

العمارة الأجنبية في العراق
شارع حيفا من التراث إلى الحداثة 1-2 – صلاح عبد الرزاق
تعد محلة الجعيفر من أقدم المحلات البغدادية وأشهرها في جانب الكرخ. وكانت تسمى بحلة التسترية في العصر البويهي (946- 1055 م). وسميت بالجعيفر نسبة إلى عشيرة الجعافرة وأصلها من الحجاز تعود لقبيلة شمر. وكانت الجعيفر والرحمانية والكريمات والدوريين والفلاحات والمشاهدة والشيخ معروف من الأحياء التراثية مشهورة بأزقتها الملتوية والمتداخلة مع بعضها البعض وشناشيل منازلها الجميلة التي تشرف على الأزقة وتستر ساكنيها، وأسواقها ومحالها التجارية ومقاهيها التي كانت تزدحم بروادها وخاصة في ليالي شهر رمضان.
وكانت محلة الشواكة التي تقع في قلب بغداد وهي منطقة بغدادية أصيلة يعود تاريخها إلى العصر العباسي. وكانت تضم مساكن وزراء ورؤساء حكومات وعائلات مشهورة مثل بيت توفيق السويدي (1892- 1986) الذي ما يزال قصرة قائماً والذي بني عام 1931. كما تضمن مبنى السفارة البريطانية. والشواكة تمثل التراث البغدادي بكل تفاصيل حياتها اليومية وعمارة بيوتها وأسواقها الشعبية.
في بداية عام 1980 تعرضت هذه المحلات التراثية والتاريخية إلى التهديم المنظم دون استثناء أي منزل أو بناية أو مسجد عتيق. كما تعرض سكانها إلى التفتيت والانتشار خارجها بعد استلامهم مبالغ التعويضات خاصة ، وأن كثير منهم لم يتمكن من بناء أو شراء دار جديدة فآثر استئجار مسكن له ولعائلته في المحلات التي لم ينالها التخريب مثل الجعيفر الثانية والرحمانية والعطيفية وأماكن أخرى بعيدة عن مركز بغداد.
تمتد منطقة الكرخ القديمة من مستشفى الكرخ وجامع براثا في العطيفية شمالاً وحتى ساحة الملك فيصل اول ومبنى الإذاعة والتلفزيون في الصالحية جنوباً. وتضم المحلات التالية: الرحمانية ، الشيخ علي ، المشاهدة، الشيخ معروف، خضر الياس ، الصعدة ، الفحامة ، الكريمات ، الشواكة ، محلة الذهب ، الشيخ صندل ، الست نفيسة ، سوق الجديد ، سوق حمادة ، شارع الشيخ معروف ، الدوريين، الفلاحات، السوامرة والتكارتة. وسكن هذه المناطق القادمون من مدن الدور وسامراء وتكريت وغيرها. فكان السكان السنة يشكلون أغلبية أهالي هذه المناطق.
وكانت المنطقة تتصل بشارع التقاعد وبدالة الكرخ جنوباً وتجاور العطيفية شمالاً ، مجاورة الرحمانية وعلاوي الحلة .
من أهم الأبنية الموجودة في منطقة الكرخ القديمة هي: هيئة التقاعد العامة ، مبنى الاذاعة والتلفزيون ، السفارة البريطانية ، مرقد الشيخ معروف ، مقام الخضر ، مستشفى الكرخ الجمهوري ، محطة القطار العالمية ، كراج العلاوي ، مرقد الشيخ جنيد ، جامع براثا ، وجامع عطا، جامع التكارتة ، جامع عائلة السويدي ، ملعب نادي الزوراء وقصر صدام على دجلة، والذي تحول إلى جامعة الكرخ للعلوم.
أما أبرز الشخصيات الكرخية فهي: الشاعر الملا عبود الكرخي (1861- 1946) ، الشاعر كاظم إسماعيل الكاطع (1950- 2012)، واللاعبين عدنان حمد ومفيد عاصم ، والمشجعان الرياضيان مهدي وقدوري. ومن أشهر عائلاتها وشخصياتها آل المدلل أصحاب الخان المشهور ومنهم الحاج عبد اللطيف المدلل وعائلة الشيخ سليمان الصالح التي تركت بغداد وعادت إلى السعودية، والحافظ خليل إسماعيل والعلامتين آل الشيرواني وبيت الرئيسين عبد السلام وعبد الرحمن عارف من عام 1963 إلى عام 1968.
