لمناسبة الذكرى 46 لرحيل عبد الناصر
شاعر العرب يرثي الرئيس الراحل
حسن عاتي الطائي
كتب شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري عدة قصائد عن البطل القومي ألتأريخي جمال عبد الناصر يشيد فيها ببطولته وفروسيته ومواقفه القومية الثورية الشجاعة وما انجزه وقدمه لأمته على الأصعدة الوطنية والعربية والعالمية وما اتسمت به شخصيته العملاقة من مهابة وصلابة وخلق رفيع خاصة بعد نكسة الخامس من حزيران عام 1967 ورثاه حين انتقل الى رحاب ربه العظيم بقصيدة همزية طويلة هي من اروع واقوى وأفخم ما جادت به قريحة الشاعر العربي من قصائد سياسية تكافأت شرفا مع منزلة ومكانة القائد الخالد في قلوب ابناء أمته العربية الذين أحبوه حبا جارفا غلابا وارتضوه قائداً لحركتهم الثورية وزعيما لكفاحهم القومي … لم يكن الجواهري ناصريا بالمعنى الأيدولوجي ولكنه كان مواطنا عربيا ثوريا وشاعرا عملاقا يتبنى قضايا أمته ويدافع عن حقها بشعره رأى في جمال عبد الناصر البطل الذي تجسدت في شخصيته العملاقة أحلام وأمال الشعب العربي في مرحلة حاسمة من تأريخ الحركة القومية العربية التي قادها ورفع لوائها وخاض بها ومن اجلها المعارك الكبرى ضد قوى الأستعمار والصهيونية والرجعية التي أخذ بها العرب مكانهم الطبيعي المرموق في الساحة الدولية باعتبارهم أمة واحدة ناهضة تتطلع نحو المستقبل الذي يكفل لهم حريتهم ووحدتهم وحقهم في الحياة الحرة الكريمة الخالية من الظلم والاستغلال والهيمنة الاجنبية … كانت قصائده عنه مفعمة بالامل وتتسم بالمصداقية والصراحة والحرارة والجزالة والبناء اللغوي الفخم والكثافة لا افتعال فيها او نفاق أو زيف يحييه فيها على شجاعته واصراره على مقارعة قوى العدوان والشر وعدم استسلامه ورضوخه لاعداء وطنه وأمته ويكبر فيه روح التحدي والمقاومة والبذل وعدم التخلي عن مبادئه وعن حقوق المظلومين والكادحين الذين أحبهم واخلصوا له في حبهم له .. وقف الى جانبه في كفاحه البطولي غير عابئ بما يحيكه ويدبره له الامبرياليون والصهاينة والرجعيون من مؤامرات ودسائس تستهدف ثورته والقضاء عليه شخصيا وعلى مبادئه ودعوته الوحدوية التي آمن بها العرب وبدأوا يسعون تحت قيادته لتحقيق دولتهم القومية الواحدة … وعندما وقعت نكسة الخامس من حزيران عام 1967 كتب الجواهري قصيدته ( الخطوب الخلافة ) يشد فيه من أزر عبد الناصر في مواجهة العدوان الامبريالي الصهيوني معتبرا اياه فتى الامة وحارس مجدها ورجلها في الملمات والخطوب وعليه يعقد الشعب العربي أماله في تحرير فلسطين منوها بروحه الثورية العالية التي ترفض التخاذل والخنوع والانحناء …. يقول مخاطبا زعيم الامة العربية .
دع الطوارق كالأتون تحتـدم وخلها كحبيك النسج يلتئـم
وخذ مكانك منها غير مكتـــــرث
دهدى بك الموج أو علت بك القمم
كفاك والخطب قخرا أن تصارعه ان المصارع أنى صار محتــــــرم ويا ابا خالد ان يلتهب بفمي
قول لاني لكل الثائرين فـم
يا ناصر الامة الكبرى وحاضنها لا العجب يملأ برديه ولا البــرم
ويا فتاها ويا حامي فتوتهــا
لا نال منك ولا من مجدها الهـــرم أنقذ فلسطين مردودا بها حـرم على ذويه ومركوزا بها علـم
ويمضي الشاعر الى القول مركزا على عظمة قيادته العبقرية التاريخية المبدعة ودوره القومي في توحيد الامة وإرادته الفولاذية التي لا تذعن ولا تساوم أو تركع لغير الرب العظيم .
