شامل السامرائي.. الطبيب الأديب

شامل السامرائي.. الطبيب الأديب

 

 

مهدي شاكر العبيدي

 

غشيتُ مرة دارةَ ناسٍ أعرفُهم منذ سنين يقطنون حي اليرموك، ولي بعض الصلات والروابط بأفراد منهم ، نما إلى علمي عام 1981 خبر عن قلق نفوس غالبيتهم جراء تدهور صحة مريض من بينهم ، شّقَ على أي طبيبٍ مداوٍ يعرفونه ببغداد أن يتوفق في علاجه ويعينه على البرءِ من سقمه ، ولو بالتعلل بما درج عليه رصفاؤهم ولِداتُهم من الأطباء السوريين إذ يزينون جدران عياداتهم بلوحاتٍ تحمل كتاباتٍ شتى يوحون بها لمراجعيهم بما يُطمئن نفوسهم ويبهجها ، بدعوى أن أوضاعهم الصحية لا تستوجب خشية ما وفَرَقاً ، ومن قبيلها – أي الكتابات- نحن نداويك والله يشفيك ، مدللين بذلك على تبسطهم وتواضعهم بله تصاغر نفوسهم في فهمهم ومعرفتهم إزاء اقتدار خالق الأكوان والباسط ظله الممدود على كل شيء في هذا الوجود ، وإلى سدته تهفو الأرواح الانسانية مذ عهدها الأول ومن مختلف الأنحاء والجهات التي وثق سكنتها بكينونته ووحدانيته ، وأنسوا إلى قدرته التي لا تُحد على إيتاء الخوارق والمعجزات ، لذا خصّوه بشكواهم من عنائهم وشقوتهم ، وجزعِهم من تغاضي ذوي الشأن عن حقهم المبخوس في الانتفاع بثمرات البلاد التي احتوتهم وتحتويهم.

 

وألفيتُ بين الحضور رجلاً هِماً جاوز عقوده الستة من العمر بقليل ، يحكي لهم عن تعرضه لحادث مروري صبيحة هذا اليوم ، ألحق به ضرراً معنوياً فوق ما أصابه به من رضوض في مواضع من جسمه كادت تشله عن الحركة ، ذلك أن سائق سيارة ما اصطدم به بسيارته التي يقودها في عرض الطريق ، وسُجِلَت الدعوى التي أقامها عليه لدى الدوائر المرورية لغير صالحه ، وشهد بخروجه وإخلاله بالأنظمة المرعية في هذا السياق ، رجل الشرطة المكلف بمراقبة سير الحافلات ووسائط النقل بأنواعها ، واقتضى الحال الواقع أن يدفع غرامة مناسبة لتسوية الأمر وإنهاء المشكلة ، مع أنه يجزم أمامهم بأن لا يَد له في ما حصل ، لكن هي حياتنا التي تجري وتُساس وتُصَرف شؤونها دواماً بلا قواعد وأصول مراعية للذمم ، ومحتكمة إلى العدل والمروءة ، ومحترسة أيضاً من أن ينزل الإجحاف والغبن بمن لا يستأهلهما في حال ، بينا يباح لمجترحي السوءات والأوزار ، أن يزاولوا ما تعودوه بملء حريتهم من طقوس يومية ، وكأن ثمة تقليل وتهوين من هول أي حدث كارثي تنفر منه النفوس ، لو يُصلى البريء مع المذنب ، بتعبير شاعر النيل حافظ ابراهيم .

 

إنه الدكتور شامل السامرائي الذي سبقني في الإلمام بأكناف ذوي المريض الملتاع أهلوه عليه ويتخوفون من تردي حالته ويحتملون وشك مفارقته لهم يومها على غير المتوقع ، وجاءهم متفقداً ومستفسراً عن وضعه النفسي والمعنوي ، ومغالبته لأي انتكاسٍ وخورٍ في قواه ، بعد أن عرضوه عليه فوجد أن من دواعي التجمل واللطف متابعته .