فكرة استحداث شارع حيفا وهدم المحلات القديمة
تعود فكرة تحديث أحياء العاصمة بغداد إلى منتصف الخمسينيات في العهد الملكي. ففي عام 1956 تم استملاك الدور في سوق الجديد وسوق حمادة الذي يعود إلى عام 1774 ، والشيخ صندل والست نفيسة وخضر الياس. وتلكأ تنفيذ قرار الهدم من قبل الجهات الحكومية والشروع ببناء مجمعات سكنية جديدة.
في عام 1973 أسست أمانة العاصمة مجلساً باسم شارع حيفا برئاسة الأمين وعضوية وكيل وزارة الأوقاف نافع قاسم والشيخ جلال الحنفي والفنان إسماعيل الشيخلي والدكتور خليل الآلوسي والمعماري هشام المدفعي والمهندس عبد الحسين الشيخ علي وكيل الأمين و المهندس رشيد الدبيسي ، والمهندس سلام عسكر و المهندس صباح العزاوي والمهندس عدنان جابرو مدير عام إسالة الماء والمهندس الاستشاري للتشجير والفضاءات زاهر محمد بهجت الأثري وعدد آخر من الشخصيات المرموقة. وكان المجلس يجتمع شهرياً بحضور أمين العاصمة سمير الشيخلي لمناقشة مشاريع أمانة العاصمة وسبل الحفاظ على تراثها. وتم إطلاق سراح المعماري الشهير رفعت الجادرجي (1926- 2020) من السجن لينضم إلى المستشارين ويصبح مستشاراً للتصميم.
أجريت دراسات الجدوى والتحريات لإنشاء مركز تجاري في منطقة الكرخ. وكانت الدراسة ترتكز على تطوير الشوارع في الكرخ القديمة وتوسيع شارع حيفا الذي سمي على مدينة حيفا الفلسطينية.
يقول المخططون للمشروع أنه كانت هناك صعوبة في عملية الانسجام بين النسيج الحضري القديم وما مخطط له في تطوير الشارع. رقد أتبعت نفس المبادئ الموضوعة قبل أمانة العاصمة لتطوير شارع الخلفاء.
المكاتب الأجنبية المساهمة في تطوير شارع حيفا
يذكر المهندس محمد رضا الجلبي: اشترك في تطوير شارع حيفا سبعة مكاتب استشارية، كلّف كل منها لتصميم جزء معين. اختارت أمانة العاصمة اثنان منهم وهما مكتب تيست TEST ومكتب الموسوي بعد فوزهم بالمسابقة العالمية التي أجريت لهذا الغرض. وأما المكاتب الخمسة الأخرى فقد تم اختيارهم من قبل أعضاء المجلس.
وقد تم تأسيس مكتب للتنسيق حيث انتخب معاذ الآلوسي (1938 – ؟) مدير عام المشروع (تسيت) وراينيكي كونسلت المحدودة إيرلندا / دبلن Reinike Consult Ireland Ltd, Dublin لإدارة عملية التنسيق. وتم تشكيل فريق الإدارة والإشراف يضم المهندس فيصل الجبوري والاستشاري عبد الوهاب الصافي والاستشاري اللبناني تشارلي قربان، إضافة إلى عدد من المهندسين والمهندسات منهم ساهاك وندى زبوني ، رائة ومعن الراضي ، عفيف زاري، سعد الجودي ، ياسين الخضيري، ياسر القيسي، نيشان وعمر الآلوسي ، وأخرين. كما ضم الخبرات الحديثة مثل المهندسات ماجدة ونضال والمهندس سعد جواد البزاز والمهندس عبد الرضا. وضم فريق الإشراف الخبراء التابعين لمكتب موللر رانيكه الاستشاري الألماني.
