شخصيات عادية تحولت إلى رموز وأساطير

710

شخصيات عادية تحولت إلى رموز وأساطير
من حسون الأمريكي الى أبو نعال ظواهر تكشف خللاً في المنظومات الاجتماعية بالعراق
د. أكرم عبدالرزاق المشهداني
أطلعت من خلال شبكة اليوتيوب على الانترنت، على مجموعة أفلام مصورة بكاميرة الهاتف الجوال، قام بالتقاطها شبان من مدينة سوق الشيوخ بمحافظة الناصرية، بقصد التشهير والسخرية من شخصية شعبية اشتهر في مدينتهم، يلقب بـ أبي أنعام ولكن حُرّف لقبه من قبل المجتمع المحلي إلى أبو نعال . وتحولت هذه الشخصية إلى شخصية كارتونية بأفلام بثتها بعض الفضائيات والمواقع الالكترونية مستخدمة إياها في إطار حملة النقد والرفض الشعبي للأداء الحكومي، وقيل أنه توفي فيما بعد في مدينته.
لقد تألمت كثيراً للطريقة المستهجنة والمؤذية واللاأخلاقية، التي كان يُعامل بها الرجل المسن أبو أنعام من قبل بعض شُبّان مدينته، وكثرون كانوا يعتبرون ابو أنعام وريثاً للشخصية البغدادية الشهيرة المرحوم حسون العبيدي المعروف بـ حسون الأمريكي الذي ذاع صيته في مدينة بغداد أواسط الستينيات، والذي كان يتلقى التهكم بل والضرب والاعتداء عليه والاتهام بالجنون، رغم انه كان يمتلك من الاناقة والحكمة والذوق ما يفتقده منتقدوه ومهاجموه. وبالتأكيد هناك شخصيات مماثلة في أي مدينة أو مجتمع، لكن لم تأخذ المدى الإعلامي الذي أخذه كل من حسون الأمريكي و أبو أنعام .
في محافظة الناصرية تلقى أبو أنعام والذي حرفوا اسمه الى أبو نعال ، ذات ماتلقاه حسون الأمريكي من مضايقات وإعتداءات أوضحتها فديوات وأشرطة اليوتيوب، واذا كان من احال لي هذه الفيديوات، يتوقع مني انني ساضحك لرؤيتها، لكنني للأسف حزنت على حال مجتمعنا، وما آلت إليه منظومته القيمية التي تخرّبت عبر السنين الأخيرة، على عكس ما عُرف به المجتمع العراقي من طيبة وكرم وحُسن تصرّف وإحترام للكبير وللمسن وللمريض.
نعم لقد تعرّضت المنظومة القيمية للمجتمع العراقي لكثير من الوهن والتردي والخراب، خلال العقود الخمس أو الست الأخيرة، بسبب ممارسات الحكام، والتداخلات الأجنبية، والتخريب الذي مارسته قوى ظلامية وما زالت لحرف العراقي عن قيمه الأصيلة وإشاعة القيم الغريبة والهجينة.. وأتساءل مع نفسي، كيف إرتضى مجتمعنا المعروف بالطيبة في الناصرية، أن يتم إيذاء رجل مسن مهما كان وضعه ووصفه.. عاقلا أم مجنوناً وبهذا الشكل المقرف، والظالم، بل وإقترنت الإهانة وسوء التصرف بالإيذاء ورمي الحجارة.
كما أن تحريف إسم الرجل من أبو أنعام إلى ابو نعال زاد من وقع الألم والمعاناة على هذا الرجل قيام مؤسسات إعلامية عراقية بإنتاج أفلام كارتونية بإسمه المحرف.. زيادة في التهكم والسخرية؟ دون أي إعتبار لكبر سنه، أو لمرضه.
أليس هذا هو العيب بعينه؟
والمأساة أن من كانوا يحملون كاميرات الجوال لتصوير الملاحقات والاعتداءات على الرجل المسن هم أنفسهم من كانوا يُسهمون في إيذاء الرجل.
ومات أبو أنعام…
وجاءت الأخبار بأن الرجل مات في المستشفى.. بعد تعرضه للضرب والأيذاء من قبل من قيل أنهم مجهولون .. ويروى البعض أنه إمتنع عن أخذ الدواء، كما ظهر جليا في فيلم فيديو التقط له بعد الاعتداء عليه، وهو راقد بالمستشفى ويرفض تلقي الدواء والعلاج.
