شخصيات روائية تطرح أسئلة – شكر حاجم الصالحي

360

ماذا في العربانة؟

شخصيات روائية تطرح أسئلة – شكر حاجم الصالحي

إثنان و ثلاثون مصدراً وضعها في خاتمة ثلاثينية هي خميرة رواية محطات باجزائها الثلاثة والتي نهضت هذه المدونة بفضل ثرائها وشيدت معماريتها على ما ورد فيها من حقائق وكشوفات واحداث واقعية إلتقطها الحريزي في ( ملاحظات هامة) بقوله ( : وردت في الرواية الكثير من الأسماء والاحداث والظواهر , منها الحقيقي الواقعي ومنها من نسج خيال الكاتب والذي لا يمكن ان يكون منفصلاً عن الواقع المعاش أو المتخيل , فهي رواية وليست وثيقة تسجيلية ) البياض الدامي ــ ص 192 , وقبل ان أخوض في متن الثلاثية الروائي , سأقصر ملاحظاتي الانطباعية على جزئها الأول ( العربانة ) على أن أعود للجزئين الآخرين في قراءة قادمة. ((العربانة )) مدونة توثيقية مهما حاول منتجها تضليل القراءة والقارئ فهي تلاحق أحداثاً وقعت بشخوص من نتاج مجتمع مضطرب القيم والعلاقات الاجتماعية والانتاجية , وأزعم ان فيها الكثير من خصال وصفات الحريزي ذاته , باعتباره السارد العليم والمراقب للأحداث المتشابكة والممتدة على مساحة واسعة من التناقضات , وكما اشار الى ذلك في ( ملاحظات هامة ) التي أشرنا إليها ..

شخوص فعالة

والعربانة بعد كل هذا محتشدة بالشخوص الفاعلة والتي جعلها الحريزي ممثلة لمختلف شرائح المجتمع ( الفلاح / الاقطاع / العامل / المعلم / رجل دين / المحامي / المزارع / المفوض / النجار / الغجرية ) واستطاع ملاحقة تطورها ونموها والاشارة الى مصائرها .. فهي تلخص مسيرة نضال الانسان العراقي في زمن الخوف والاستغلال والملاحقة وغياب الحريات .. وكان (ابو مطشر ) أسس الرواية وشخصييتها المركزية التي تمظهرت حياته بمختلف الانعطافات الحاسمة وجعلت منه بفعل الوعي غير تلك الشخصية البسيطة القادمة من أعماق الريف , أذ أصبح في ما بعد من الاسماء المهمة في تاريخ الحركة الوطنية واستطاع بوعيه الطبقي تحشيد العشرات من أقرانه وضمهم الى صفوف منهجة الفكري ووعائه التنظيمي … وهذا التطور يحسب للحريزي في إنضاج شخصية ( ابو مطشر) وجعله انموذجاً للعراقي المضطهد المكافح من اجل غد أفضل / من خلال تقلبه في مهن عديدة استطاع ان يوسع من دائرة علاقاته الانسانية ومداركه الفكرية وان يكون فاعلاً ومؤثراً في الأحداث التي وثقتها ( العربانة ) , ومن الشخصيات المهمة الاخرى واللافتة للانتباه هو (كفاح ) الذي كان (مطشر ) وإستبدال الاسم من مطشر الى كفاح له دلالة واضحة على مسار (العربانه ) التي كانت تحتل موقعاً رمزياً كبيراً في السياق الروائي وبفضلها نما الوعي وتحرر صاحبها من الخوف والاستكانة … وفي الرواية الكثير من الحوارات العامية التي شغلت حيزاً واضحاً في سرد الوقائع والاحداث واستطاعات ان تضع القارئ النابه في المشغل السردي كما هو الواقع الذي تناولته الرواية التي تميزت في بعض صفحاتها بلغة شعرية عالية في حين انزلقت في اماكن اخرى الى ما يشبه التقارير الصحيفة ومتون الاوامر والتواريخ الرسمية , ومن جميل ما في ( العربانة ) : يقضي وقتاً طويلاً في باب المقهى , يحاور مشاهير الشعراء والأدباء من كل الجنسيات حيث كان يجيد اجادة تامه اللغة الروسية والانكليزية والفارسية , بالاضافة الى لغته الأم ( العربية ) , يقرأ لهم بعضاً من نصوصهم , معلناً اعجابه او اعتراضه , وتصحيحه , كأنه يجالسهم فعلاً … ص 21  وفي مكان آخر تتضح اهمية العربانة في حياة (ابو مطشر) ودورها في رصد الأحداث ومعاونة صاحبها في توفير لقمة العيش الكريمة وفسحة الحرية المنشودة ولنلاحظ ذلك من خلال هذا التوصيف الدقيق لمكانة العربانة وثقلها في صناعة المتن الروائي ..

تفتيش دقيق

 ولكن الذي حدث في فجر أحد الأيام وعلى حين غرة طوقت زمرة من الشرطة  مظلوم , وعربته وطردت المشترين وطلبت منه ان يتنحى جانباً بعد تفتيشه تفتيشاً دقيقاً ثم فتحوا أبواب العربانة و أخرجوا كل محتوياتها من اللبلبي والبريمز والنفط والخل والملح والحامض , وثقبوا صفائحها الجانبية بحراب بنادقهم ومظلوم ينظر إليهم متألماً مستغرباً يكاد يفقد أعصابه ولا يعرف ماذا يفعل وبأي شئ متهم هو وعربته وهل أصبح بيع اللبلبي ممنوعاً وهو لا يعلم .. / العربانة ص  148

ومن الملاحظ ان الرواية ( العربانة ) محتشدة بالكثير من التفاصيل التي اثقلت المتن وكان بأمكان منتجها الحريزي تقليص مساحات امتدادها بما يجعلها قادرة على طرح الأسئلة وليس الأتكاء على ما هو متيسر من حلول وإجابات . كان عليه ان يشرك القارئ في استنباط واقتراح ما يغني ويثرى ( العربانة ) التي كان لها دور مركزي في صياغة احداثها وبلورة مفاهيمها الناضجة .. ويمكن لنا ان نورد هذا المقطع الذي يلخص الرواية ويشير الى فكرتها المبتغاة وكنت أتمنى لو كشف لنا الحريزي عن هذا الــ ( س) الذي كان يغمز من قناته كثيراً…

: ــ قال اسطة نوماس : ـــ

ـــ ابو ( كفاح ) انته صرت واحد من عدنه , وليصير عليك ايصير علينه , واستاذ منير وصانه بيك , لكن هو الان مختفي لان الحكومة تاهمته بتوزيع المناشير اللي انته انحبست بسببها ….

ـــ بالنسبة للعربانة , فاني اقترح عليك تبيعها وتستفاد من فلوسها لمن يجي الفرج …ص 194 ومتى سيأتي الفرج ياأبا نوماس ؟؟

شكراً للعربانة ولسطوة الألم التي امتزجت بعذابات ( كفاح ) وأحلامه القتيلة…….

مشاركة