وكانت المكاتب الاستشارية التي تم اختيارها تتولى إنتاج المخططات والمعايير التصميمية إضافة إلى الإدارة والاشراف على التنفيذ. وتم توحيد تقييس المخططات وإنتاجها لهذا المشروع كما لبقية مشاريع التطوير وفقاً لنظام تم تطويره من قبل المعماري رفعت الجادرجي ( 1926- 2020) خلال فترة السبعينيات يستند علي نظام CI/SfB الإنكليزي.
خلال الفترة 1981-1985 باشرت الشركات والمكاتب الأجنبية بإعداد التصاميم. فتولى الجزء الأول من تطوير شارع حيفا الاستشاري راينيكي Reinike Consult Ireland Ltd, Dublin الذي كان مسؤولاً عن الإحالة وبرامج العمل ، والاستشاري بارسونس براون كونسلتنت إنجنيرز Parsons Brown Consultant Engineers للخدمات ، وأوف آروب إنترناشيونال Ove Arup International للإنشاء.
وانخرط في العمل عدد من الاستشاريين العراقيين من خلال تحضير وإنتاج المخططات التي تم توحيدها بمستوى عالي من المهنية والنوعية مثل سامان كمال ومشاركوه Saman Kamal and Associates ومكتب بلانر Planner .
معايير التصاميم
لقد تم تطبيق المعايير القياسية والتصميمية بمستوى عالمي في المقترحات التخطيطية، منها ما يتعلق بالهندسة المدنية ، والبيئية مع الأخذ بعين الاعتبار الفعاليات العامة مثل مواقف السيارات.
وقد روعي في التفاصيل التصميمية عدة محددات لخلق فضاءات معيشة مريحة في بلد يمتاز بمناخ متطرف حار جاف مثل العراق. وكمثال على ذلك تحديد مساحة التزجيج للجدران الخارجية ب 10٪ من المساحة وبالأخص المواجهة لجهة الغرب، بالإضافة إلى الاعتناء بإطارات الشبابيك ، واستخدام المشبكات للحد من الانعكاسات لضوء الشمس.
ولغرض الحد من تأثير ارتفاعات الأبنية العالية على الشارع تم تدريجها وتقليل ارتفاعاتها إلى مستوى الأبنية المجاورة لها.
وخططت المناطق المفتوحة لكل جزء من الشارع لتشكل نقاط جذب للموقع، مع استخدام العناصر التقليدية كالأروقة والأقواس والشناشيل والفناء الداخلي بالإضافة إلي التزيين والمداخل المزورة.
وقد أستخدم الرواق لربط جميع أجزاء المشروع مع بعضها وكعنصر مهم من المظهر الخارجي العام للمشروع.
يتألف الجزء الأول من المشروع المصمم من قبل أم + آر إنترناشيونال بروكسل M+R International Brussels من أبنية سكنية عالية الارتفاع مع فعاليات تجارية وخدمية كالمقاهي والأسواق في الطوابق الأرضية من الأبنية.
واستخدمت في تصميم مخطط هذا الجزء توقيع الأبنية بشكل متعرض تلافياً للملل ، والايقاع العمودي والأفقي من خلال اختلاف ارتفاعات الطوابق. وقد استخدمت الشناشيل في الواجهات من مادة النحاس المائل لونها إلى الاصفرار لتعطي انطباعاً عاماً بالتوحيد مع المجاورات من الأبنية.
أما الجزء الثالث فقد أخذ بعين الاعتبار حل الاختناقات المرورية وتداول الركاب نهاراً ومساءاً نتيجة الزخم الناتج عن تطوير الشارع وعملية التسوق وتحسين الوظائف الحضرية للمنطقة.
يبلغ طول الشارع بحدود 2 كم ويمتد من ساحة الملك فيصل الآول (جمال عبد الناصر سابقا) ولغاية ساحة الشيخ الوائلي (حماد شهاب سابقا) وبموازاة نهر دجلة لما يقارب (2400) متر ، حيث جوبه المشروع بمشاكل الاستملاكات والتعويض والهدم لفترة عام ونصف.
تم تخطيط ثلاث مجمعات كبيرة وعلى مساحة 27 هكتار ، أحدها مركز تسويقي ، والآخران فعاليت تجارية وثقافية. وما تبقى من الموقع لإنشاء أبنية سكنية مرتفعة عالية الكثافة.
