شخصيات تمارس الركض وراء السراب – نصوص – عبد الكريم حسن مراد

اليقظة الموهومة في (سلالم التيه)

شخصيات تمارس الركض وراء السراب – نصوص – عبد الكريم حسن مراد

يظن بعض الكتاب ممن يمارسون لعبة القص والروي بأن اللغة هي أساس الكتابة من دون ، يعوا أن الفكرة هي أساس العمل:لأن خيوطها قد تأتي باهتة وغير مفهومة وقد تكون عاجزة عن استمرار الحدث الروائي، وسبب ذلك هو عدم امتلاك الكاتب المخيلة المبدعة وقصور في التعامل مع الفضاءات الخارجية فاللقطة الفكرة فضلاً عن ثقافته الروائية والقصصية؛ فهناك كتاب نجحوا حقيقة في مسك زمام النص الروائي وحركوا شخوصها بتؤدة، واستطاعوا ترجيح مشاعرها وانفعالاتها، وخلقوا للصراع في ما بينها كي يصلوا إلى نهاية يريدون الوصول إليها؛ شادّين القارئ للتفاعل مع أحداثها المشوقة التي لايودّ أن يغفل عنها لحظة كي لا يضيع عليه حدث الحكاية؛ فيبقى متماسكاً بكل حواسه إلى الفعل الدرامي متعاطفاً مع شخصياتها تارة؛ وأخرى حاقدة على بعضها.

و القاص مهدي علي اِزبين احد من أولئك الكتاب القلائل الذين أجادوا في إدارة الحدث الروائي من خلال نصه “سلالم التيه”، والتي بدأها بلقطة شعرية متنقلاً في فضاءات شعرية موسيقية جميلة، مستخدماً أسلوب النص المفتوح الذي يعتمد فيه مهدي علي اِزبين أو يركز على حركة الشخصية الجسدية تارة. وانفعالاتها الداخلية/ الخارجية من دون الاهتمام أو التعامل مع الفضاءات والمكان في بعض أجزاء عمله.

إن لغته الشعرية المنسابة تقود القارئ للتحليق معه في سماوات وردية تارة و الارتواء من شلالات فيوضاته المموسقة…

إن الشخصية المحورية في هذا النص امرأة يحاول الكاتب أن يرصد حركاتها النبضية كما وصفها؛ لأنها لا تمتلك من الجمال ما يؤهلها لجذب أنظار الآخرين فلقد وصفها بمقطع جميل (تتقلب بين الموائد بجسدها الضامر المعبّأ بقطع الاسفنج) ص8.

إن القاص يصف مدى انفعال (نحول) المرأة الشخصية المحورية في هذا النص التي لا تمتلك مقومات الأنوثة، فنراها تفتعل الحركات بأنها امرأة تعشق رجلاً هو كل حياتها. لذا تعلق صورته في مدالية تختال على رقبتها. إنه الغائب/ الحاضر، ففي تداعياته يعطينا مهدي أو ينقل لنا انطباعاً بأنها تعيش صراعاً ما من أجل الوصول لغايتها، ولكن من دون جدوى فتتطوّح أحلامها: حين تخسر أغلى ما عندها نتيجة أحلامها الوردية التي كانت تعيش يقظتها في الوصول إلى الرجل/ الأستاذ/ الذي كان ينظر إليها نظرة اعتيادية. لكن في لحظة ما تفقد (عذريتها) بتمزّق أحلامها. بعد أن كانت قد حملت البشرى لامها بأنها ستحظى بتكريم الأستاذ لها وتكون من المقربين له. ولكن بالطبع كل ذلك بمجرد ما يأخذ أعز ما تملك وكذلك فقدان صديقتها نورس في ظروف غامضة أو موتها. إن الوصول إلى مرافئ الأحلام قد تؤدي بالبعض إلى الموت. لم يكونوا موقنين بأنهم لا يركضون سوى وراء سراب.

إن رواية مهدي علي اِزبين “سلالم التيه” هي رواية الكشف عن الشخصي والشخصنة كما يقول محمد برادة. حيث الكاتب في نصه هذا يعري أولئك المتملقين الذين يفعلون أي شيء من أجل الوصول وإرضاء أسيادهم دون أن يحسبوا لكرامتهم اي حسبان. وهذا ما فعلته (نحول)، وكانت الصدمة لها قوية فأضاعت أحلامها بإهمال الاستاذ لها وتركها معلقة بذيول الخذلان والفجيعة واللاأمل.

يقنياً قد أجاد الكاتب في إدارة خيوط عمله بدقة مع استخدام الراوي العليم والموضوعي في نصه هذا.

…………..

{ رواية “سلالم التيه” مهدي علي ازبين، دار ومكتبة عدنان2013 .