 

وعنّ لي النطق بقولةٍ مفرغةٍ بلغةٍ وسطى تجمع بين الفصيح والعامي ، وتفيد بما معناه إن الدول الراقية لا تجحد حكوماتها شأن الوزراء السابقين ، وكثيراً ما تستدعيهم لتستأنس بتجاربهم وخبراتهم وتتعلم منهم ، ففغر المجتمعون أفواههم ، فمن بينهم من لا يحيط علماً باستيزار الدكتور شامل السامرائي لوزارة الصحة في عهد سابق ولوزارة الداخلية وكالة في مرحلة من العهد نفسه ، فرّد معقباً : يامعَود خليها مستورة ! وإن جاءت القولة تلك في محلها ليشتفي من الغيظ ويُصار به إلى برد الغليل ، ويعرف الجميع أن ملاكات الشرطة مرتبطة بوزارة الداخلية قبلاً وبعداً .

 

تحديد مسببات

 

ومن يومها توثقت علاقتي به ، فتوالت مراجعاتي لعيادته في البياع وقصدي له لانتشال أبنائي من بعض الأوصاب والعوارض التي تنتابُهم من آنٍ لآن ، وأبينُها ما نكص أساةٌ غيره عن تحديد مسبباته ، وجزموا بانعدام قدرة احدهم على المشي بعد الآن ، والدوام المدرسي على الأبواب ، لولا أن استرد طاقته على السير بفضل تشخيصه الناجع الفعّال وإيحائه له بالثقة بنفسه ، في الوقت الذي ألحظُ أثناءه حرصَه على تصفح الجرائد اليومية وتفرسه في عنوانات موضوعاتها حتى يعتزم قراءة بعضها من التي ينوي تفهمها ومساجلة ما فيها ولاسيما منها محتويات الصفحة الأدبية لجريدة العراق المحتجبة اليوم ، حيث صادف أن نشرتُ مقالة بصدد ثقافة الدكتور علي كمال الطبيب الفلسطيني المشهور والمحتفظ بجنسيته الانكليزية من يوم إقامته بلندن لغرض دراسة العلوم الطبية والتخصص من بعد بأمراض العقل والنفس ، بعد أن كان في شبيبته أديباً مثابراً على نشر ما يكتبه في الصحافة الفلسطينية واللبنانية ، والأخيرة صيَّرته حميم الصلة بالكاتب اللبناني الموسوعي عمر فروخ الذي احتفى بقصائده النثرية المستلهمة بعض تجاربه في حياته محاكياً فيها نتاجات جبران خليل جبران وسالكاً في صوغها وحبكها منوالُه في توخي المنطقية والوضوح ، لذا نشرتها مجلته – الآمالي – أواخر الثلاثينيات ممن القرن الماضي حتى أوقفها عن الصدور من تلقاء نفسه بعد ما وجد في انصرافه للتأليف أفضل وأنفع له شخصياً ، ولنعد إلى موضوع ثقافة علي كمال ، الذي أتيت فيه حينها على رأيه في السعادة التي تغمر البيوت وتنجّي معيليها من حيرتهم وكمدهم إزاء تدبير نفقات المعيشة إذا كَثُرتْ مطالبُهم الحياتية وقصرت إمكاناتهم المادية عن توفية أسبابها، فقد كان مُقِراً ومستحسناً رأي الفرنسي غوستاف لوبون في السعادة هذه ، ومستدلاً  ” ان الحياة ميزان ، في كفةٍ منه حاجاتنا في الحياة ، وفي الكفة الأخرى تحقيق هذه الحاجات وإرضاؤها ، وكلما كانت حاجات الإنسان قليلة ، كان إرضاؤها أكثر إمكانية ، وبالتالي فإن الفرد يحصل على السعادة ، وكلما زادت حاجاته أصبحت امكانية تحقيقها أصعب ، وبالتالي امتنعت عليه السعادة ” *

 

