شاعر عابر القرون – حسن العلوي

 

 

 

شاعر عابر القرون – حسن العلوي

اردد ان العصر العباسي لايزال قائما، ودليلي شعر وجيه عباس، خيالا وصورة ومفردة واشتقاقا.

انه الشاعر عابر القرون حافيا على رمال الجزيرة، وكلما اتقدت قدماه بجمرة القيظ، اتقدت شاعريته وافلتت من زمانها الى زمان بني العباس.

صنوا لابن الرومي والبحتري، ومن مشى على رملة الجزيرة.

انه وجه العروبة في القرن الحادي والعشرين.

وبقدر ما كان حديثه المتلفز مثار سجال، كان شعره سيارة اطفاء تغلق افواه النيران، وتدعو الناس الى كلمة سواء.

وما بعد ذلك للمفاخر مفخر، وهو شاعر تتباهى  به لغة المتنبي والجواهري وابنة الملائكة وسليل صائغ الفضة.

هو طفرة موانع عشرة امتار، لم يبلغها سواه، وقفزة أمة الشعر وشعر الأمة بالزانة.

شاعر يمحو التدرج والتموج لان موجته الشعرية تعلو موجات الاطلسي، انها من موج  الرملة الشقراء.

التغريبة

وجيه عباس

الآن لُذْ بالصمتِ والأسرارِ

هم خيَّروكَ، ولستَ بالمختارِ

مازاد جمعُ سواك إلا فرقةً

وتفرُّقُ الأضدادِ ربحُ خسارِ

ماخِيْرَ إلا كنتَ بعضَكَ جمرةً

فالآن قرّي ياعيونَ الثارِ

أمطِرْ بغيمتِكَ الضميرَ، ولم يكنْ

لسوى عيونك فيهِ من أمطارِ

الآن توقدُ من رمادِكَ شمعةٌ

لترى ديارك ياغريبَ الدارِ

{ { {

أطلقْ لساقيك الجَناحَ، فللأعالي وجهُ ما أبقيتَ من أسفارِ

أنا ما عهدتُكَ للترابِ وإنَّما

هبطتْ سماؤُكَ في جبينِ الغارِ

وبأنَّ عينيك السماءُ وماطوتْ

وبأنَّكَ الموعودُ في الأقدارِ

يامُودعاً بوصيَّة القيثارِ

ومُضرَّجاً بأصابعِ الأوتارِ

جَسَدٌ من القلقِ الذي لم يبتكرْ

في الأرضِ غيرَ غوايةِ الأزهارِ

كانَ النبيَّ، إذا الظلالُ تزاحمتْ

خرجتْ به الأحزانُ دون دثارِ

مذْ جاء من أقصى المرايا وجهُهُ

وقفت أمامَك غربةُ الأبصارِ

الآن خُذْ بيديكَ بعضَ مفازةٍ

وأَقِمْ صليبَكَ بين ألفِ جدارِ

كن حيث توثقُكَ الظلالُ أصابعاً

خشباتُ روحِكَ غربةُ المسمارِ

دعْ كلَّ حرفٍ من دماكَ يُقيمُ في المحرابِ صوتَ جنازة الأنهارِ

سِيّان كنتَ مؤذناً في غابةٍ

أو كنتَ فيهِ مؤذِّناً في “بارِ”