فهل هذه هي أخلاقنا العراقية التي نفتخر بها؟
وهل هذا إحترامنا لحقوق الإنسان المسن؟
وهل هذا من الدين في شيء؟
لم يكتف المعتدون بملاحقة الرجل المسن، والاعتداء عليه واستفزازه، بل صوروه، ونشروا صوره، وجعلوا افلامه سلسلة مخجلة مخزية على شبكة اليوتيوب شبكة الفضائح . وهم يضطرون هذا الرجل المسن بسبب محدودية ثقافته وحالته الصحية النفسية ومن آلام التعدي أن يتلفظ بألفاظ نابية وساقطة ويتصرف تصرفات خارج الذوق كما في نزع لباسه وإظهار عورته ، وغيرها من المشاهد التي أعتقد أنها تسجل مرحلة متدنية من السقوط القيمي للبعض في مجتمعاتنا.
هل حقا هذه هي قيمنا؟
ترى لماذا يسهم البعض بالإساءة للعراق بهذا الصورة البشعة التي تظهر العراقي وكأنه منزوع الضمير والوجدان والإنسانية والأخلاق؟ لقد جعلوه يتلفظ بألفاظ نابية لا تليق بالعراق وشعب العراق ومجتمع العراق.
ولو حصل هذا في الغرب لكان هناك محامون يتطوعون دفاعاً عنه لمحاكمة جميع من أساءوا لهذا الرجل المسن، وأدوا للإعتداء عليه… ووفاته.. وقبلها تسببهم في إرتكاس حالته النفسانية، وتوريطه بالألفاظ النابية، وأكثر من كل ماتقدم تصوير وتوثيق هذه الاعتداءات والمضايقات وبثها على اليوتيوب.. وآخرها وفاة المسكين من جراء الاعتداء عليه.
ولعل البعض يتساءل
ترى هل خلت الناصرية التي صورت فيها اللقطات من أناس أخيار ذوي سطوة ومهابة ليمنعوا ويردعوا المعتدين؟ أم إن اللامبالاة صارت عادة وعرفا واخلاقا ثابتة؟
أعتقد أننا نعاني من كارثة إجتماعية، وليختلف معي من يختلف، لكن هذا هو الواقع ونحن بحاجة لتضافر جهود الجميع من اجل العودة بالشعب والمجتمع إلى ماكان عليه من قيم الأخوة والإيثار والنخوة والشهامة والعطف والعدل والإنصاف، وسائر القيم التي إتسم بها مجتمعنا عبر العصور.
مات أبو أنعام أو أبو نعال كما يحلو للبعض تسميته ، ووفاته بهذه الطريقة المأساوية تعكس مرضا مجتمعيا وسقوطا قيمياً بالامس كما يروي البعض من اهالي سوق الشيوخ كان هذا الرجل طيب القلب يمشي بين الناس ملكا.. يقدم العون لهذا ويساعد ذاك.. ويشارك في المواساة بالاحزان والتهنئة في الافراح، لكن المجتمع قابله بالسوء والنبذ فنعته بالمجنون تارة فيزدريه ويحقره، وتارة يعامله كبهلوان ليضحك عليه الاطفال والمراهقين ناقصي التربيه والاخلاق… ولم يتركونه لشأنه كما تترك المجانين وشأنهم بل اخذوا يحيكون له القصص البلهوانية المضحكة والساخرة من قذف وسب وشتيمه وتصويرها على شكل مقاطع فيديو ونشرها في الموبايلات وعلى شبكات الانترنت فلم يخجلوا من شيبته..
مات أبو أنعام إبن سوق الشيوخ… ولا أظنه بارئ الذمة لمن اعتدى عليه من أهالي سوق الشيوخ التي شاهدناه في احد افلامه وهو ينعتها بسبب المضايقات والألم بـ سوق الفروخ ، حاشا لسوق الشيوخ ولأهلها الكرماء هذا الوصف، لكن ما لاقاه أبو أنعام من عنت الجهال وأذى الصبيان ونعوت المراهقين، وكاميرات الجوالات التي تلاحقه وتبث أفلامه في سوق النخاسة الأنترنيتية، جعله يكفر بسوق الشيوخ وكل أمر حسن ولطيف فيها.
