شاكر خصباك جغرافي أبدع في الأدب

1340

شاكر خصباك جغرافي أبدع في الأدب

رائد في القصة وبواكيره عن تشيخوف

نجاح هادي كبة

البيئة الخاصة والعامة:

ولد الأكاديمي الأستاذ الدكتور شاكر خصباك في الحلة الفيحاء العام 1930م، وقد أكمل دراسته الابتدائية والثانوية فيها، ثم انتقل إلى

جامعة فؤاد الأول، إذ أكمل فيها دراسته الجامعية، بعدها حصل على درجة الدكتوراه من لندن، وقد عمل في دول عربية اليمن والسعودية زيادة على العراق و شاكر خصباك المتخصص بمادة الجغرافية روائي وقاص ومسرحي وكاتب مذكرات وباحث ومترجم، له ما يزيد على 30 كتاباً ما بين رواية وقصة وسيرة تسعة منها مؤلفة في المجال العلمي وثلاثة عشر كتاباً مترجمة في المجـــــال ذاته، وقد كان شاكر ملــــــتزماً بالمناداة بحق الإنسانية ورافـــــــــضاً للظلم والاستبداد رشيد، 2015 ص : 20.

يعد شاكر خصباك من كتاب القصة ومن جيل الخمسينات أسوة بزملائه ممن سبقوه أو عاصروه من كتّاب القصة ذو النون أيوب وفؤاد التكرلي وغائب طعمة فرمان وعبد المجيد لطفي وسواهم الذين انتهجوا الاتجاه الواقعي في كتابة القصة كان الاستمداد المرجعي للكتّاب يتلخص في الأعمال ذات الطابع الثوري والداعية للتغيير والالتصاق بقضايا الجماهير والطبقات المسحوقة وهو ما ظل الشغل الشاغل لشاكر خصباك حتى آخر أعماله رواية حكايا سوق، 2010م، ومنذ بواكيره المبكرة وكتابه عن تشيخوف وحماسته للمسرح لرغبته كما يقول في إيصال أفكاره للقراء على نحو مباشر يتيحه الأدب المسرحي دون سواه، مع ملاحظة تأثره بمناخاة السرد في مصر التي درس فيها أربعينات القرن الماضي الصكر، 2015 ص : 5.

أدرج اسم شاكر خصباك محاطاً بالتقدير الذي هو حفي به في أكثر من موسوعة للأعلام ومعجم لمشاهير الثقافة العالمية فهو في قاموس سير الحياة العالمي الصادر من جامعة كامبردج العام 2000م أحد علماء الجغرافية المعاصرين الذين أغنوا هذا العلم بمؤلفاتهم وترجماتهم الحادة، ويكتب عنه معجم ريها سمنتو الدولي في دلهي الصادر

في العام 2006م مثل ذلك وأكثر وتختاره المؤسسة الأمريكية لسير الحياة واحد من صفوة مثقفي العالم لعام 2004م لتميزه في ثلاثة حقول : الأدب والجغرافية

والتعليم. حداد، 2012م، ص : 2.

على الرغم من واقعية شاكر خصباك في إبداعه السردي فانه جمع بين الفكر والفن في كتاباته السردية كالرواية والقصة والمسرحية وعرّى المجتمع آنذاك من براثن الطائفية والأثنية والفقر والتفاوت الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والثقافي لاسيما التغيّر الاجتماعي فجاء إبداعه السردي صوتاً هادراً موقظاً المجتمع من سباته العميق إن عوامل الإغراء في قصص شاكر خصباك خفية، وهذا شرط في القصة الناجحة هي خفية، هي نتاج عوامل عدة سارت يداً بيد وتمازجت وتوحدت منها : مأتاه الفكرة الصحيحة الصادقة، الصالحة ومنها ما كان مأتاه التأكيد الخاص في الضرب على وتر الغريزة الجنسية