{ { {

وعلام تحرصُ؟ والحياةُ إذا غلتْ

هي بعضُ ليلٍ مدبرٍ ونهارِ

وعلام تحرصُ أنْ تعيشَ مخلَّداً

والموتُ يرقدُ تحت ظلٍّ عارِ

وإذا الثيابُ هناك من أكفانِهِ

وإذا الترابُ هناك قبضُ غبارِ

يا ألف حزنٍ تستطيلُ ظلالُهُ

وكأنَّهُ ثمرٌ من الأثمارِ

وبأنَّ إرثَكَ في الحياة بقيَّةٌ

هي من دماك وديعةُ الأسرارِ

حملوا بجرحكَ طهرَهم، فوجودُهم

طهرٌ تناسل من دمِ الأطهارِ

وبأنَّ كفَّكَ لم تُمدّ لذلَّةٍ

حرٌّ، وكنتَ بها من الأحرارِ

نبحتكَ ألسنةُ القطيع ولم تكنْ

عجلاً يسومُ زريبةَ الأبقارِ

واقول: حسبُكِ ان تكوني خيمة

لبستْ ثيابَ الماءِ في آذارِ

او غيمةً بسطتْ اصابعَ كفِّها

لتعيدَ رسمَ الرملِ في الإصحارِ

وبأن مئذنةَ القوافي كبَّرتْ

وتيقظتْ في وحشةِ الأسحارِ

وتوضأتْ بالشعرِ عند صلاتها

وسعى لها المحرابُ في الأنوارِ

هذا خَيارُكِ لم أكنْهُ ضلالةً

شتان بين خَيارها وخَياري

ماذا سَتُبقي منكَ غيرَ قصيدةٍ

هي منكَ بعضُ العمرِ في الأعمارِ

وكأنَّها حَمَلتْكَ بين ضلوعِها

قلقَ الوجودِ بغيبةِ الأطوارِ

هي كلُّ مايبقى وراءَكَ ظلُّهُ

وخطاكَ سائرةٌ بلا آثارِ

تلك الجراحُ يدٌ، أسالتْ دونها

روحاً يفورُ بها دمُ الأشعارِ

سيحيلُ تلك الأغنياتِ مدائناً

ويعلِّقُ اللوحاتِ دون إطارِ

أفقٌ سيرسمُ في الصِبا ارجوحةً

لتريح بعض المتعبين جواري

سيعِبُّ ضحكاتِ الطفولةِ كلَّها

فتكاد تسمعُ ظلَّها المتواري

ستقيمُ فيها القهقهاتُ مآذناً

لتصبَّ لعنتَها على الأسوارِ

وستصفعُ الطغيان كفٌّ حُرَّةٌ

لم تستكن للنهبِ والإيثارِ

وستلعنُ الوعد الكذوب لأنَّهُ

لم يورث الفقراءَ غيرَ العارِ

ويقومُ سترٌ بين يومٍ أسودٍ

وبياضِ حلمٍ بين ألف ستارِ

وسيسخرُ التاريخُ أنَّ ثيابَهم

لم تستر العوراتِ دون إزارِ

نفس الوجوهُ تعيدُ رسمَ خطوطِها

وكأنَّها ملّت من التكرارِ

وكأنَّما اللاشيءَ يسكنُ وجهَها

فتعودُ عاريةً بلا أستارِ

قِطَعٌ من الشطرنج تقتلُ بعضَها

ليقودَها مَلِكٌ من الأحجارِ

{ { {

يا ألفَ باءٍ والحروفُ يتيمةٌ

إنّي أُعيذُكَ أن تكونَ الشاري

حذرَ العقوقِ إذا اليتامى لم تجدْ

إلا سواكَ يليقُ بالأوزارِ

هم يشتمونَكَ قربةً لله يا

للهِ كيف تقلُّبُ الأدوارِ

أنْ كنتَ للأعمى عصاهُ، ومذْ رأت

عيناهُ  ألقاها بلا أعذارِ

اللائذون بظلِّ جنحِكَ رهبةً

والخائفون تخطُّفَ الأطيارِ

والمالئون الكونَ رجعَ صريخِهم

وكأنهم جمعٌ من الثوّارِ

والمؤمنون بما كفرتَ وإنَّما

كنت إبن آدمهم من الأنصارِ

ثاروا فما وجدوا سواك غنيمةً

فتناهبوك، وعدتَ بالأطمارِ

ووجدتَ أعظمَ مغنمٍ أنْ تتَّقي

هذي الوعولَ بحكمةِ الأشجارِ

أنْ كنتَ مرآةَ الضمير، وإنَّما

كانوا السوادَ يحيطُ بالأقمارِ

كنت العمى بعيونِهم لكنَّما

أبصرن وجهَكَ أعين النظارِ

هم يشتمون بك الضميرَ وحسبهم

إنَّ الضمائرَ علَّةُ الإضمارِ

{ { {

الآن قرّي ياعيونَ النارِ

وتوقَّدي ياجمرة التذكارِ

إلاّ تحاري بين صوتِكِ والصدى

لوتنطقينَ، ولستُ بالمحتارِ

لاتستري زُمراً تُقادُ، كأنَّما

كُتبتْ عليهم ذلَّةُ الإدبارِ

وهُمُ الفحولُ إذا المنابرُ كُوِّرتْ

كانوا بها قطبَ المسيل الجاري

الغارمون من الشعوبِ رغيفَهم

والمانعون تساقطَ الأمطارِ

وكأنَّهم “قارون” يكنسُ غيمةً

ليعود يستجدي يدَ الدينارِ

لقريش بيتُ المال بين بيوتِهم

والدارُ كعبتُهم قُبيلَ الجارِ

والدينُ مزرعةُ الرؤوسِ فان علتْ

سلَّوا سيوفَهمُ على الكفّارِ!

كفرٌ إذا شمخ الفقيرُ بأنفهِ

حتى يُقبّلَ خنصرَ الجبّارِ

كفرٌ إذا رفض الفقيرُ إمارةً

حتى يبايعَ عِمَّةَ الأحبارِ

والكفرُ أن لادينَ دون وجوهِهِم

وسواهُ نافلةٌ من الأذكارِ

لاتغفري إنَّ القصاصَ حياتُهُ

إلا يراكِ بجمْلةِ الغُفّارِ

وتناهبيهم إنَّ صوتَكِ لُجَّةٌ

لاتستكينُ لوحشة الابحارِ

لاتدَّعين فما عهدتُكِ كذبةً

بعضُ الحروف جنايةُ الأفكارِ

بل كنتِ بسملةَ اليقينِ حقيقةً

وفمي على التصديقِ فيكِ يساري

مشاركة