يا منتج الضربات الكبر ينزلهـــا على دهاقنة عن مثلها عقمــــــوا
أكل يوم جديد أنت مبدعـــــــــــه حتى كأن ليس في قاموسك القدم
جمعت تسعين مليونا كما جمعـت لبد الليوث على أشبالها الأجـــم
وصغت من انهر شتى واخلجـــة بحرا بمصطخب الامواج يلتطم
حلفا ( جمال ) بقول رحت فاعلـه وقد يبر بفعل المقسم القســــــم
لو شئت ضعت شواظ النار قافيتا تأتي على كل ما تلقى وتلتهــــم
لكني وجدتك كالفولاذ ضرمــــــه طبع فما يتمشى فوقه ضـــــرم
وحين فوجئ شاعر العرب الأكبر بنبأ رحيل بطل العرب أحس بعظم الفاجعة التي ألمت بالامة العربية وشعر بالصدمة والالم يعتصر قلبه الرقيق سارع الى مقر السفارة المصرية في ( براغ ) عاصمة تشيكسلوفاكيا حيث اختارها أنذاك مقرا لأقامته ليقدم تعازيه مرتجلا عدة ابيات شعرية أودعها كل ما يحمل من حب وتقدير وعرفان لذلك الفتى العربي المقدام الذي أصبح رمزا للنهضة والحرية والوحدة العربية والذي استشهد في ساحة النضال واقفا على قدميه رافعا في يديه راية العروبة والكفاح والتحدي .
أيها الفارس الذي غادر الحومة عزلاء بعده والرجـــــالا
عظم الخطب فيك غالب غلاب يعبي لكل خطب نـــــزلا
يعجز الفكر ان يواتـــــي
ما تواتي بداهة وارتجالا
أنشد الناس أذ رأوك على الاعناق تختال هيبة و جلالا
ذي المعالي فليعلون من تعالى هكذا هكذا والا فـلا لا
شرف ينطح النجوم بروقيـــــه وعز يقلقل الاجبــــــــــالا
وفي الذكرى السنوية الأولى لرحيل بطل العروبة أقيم في القاهرة احتفال كبير دعي اليه شاعر العرب الأكبر ألقى الجواهري قصيدته الهمزية الغراء التي زادت عن الـ(130 ) مئة وثلاثين بيتا من الشعر حيث اختطف فيها الأضواء ونال الرضا والأستحسان والأعجاب ولا غرابة في ذلك. فحين يرثى شاعر العرب بطل العرب فلا بد ان تكون القصيدة عظيمة وفريدة وعصماء . نقتطف منها .
اكبرت يومك ان يكون رثــــــــاء
الخالدون عهدتم احيــــــــــاء
أو يرزقون أجل وهذا رزقهــــــم صنو الخلود وجاهة وعطـــاء يا قائد الجيش الشهيد أمضـه
شوق فزار جنوده الشهـــــداء
ابرفرف الخلد استفزك طائـــف
لتسامر الخلصان والخلطــــاء
ام رمت جمع الشمل بعد تفــرق
أم ان تثير كعهدك الشعـــــراء
يا ايها النسر المحلق يتقـي
فيما يميل عواصفا هوجــــــاء
أثني عليك وما الثناء عبــادة
كم أفسد المتعبدون ثنــــــــــاء
قد كنت شاخص أمة نسماتهــا
وهجيرها والصبح والأمســـاء
القت عليك غياضها و موروجهــا
واستودعتك الرمل والصحراء
كنت ابن ارضك من صميم ترابها تعطي الثمار ولم تكن عنقــــاء
قالوا أب بر فكانت أمـــــــــــــــة
الفا ووحدك كنت فيها البــــــاء
وانرت درب الجيل شاءت دربــه
حيل الطغاة عمية تيهـــــــــــاء
قد كان حولك الف جار يبتغـــــي
هدما ووحدك من يريد بنــــــاء
لله صدرك ما أشد ضلوعـــــــــه
في شدة وأرقهن رخــــــــــــاء
تلج السياسة في تناقض حالها
فتطابق العزمــــــــات والاراء
كرا واحجاما ورقة جانـــــــــــب