وفعل الدينار واصطراع الأجيال، مع ثوب فني مرصع بالاستعارات المناسبة

ومزّين بالأخيلة الملائمة ومحلى بالألوان الأّخاذة…منتزعة من صميم حياتنا ومن بين أهلينا وأصحابنا وجيراننا الطاهر، 2015م، ص : 7. وفي كتاباته السردية يظهر خصباك هو المتكلم كثيراً إذ يطرح أفكاره ببساطة أليفة إلى نفس القارئ ولكنها منتزعة من صميم الواقع المعيش معتمداً أحياناً التحليل النفسي زيادة على الاهتمام بالوثائقية في سرد الأحداث، وما يدل على نبوغ خصباك انه بدأ بالنشر في وقت مبكر من حياته فأصدر كتابه المبكر صراع وكان عمره 18 سنة، وهو مجموعة قصص قصيرة عندما كان طالباً في جامعة القاهرة، وأصدر كتابه الثاني العام 1951م في القاهرة أيضاً وكان بعنوان عهد جديد وهو

مجموعة قصص قصيرة جداً وكان عمره 21 سنة إلاّ أنّ الكتاب المتميز عند خصباك

هو ترجمته لكتاب تشيخوف بطلب من مجلس السلم العالمي وكان أول كتاب عراقي

مترجم عن تشيخوف وثاني كتاب عربي ترجم إلى اللغة العربية بعد كتاب نجاتي صدقي الذي صدر العام 1947م عن الأنترنت/شاكر خصباك. بتصرف.

من منجزاته السردية حياة قاسية العام 1959م ومسرحية بيت الزوجية العام 1962م ورواية السؤال العام 1966م، والأصدقاء الثلاثة التي كتبت العام 2006م إذ شجعه التغيير العام 2003م لأنه عالج فيها الخراب العراقي في تلك الفترة ولخصباك رواية الحقد الأسود التي أعيد طبعها باسم السوار وكانت الرواية تتحدث عن تجربة العام 1963م.   إن الفكر الإنساني الذي حمله خصباك دفعه لأن يطالب بحقوق الشعب الكردي إذ كتب عنه مطالباً بالحكم الذاتي للأكراد فدعاه الطالباني لتكريمه فارسل شاكر نائباً عنه أبلغ الطالباني شكره وتبرع بالتكريم لفقراء الإقليم.

قراءة في كتاب

– كتابات مضيئة في التراث الجغرافي العربي لخصباك

يقع الكتاب في 303 ثلاثمئة وثلاث صفحات من القطع المتوسط بمقدمة استغرقت 5 صفحات، تناول الكتاب جهود 23 ثلاثة وعشرين جغرافياً عربياً في التراث الجغرافي العربي، وقد ساعدت جامعة بغداد العام 1978م في نشره وطبع الكتاب بمطبعة دار السلام-بغداد 1978م، وقد وثق المؤلف كتابه بالخرائط الجغرافية القديمة التي رسمها جغرافيو العرب، أما الجغرافيون الذين تناولهم بالشرح والتفصيل والنقد فهم :

اليعقوبي، ابن خرداذبة، ابن الفقيه، ابن رسته، الاصطخري، المسعودي، ابن حوقل، السيرافي، ابن فضلان، المقدسي، البيروني، البكري، إخوان الصفا، الادريسي، ابن جبير، الحموي، ابن سعيد، القزويني، الدمشقي، أبو الفدا، ابن خلدون، القلقشندي، ابن بطوطة.

لقد وضح المؤلف أسباب تأليفه فقال : وبادئ ذي بدء يتوجب الاعتراف بان التراث الجغرافي العربي ما يزال غامضاً في أذهان المتعلمين في وطننا العربي بل وحتى في أذهان دارسي الجغرافية منهم ص : 3.