بين حسون الأمريكي وأبو أنعام
أعتقد أن ظاهرة أبو أنعام، ربما تكون إمتداد أو إستنساخاً لظاهرة حسون الأمريكي الذي كان حظه أفضل من ابو أنعام، ففي وقت حسون لم تتوفر الهواتف الجوالة ولا الانترنت ولا اليوتيوب. كما أن أخلاق الناس كانت نوعاً ما، أرقى وأحسن من يومنا هذا، فبرغم مالاقاه حسون من نقد وسخرية واستهزاء ومضايقات لكنها لم تصل لحد الطعن والضرب والإيذاء البدني، ولا حتى التشهير في شبكة اليوتيويب الذي سيبقى يشكل من خلال مجموعة أفلام جوالات مراهقي سوق الشيوخ والناصرية وصمة عار في جبين المجتمع العراقي أو بعضه حتى لا نظلم الطيبين، وإلى زمن ليس بالقصير.
في الخمسينيات والستينيات شهدنا ظاهرة حسن كاظم العبيدي أو حسون الأمريكي كما لقبه البغداديون، وكان يشاهد عصراً في شارع الرشيد والميدان وحافظ القاضي وشارع السعدون حيث كان إما أن يسير على قدميه مع كلبه مرتديا بنطلون جينز وقبعة كاوبوي وحذاءه المشهور المعقوف من الامام والذي كان يسمى م م .. وأحياناً يظهر في الشارع مرتديا بنطلونا فاتح اللون وسترة غامقة وحذاء قبغلي مع جوارب صفر اللون. أو كان يمتطي دراجة سباق ويرتدي بنطلونا قصيرا مزركشا وخوذة واقية وجوارب مقلمة أشبه بجوارب لاعبي كرة القدم ايام زمان.
أتذكر أنه في أوائل الستينيات إستضافه تلفزيون بغداد بالأسود والأبيض وأجاب حسون عن أسئلة مقدم البرنامج وأظنه المرحوم فخري الزبيدي عاشق بغداد وكان حسون لطيفا وزلقا في إجاباته شارحاً وجهة نظره في أسباب إختيار زيّه، واعتبره الزي العصري المتمدن، وطرح فكرته عن تصرفه وملبسه… ودعا الشباب الى ان يتمتعوا بحريتهم العصرية، دون تجاوز ولا إعتداء على حرية الآخرين.. وانتقد تصرفات المراهقين في السينما والشارع وتحرشهم بالفتيات. لم يكن حسون الأمريكي كما توهم كثيرون مجنوناً ، بل ربما كانت تصرفات حسون في ذلك الزمن الجميل تعد تحدياً لذلك العصر وتظاهرة سلمية، هذا الرجل الوديع والمسالم الذي فرض حضوره على الجميع وجعل من شكل ملابسه محط انظار كل من يراه من الناس في الشوارع سبق عصرنا الحالي بعقود طويلة حيث كان يرتدي ما يحلو له من القمصان ذات المناشئ المعروفة بجودتها وجودة صناعتها من الاقمشة ومن بينها قمصان تحمل علامة آرو وهي العلامة التجارية والممتازة آنذاك.
كان يخرج على الناس كل يوم بشكل وزي جديد، فقد ارتدى القمصان التي تحوي غابات افريقيا وقمصان ذات الوان صارخة لم يستطع غيره ارتداءها والمغامرة بالخروج بها وسط الشارع، وتنتصب على صدره قلادة والاكثر من هذا ان حسون الامريكي كان يسحب وراءه كلبه المدلل اينما حل.
