؤاد الركابي الى القصر الجمهوري مع زملائه من الوطنيين والقوميين للمشاركة في ابداء الرأي وبناء الوطن في تلك المرحلة .
كما تم ترشيحه سفيرا في حكومة ناجي طالب لدى مصر ، لكن بضغوط على الرئيس الراحل عبدالرحمن عارف تم الغاء الترشيح .
نشيد وطني
ومع انقلاب تموز1968 أسُتدعّيَ فؤاد الركابي من قبل الاديب والشاعر شفيق الكمالي وزير الشباب في حينها وهو صاحب النشيد الوطني العراقي السابق ، وعلى اية حال – استجاب فؤاد الركابي الى الدعوة في مكتب الكمالي تحديدا في اب 1968 للقاء بقادة الانقلاب وابلاغه من قبلهم بوقف نشاطه السياسي ومغادرة العراق فورا ، اعتقل فؤاد الركابي في نيسان 1969 واطلق سراحه ، واعتقل ايضا في ايار 1969 بتلفيق تهمة زائفة لم ولن تثبت صحتها . وحكم عليه لمدة ثلاث سنوات واقتيد الى سجن بعقوبة / ديالى ، ونقلا عن احد الاشخاص المعاصرين : ” لم يتخل الشهيد فؤاد الركابي عن عمله الوطني والقومي وخاصة مع رفاقه من القوميين والناصريين ، وكان يوثق ما حدث للعناصر الوطنية والقومية داخل السجن ويرسلها برسائل عن طريق زيارة اصدقائه له ويرسلها للأخرين . وفي حالة نادرة من نوعها وهو في داخل السجن اسس حزبا يحمل الافكار العروبية اطلق عليه ” الحزب العربي الديمقراطي الناصري ” وكان يدير تشكيلاته في الخارج من داخل الســـجن .
وللحقيقة والتاريخ كان فؤاد الركابي محّط اعجاب من قبل الجميع على مختلف المستويات والاتجاهات فهو وحسب وصف الاخرين : ” جميل الخلق هادئ وصريح ومتواضع وشديد الذكاء له قدرة تنظيمية عالية ، انيق وسباح ماهر وذو علمية مهنــــــــــية في مجال اختصاصه الهندسة المدنية ” كما كان ملماً بالثقافة والادب وعلم النفس وله مؤلفات عديدة في مجال السياسة ومنها : ( الحل الاوحد ،ط1، القاهرة 1963 – الثورة العربية الاشتراكية والتنظيم ، ط1، القاهرة ، 1964- فصول في الثورة والعمل الاشتراكي ، ط1، القاهرة ، 1964 – ملامح التطبيق الاشتراكي في البلاد العربية ، ط1 ، بغداد ، 1968) .