الكتاب –كما يقول المؤلف- يحاول…من طريق المقتبسات من عدد من الكتّاب الجغرافيين ان يوضح طبيعة الميادين التي خاضتها الجغرافية العربية والمفاهيم التي تبنتها عن الكون والأرض والمحيطات وما استطاعت ان تضيفه إلى المعرفة عن الأقطار المعمورة يومذاك ص : 5 وزيادة على ذلك فأن المؤلف أضاف بأن هذا الكتاب يوضح أموراً أخرى على النحو الآتي :

أولاً : إعطاء فكرة عن التطور التاريخي للفكر الجغرافي العربي، فقد أوضحت بعض المختارات ان الأفكار الجغرافية المبكرة لدى الكتاب العرب عن الأقطار النائية كالهند والصين والبحر الشرقي كان يحوطها الكثير من الغموض في البداية، كما كان يشوبها العديد من الأساطير، إلاّ أنها ما لبثت ان اكتسبت صفة علمية على مر الزمن/ ص : 6.

ثانياً : توضيح مدى اتساع معرفة الجغرافيين العرب بالعالم المأهول فلقد قدمت المختارات نماذج في الجغرافية الإقليمية لأهم المناطق المأهولة من العالم القديم في كل من قارة آسيا وأوروبا وأفريقيا. ولقد تحدثت الجغرافية العربية عن مناطق لم يسبق للكتّاب اليونان والرومان ان تحدثوا عنها كبلاد ما وراء النهر والروسيا والمجر وجزر المليبار ومناطق غرب القارة الأفريقية وشرقها/ص 6-7.

ثالثاً: إيضاح مساهمة الجغرافيين العرب بالعالم المأهول في شتى الحقول الجغرافية بما فيها الجغرافية الطبيعة، وعدم اقتصارهم على الجغرافية الوصفية/ ص : 7.

رابعاً: إيضاح المناهج المختلفة التي اتبعها الجغرافيون العرب في كتاباتهم الجغرافية وتقديم نماذج متنوعة للأدب الجغرافي العربي تكشف عن الحس العربي في عالم الجغرافية/ ص : 7.

لقد حاول المؤلف جهده “تقديم نماذج للكتابات الجغرافية العربية تغطي العالم المأهول جميعه في عرف الجغرافيين يومذاك” ص : 7.  لابد من الإشارة إلى أن الكتاب احتوى على معلومات تاريخية جغرافية وغير جغرافية إلاّ أن مرمى الكتاب كان الجغرافية العربية في القرون الوسطى والمؤلف لا يألوا جهداً من التفريق ما بين الحقيقة والخرافة في الفكر الجغرافي التراثي عند العرب يومذاك فالمؤلف يقول عن المسعودي ت : 284هـ : “وقد حظي مؤلفه المعنون كتاب البلدان بشهرة في العالم الغربي حتى ان البعض وصف كتابه بأنه أبو الجغرافية العربية ويتميز كتابه بتفاصيل غزيرة عن المدن الرئيسة في العراق ولاسيما بغداد وسامراء والكوفة والبصرة، كما يشتمل كذلك على تفاصيل مسهبة عن طرق المواصلات في بلاد فارس، ومعلومات تاريخية واسعة عن المدن والمقاطعات والبلدان التي وصفها، إذ إن الطابع التاريخي يغلب عموماً على معلوماته، ولم يكن الحس الجغرافي قد توضح لديه بعد.  يستند خصباك في مؤلفه إلى الإسلوب العلمي فهو لا يألو جهداً من التصريح بالحقيقة لأن المنهج العلمي هو طريقه في تأليف هذا الكتاب، قال عن ابن الفقيه ت: 290هـ : بان كتابه المعنون كتاب البلدان يمثل خطوة إلى الوراء في الجغرافية العلمية العربية، فقد حفل بالخرافات والأساطير والمعلومات البعيدة عن المنهج الجغرافي العربي، وان لم يخل من معلومات مفيدة عن بعض أقطار العالم الإسلامي، ويعتقد بعض المستشرقين ان الكتاب ذو أهمية خاصة إذ إنه يقدّم لنا لوحة معبرة للنزاعات والاتجاهات الأدبية للمجتمع العربي المثقف في نهاية القرن الثالث الهجري ص : 28. في حين قال عن كتاب المسالك والممالك للاصطخري: يكتسب كتابه هذا أهمية بالغة، إذ يعدّ رائداً للكتب الإقليمية التي ألفت بعده في منهجه ومعلوماته وتبويبه. وقد عد الخارطة أساساً للبحث ، فقسم بلاد الإسلام إلى عشرين إقليمياً ورسم خارطة لكل من هذه الأقاليم جعلها في مطلع الحديث عنه. وقد أورد عن كل قطر معلومات عن الحدود والمدن والمسافات وطرق المواصلات، كما روى تفاصيل عن الحاصلات الزراعية والتجارة والصناعة والأجناس، هذا فضلاً عن بعض المعلومات التاريخية ص : 39.