فقدحتُ وطعنتُ بصحة معادلته الموزونة بحسب تسميته لها ، لكونه عاش محابياً لأصحاب الرساميل ، وشديد الفرَق والخوف من تساوي الدهماء والأغمار بهم ومقاسمتهم نصيبهم من خيرات الدنيا، فضلاً عن انها مسبوقة بما يماثلها ويشاكلها من أقوال المفكرين العرب في الماضي والحاضر ، وتخطر لبال سواد الناس بعامل التجربة ولا تشترط لبلوغها شأواً بالغاً من الثقافة لتصدر عمن يوقن بها ، وصادف عين الوقت من تمزيق الأقنعة عن حقيقة غوستاف لوبون وزيف توجهاته ، ان نشر الدكتور كمال السامرائي موضوعه الأثير عن الجنس والمجتمع في الإسلام ، بنفس صحيفتنا (العراق)، مستطرداً فيها من رأي الإمام الغزالي في قضية إيقاف النسل ومنع الحمل بالعزل أو بغيره ، ذاكراً فيه أن كثرة المال وقلة العيال من الأركان المهمة لسعادة البيت ، والغزالي أسبق وأقدم في الوجود على أديم هذه الأرضين من غوستاف لوبون على أي حال ، ويبقى الفضل في استخلاص هذا النظر عائداً للعالم الدكتور كمال السامرائي ، ليدقَ جرسُ التليفون عندي ساعتها ، إذا بالدكتور شامل السامرائي ، يحيني مغتبطاً ويطري تسميتي لقدوته في العمل كامل السامرائي بأنه العالِم وهو يستحقُ هذا الوصف عن جدارة لأنه يخاله ممتلئاً بالشعور الانساني نحو مرضاه وله عليه حق القرابة الدانية  في الاعتزاز والتوقير والمحبة .

 

تلك أشتات من حياة المفارق دنيانا الى رب العباد شامل السامرائي من ناحية مراسه الطبابة مهنة تقتضيه تفانياً وإخلاصاً دونما خوضٍ في حياته من جانبها السياسي ، إذ استهدفته السلطات إبان مختلف العهود بالحبس والاعتقال لالجامه ومنعه من التكلم بلسان الحال ، ” وكلُ فردٍ بما والى وما اعتقدا ” كما يقول بدوي الجبل في رائعته المتشفية بانفصال الشام عن مصر وفشل تجربة الوحدة نتيجة الأخطاء الفظيعة التي اقترِفَتْ باسمها وصيَّرت الشعب السوري مجرد تبيعةٍ للهيمنة وتسلط المصريين على مقدراته ، وهذا الحال المقرف والمؤسي ما يرفضه الشعبان المسالمان حقيقة ، ثم إنه ضرب المثل الأروع في تطوعه وانصياعه للمثول في سوح فلسطين كي يغيث جرحى المعارك في حرب عام 1948م ، منقطعاً عن تحصيله العلمي في جامعة دمشق ، كما سافر إلى دمشق إبان نكسة عام 1967م ، ليزور جرحى النابالم الراقدين في مستشفياتها وكذلك في مدينة عمان بالأردن ، أما ما يعزيه له المرحوم الدكتور أديب توفيق الفكيكي  من دخوله دوراتٍ في معاهد متخصصةٍ بالأمراض الصدرية وأخرى بالأمراض الباطنية وثالثة بالأمراض العصبية ، ولكل معهدٍ منها مستشفى خاص ملحقٌ بها ، ثم ان الدورات انعقدتْ في حواضر خارج العراق ، وفي تواريخ محددة أي في أعوام 1970م ، و1971و1972م  ، فيساورني بعض الشك في انتظامه بها ، فقد كان معتقلاً أثناءها ، وإذا خرج من محبسه فيخرج موجوعاً وبحاجة إلى الاستجمام والراحة ولا يفتكر في السفر ومغادرة بغداد ، وقد لا تسمح السلطات للخارج تواً من سجونها أن يجوب مواطن أخرى ، ويجوز أن يكون الفكيكي مؤلف ( موسوعة أعلام الطب العراقي الحديث ) على مثل اليقين من إقامة الدورات تلك لكن في غير التواريخ التي وثقها ، غير أن تطوعه الثاني لتفقد جرحى المعارك الفلسطينية الأخيرة كان أوان نضجه وتفهمه الكامل لمأساة اللاجئين العرب وفي ظرف اضطلع فيه بالمسؤوليات الجسام وتبوأ المناصب الوزارية وخَبَر فيها تراكم الأوزار وأنجب الأولاد الصالحين ، ويروح قول أحد عشرائه أخيراً بصدد لياذه بالصمت والسكون ، وأنه لم يتمم المسيرة ، قلت يروح هذا القول ويذهب جفاءً ويعدم أي قيمةٍ ووزنٍ طائل وغير طائل وفي سبيل أي شيء يستأنف المواصلة والمسيرة يا رجل ؟ أفي سبيل الناس ، والناسُ في عمومهم كما أثبتت تجارب الأيام ، مع الواقف . ولمتصدريهم وأعيانهم الذين يبغون شعبيةً من ورائهم ، اسلوبٌ وطريقة في المكر والتضليل والتدجيل وخداع المستضعفين من بقية الناس .