وصلابة وسلاسة ودهــــــــــاء
ورأيت في اسوان قدرة ساحـــــر
يسعى ليوسع ميتا احيــــــــــاء
وبعثته حيا” ودست مشككــــــــا
وصفعت همازا به مشـــــــــاء
وقمرت شر مقامر وكسبتــــــــه
وسلبته اوراقه الســــــــــــوداء
ورددت كيد مكايد في نحـــــــره
واصطدته بشباكه اغـــــــــراء
ولففت راس الأفعوان بذيلــــــــه
وقطعته وخطبتها بتـــــــــــراء
وصنعت معجزة القناة ورعتهم
وسقيتهم حمم الجحيم المــــــاء
وعصرت طاقات الجموع ورزتها فوجدتها ولادة عشــــــــــــراء
وجسست أوتار النفوس فوقعت
لك طوعا انفاسها السمـــــــراء
القت اليك قلوبها وعروقهـــــــــا
سمحاء ما شاء الندى معطـــــاء
فاذا نطقت ملكت مهجة سامـــــع
وخشوعها والسمع والأصغــــاء
واذا سكت اشاع صمتك رهبــــــة
حتى يخال كتيبة خرســـــــــــاء
أثني عليك على الجموع يصوغها
الزعماء اذهي تخلق الزعمــــاء
ورؤى حزيران وحسبك انـــــــه
يحيى لنا برؤاه عاشــــــــــوراء
ناهضت فانتهضت تجر وراءهـا
شم الجبال عزيمة ومضــــــــاء
واقتدتها فمشت يسدد خطوهـــــا
ان كنت أنت دليلها الحــــــــداء
ونكست فانتكست وكنت لواءهــا
يهوي فما رضيت سواك لـــواء
ثقة يحار بها النهى ومعـــــــــزة
تاهت على هام السها خيــــــلاء
سرنا على درب الكفاح مذانجلى
فخر الكفاح بجوه واضـــــــــاء
متجاوبين على الأبيد أهــــــــزه
إيثارة ويهزني ايحــــــــــــــاء
يا سدرة في المنتهى لم تعتــرف
الا الظلال الخضر والافيــــاء
عاطي ظلالك ( ناصرا) فلطالما
عاطى الجموع ظلاله وأفــــاء
وعليك يا فخرا الكفاح تحيــــــــة
في مثل روحك طيبة ونقــــــاء
ان جمال عبد الناصر الذي تمر هذه الايام الذكرى السادسة والاربعون لرحيله ليس مجرد قائد او زعيماً سياسياً او حاكماً أو رئيس للجمهورية .
انه اكبر من ذلك بكثير ولوكان كذلك لاصبح مجرد رئيس سابق لا يذكره أحد كما هو حال الرؤساء الســـــابقين الاحياء منهم والاموات . انه بطل قومي تاريخي توفرت فيه صفات الزعامة والبطولة والروح الثورية القومية الباسلة وارتضته الجماهير العربية رمزا وعنوانا لنهضتها ونضالها وتطلعاتها ورأت فيه ما لم تره في غيره من الحكام والرؤساء والقادة من ملامح القيادة الفذة والزعامة الاستثنائية والاخلاص المتناهي ما جعلها تثق فيه وتمنحه حبا” اسطوريا لم يحصل عليه احد سبقه أو لحقه ولهذا فليس من المصادفة ان يصبح عبد الناصر تجسيدا ورمزا لحركة القومية العربية وان تحاط شخصيته العملاقة النبيلة بكل هذا القدر الهائل من التمجيد والاعجاب والمحبة وان تستمر حياته بعد رحيله من خلال منجزاته الفكرية وحركته السياسية ومشروعه القومي النهضوي الذي تلتف حوله الان وتكافح من اجل تحقيقه قوى واحزاب وحركات وطنية وقومية وناصرية واسلامية ويسارية اتخذت من اسمه اللامع سلاحا ومن صورته البهية جواز مرور للدخول الى قلوب الملايين من ابناء الامة العربية التي احبها وأحببته.



