وأشاد خصباك بالمسعودي ت : 346هـ من بين ناقديه، فقال :

فلا يمكننا أن ننكر بأن المسعودي كان رائد الإسلوب العجائبي “الذي يؤكد الغرائب والعجائب” في الجغرافية العربية…كذلك تميز المسعودي بغزارة عظيمة في التأليف، ومن أشهر مؤلفاته “مروج الذهب ومعادن الجوهر” الذي يربو على عشرين جزءاً ضخماً…وقد ضم معلومات متنوعة بدأت بتاريخ الأرض والخليقة وانتهت بالعصور الإسلامية ص : 49.

لقد أكد خصباك أهمية الرحلات للجغرافيين العرب ، فقال عن الحموي ت : 627هـ غير انه انتفع في الواقع من سفراته الواسعة التي كان يقوم بها فقد زار في بداية نشاطاته التجارية أطراف الخليج العربي وعمان والشام والقسطنطينية … فقفل راجعاً إلى بغداد واحترف مهنة استنساخ الكتب والإتجار بها ما أفاده كثيراً في نشاطه العلمي. ثم لم يلبث أن واصل مرة أخرى تجواله ابتداء من العام 610هـ/1213م، الذي استغرق ما يقرب من ستة عشر عاماً ص : 185 فزار الموصل والشام ومصر ودمشق وحلب فأربيل فأرومية ومنها إلى إيران الشرقية ونيسابور فهراة وسرخس ومرو ولما سمع بتقدم جحافل المغول هرب عائداً إلى الموصل، ومرَّ في طريقه بالري وقزوين

وتبريز ص : 185.

          وخلاصة القول ان كتاب د. شاكر خصباك هذا يدلل على سعة فكر خصباك الجغرافي وعلمية منهجه والجهد الذي بذله لأنه أزال الستار عن التراث الجغرافي العربي فحق القول بان خصباك جغرافي زيادة على أنه أديب وكاتب قصة.

المراجع

– حداد ، علي 2015م ، شاكر خصباك .. الأديب والعالم ، ملحق جريدة المدى عراقيون ، ع: 3351  س: 12  الخـــميس 30  نيسان .

– خصباك ، شاكر 1979م ، كتابات مضيئة في التراث الجغرافي العربي ، مطبعة دار السلام ، بغداد ، ساعدت جامعة بغداد على نشره .

– رشيد ، حسين 2015م ، سيرة حياة خصباك ، ملحق جريدة المدى عراقيون نفسه ، ع: 3351  س 12  الخــــــــميس 30 نيسان .

– الصكر ، حاتم 2015م ، شاكر خصباك ، ملحق جريدة المدى ، عراقيون ، نفسه ، ع: 3351 س: 12  الخــــــميس 30 نيسان .

– الطاهر، علي جواد 2015م، بمناسبة صدورصراع لخصباك ، ذكريات وانطباعات، ملحق جريدة المدى، نفسه ، عراقيون ، ع : 3351  س:12  الخــميس 30  نيسان.

مشاركة