 

وحسبي إني طرقتُ عليه باب عيادته في البياع في الساعات الأوَل من توقف حرب الخليج الثانية لأطمئن على سلامته ولم أكن حينها مبتغياً أو ناشداً علاجاً لسقمٍ ما ، فبهتَ لهذه البادرة على غير المعهود من أطباع الآخرين ، والمألوف من انفضاضهم عمن يعرفون في أوقاتٍ تحفلُ بالضوائق والكروب ، وقال لي يومها : كان الله في عوننا .

 

وصرتُ ذات يومٍ شبه مغترٍ بما أنا عليه من صحةٍ سابغة وعافية موفورة ودون تدبر قول الشاعر المجيد طالب الحيدري :

 

خُذ يا زمانُ  فكلُ شيء هالكٌ

 

 والعمرُ ينقصُ كلما يزدادُ

 

مجارياً في هذا النحو صنوه العباسي الشاعر ( أبو العتاهية ) مستجمعاً في تصرفاته النسك والتبتل في طورٍ وآخر من حياته على ما يروي بعض حسّاده وشانئيه ويفترونه ، فمُنيتُ بالجلطة الدماغية أو الغلطة الدماغية بتصويب الفهامة مصطفى جواد ، وزهدتُ في شغلة الإشراف اللغوي على ما يُنشَر في جريدة العراق  ، إلى أن تجاوزتُ هذه المحنة بعون الواحد القهار ، ولزوم ارشادات الدكتور شامل السامرائي الذي دلني على مستشفيات بغداد التي تبقت فيها اجهزة (المفراس) الذي يعول عليه الأساةُ في فحوصهم وتشخيصاتهم لداء الجلطة الفجائي في مثل هذه الحالات ، ومنها ما آل إلى التدمير وتناهب أقسامٍ منه إثر اختلال النظامِ فور ايغال الغزاة في هذه الديار وعبثهم بأقداسها ، واستباحتهم موروثاتها وحرماتها ، حيث صيح نهباً بما تكتنزه من مذخورات ومعالم ، وذلك لقلة وعي هذا الرهط من البشر وتدني درايتهم بأن ما استهونوه ، كان يجب أن يظل تركةً تنتفع بها أجيالهم القادمة ، لكن لنتعلل بقول أبي الطيب المتنبي ونتعزى به عما حلَّ بنا :

 

إنا لفي زمنٍ تركُ القبيح به    من أكرمِ الناسِ إحسانٌ وإجمالُ

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

{ مقابلة منشورة في مجلة التضامن ، العدد الصادر في 24  آب لسنة 1985م ، أجراها الاستاذ ماجد صالح السامرائي مع الدكتور علي كمال .