إذن هي نزعة يمكن إعتبارها نزعة من التمرد في ذلك الوقت على التقاليد السائدة انذاك ولكن نزعة التمرد التي كانت عليها شخصية حسون الامريكي لم تطو تحتها نزعة شريرة او ما شابه، فقد كان حسون الامريكي محبوبا من الجميع بشهادة جميع من عايشوه، وكنت منهم، ولم يكن عاطلا يأخذ مصروفه من اهله، او يعتاش على ما تجود به ايدي الخيرين، فقد كان يعمل ممرضا في مصرف الدم في مدينة الطب المجيدية . نظيف وأنيق ومثقف كان ينطلق من مسكنه في الاعظمية ماشيا قاطعا شوارع العاصمة وكان يتحدث الانكليزية نوعا ما ويرطن بها حسب قدرته، وكان نظيفا وأنيقاً، وكان شغوفا بالاطلاع على احدث مجلات الازياء التي تصدر من دور الازياء العالمية التي كانت ترد الى العراق مع بقية المطبوعات الاخرى التي تعنى بالزراعة والطبخ وفنون الاتيكيت. إضطر حسون بعد فترة من الزمن، وبعد أن كثرت التعليقات ضده، إلى أن يعتزل الناس هروباً من تعليقاتهم الساخرة والمؤلمة أحياناً، لحين وفاته عام 1985، ولكنه كان مصرّاً على تحدي المجتمع وناقديه، لاعتقاده انه يتمتع بحريته الشخصية التي تساير العصر المتحضر.. دخل حسون الأمريكي التاريخ وصار من ظرفاء بغداد المشهورين، وسيبقى كذلك زمنا طويلا. حسون العبيدي من مواليد الأعظمية الصليخ عام 1929 وتوفي عام 1985 على أثر جلطة قلبية، كان قد اكمل تعليمه في مدرسة الاعظمية الاولى للبنين وتخرج من ثانوية المشرق الاهلية.
اعتقد أن حسون الأمريكي كان وما زال ظاهرة إجتماعية سلمية متمردة، تحدّت ظروف المكان والزمان، ولكن نزعة التمرد لم تحوله إلى شخصية عدوانية بل بقي على دماثة أخلاقه وبساطته وصبره حتى رحيله، كان محبوبا من جميع من اشتغل معهم، ومن عاصروه، ولم يكن عواطلياً بل كان يشتغل مهنة شريفة مضمد مصرف الدم وربما كما يرى آخرون أن لمهنته أثرا في هندامه النظيف وأناقته وحرصه على مظهره كحال سائر المضمدين في ذلك الزمن الجميل وليس كحال أغلبهم اليوم؟ إذ كان المضمدون ينافسون الأطباء في المظهر…
رحم الله حسون وأبي أنعام.
وليرحمنا معهما
آخر خبر على ذمة شبكة
أخبار الناصرية
دفعت عشيرة السواعد دية المغفور له ابو انعام تلك الشخصية الفكاهية الساخرة المعروفة على شبكات الانترنت.
وذكر مصدر مطلع في مدينة شوق الشيوخ، لشبكة اخبار الناصرية انه طبقا للاصول العشائرية المتعارف عليها في جنوب العراق فقد قدمت عشيرة السواعد بشيوخها من العمارة وبغداد والناصرية، إلى سوق الشيوخ لدفع دية فصل المرحوم أبو انعام الذي توفي متأثرا بجراح أصابته بسبب ضربه من قبل شاب من أبناء تلك العشيرة في سوق الشيوخ.
مجلس الفصل العشائري
وحضر عدد كبير من شيوخ العشائر والوجهاء والأشراف إلى محل مضايف عشيرة بني سعيد التي ينتمي لها الفقيد والتي طالبت بدية قدرها 150 مليون دينار عراقي بيد إن تدخل الأشراف السادة قلص مبلغ الدية إلى 30 مليونا فقط وسط تذمر بعض أبناء العشيرة.
كما تم الاتفاق على التنازل قضائيا عن الجاني وعدم هدر دمه شريطة أن ينتقل خارج المدينة وهي الشروط التي قبلت بها عشيرة السواعد.
إلى ذلك قال الشيخ ثجيل محسن شيخ عشيرة اجميلة التابعة لبني سعيد التي ينتمي لها الفقيد، قال انه كان يلقب ابو انعام ببهلول سوق الشيوخ لأنه كان صاحب حكم ومقولات ذات معنى بليغ، موضحا انه كان متقاعدا من العمل في سكك الحديد.
وبين إن الفقيد بات يتعرض للضرب من قبل الصبية بعد إن تقدم به العمر، حتى جاء شاب وصفه بالطائش من عشيرة السواعد فضربه وكسر حوضه وقدمه ما تسبب بوفاته.
وذكر إن عشيرته رتبت دية مالية على عشيرة السواعد قدرها 30 مليون دينار دفع جزء منها على أن يستكمل المبلغ في وقت لاحق فضلا عن تحقق الصلح بين العشيرتين. وكان ابو انعام حضي باهتمام عالمي واسع بعد نشر العديد من مقاطع السخرية الخاصة به على شبكة الانترنت وخصوصا على موقع اليو تيوب حتى بات رمزا للنقد البناء للواقع السياسي والثقافي العام في البلاد.
AZP07

مشاركة