قسّم تطوير الشارع إلى ثمانية أجزاء 1-4 و 6 و 8 هي للسكن . فيما خُصص الجزءان 5 و 7 للفعاليات التجارية والأعمال.
يروي المهندس المعماري هشام المدفعي أنه كان ممن كُلف بالعمل في تطوير شارع حيفا. وأن الحكومة طلبت أن يتم إنجاز العمل خلال 30 شهراً فقط ، وأن يكون جاهزاً عن انعقاد مؤتمر عدم الانحياز في بغداد والمقرر في عام 1982. وبعد تحليل متطلبات فترة التصميم والاعلان عن المشاريع والإحالة ، اعترضتُ على هذه الفترة لسببين، أولهما أن مدة السنتين للتنفيذ خلال فترة الحرب القائمة (الحرب العراقية- الإيرانية 1980-1988) تعد قليلة وبالأخص ما يتطلب لمد شبكات الخدمات بعد ذلك.
والثاني هو أن تكاليف العمل ستكون باهظة جداً، ولا أرى سبباً يدعو لذلك. واقترحت أن يشاهد ضيوف المؤتمر سعة أعمال البناء لبلد يمر في حالة حرب. إن العدد الكبير من الكرينات والرافعات البرجية والمقاولين العالميين سيعطي فكرة جيدة عن الخط التطوري لمدينة بغداد، وجهود الدولة في ذلك. قُبلت الفكرة وعملنا على هذا المبدأ وبلا تحديد أولي لموعد الإنجاز.
بلغ عدد الوحدات السكنية في مشروع شارع حيفا (1923) شقة تتألف من غرفتي نوم أو ثلاث. ومجموع العمارات هو (77) عمارة ، سميت حسب اسم بلد الشركة المنفذة وهي: العمارات الهولندية ، العمارات الالمانية ، العمارات الكورية، أو حسب ساكنيها مثل العمارات العراقية والعمارات السورية .
من المتطلبات التصميمية لعمارات شارع حيفا ان يكون لكل عمارة ملجأ تحت العمارة ضد الضربات النووية . وحددت المواصفات السويسرية لتكون قاعدة لتلك التصاميم بكل ما تتطلب من قاعات وحمامات للغسل وتغيير الملابس ، وانفاق الهروب الى الخارج عبر مسارب تخرج بعيداً عن العمارات ، ليكون الاشخاص بمأمن فيما لو سقطت العمارة وقد شيدت تلك الملاجئ بموجب المواصفات المحددة . وكما ذكرت سابقا ، فقد اسسنا معرض المواد المستخدمة في كل مشروع ، يبين مواصفات ومناشئ وتفاصيل كل قسم من اقسام مقاولات مشروع شارع حيفا . ولا يفوتني ان اذكر اني ادخلتُ طلبا من كل مقاول ان يجهز مواد احتياطية تكفي لأعمال الصيانة لمدة خمس سنوات.
أقسام المشروع
هناك تصاميم متنوعة في مشروع شارع حيفا وعهدت إلى شركات عالمية رصينة مثل:
فقد عهد قسم (حيفا 1 ) لشركة هانك يانغ الكورية. وعهد (حيفا 2 ) و(حيفا 4) لشركة سكس سي أف أي الفرنسية (تركت العمل بعد البدء بفترة وجيزة لعدم توفيرها تمويل). وبقيت الأجزاء غير منفذة إلى آن تم تنفيذ قسم منها بصورة غير جيدة. وتم تحويل حيفا 2 إلى قصر رئاسي على نهر دجلة.
وقد تم تنفيذ (حيفا 3) من قبل شركة هايليت أند ورنر الألمانية و التي نفذت جزءاً من طريق المرور السريع داخل بغداد والطريق الدولي السريع. وقد سقط صاروخ إيراني على أحد الأبنية السكنية القديمة الذي يقع قرب (حيفا 3 ) حيث بادرت الشركة بإنقاذ المصابين وبإشراف مدير المشروع كوردرويتر. ثم تم إكمال المشروع دون تأخير. وتسبب انفجار الصاروخ إلى حدوث أضرار في الشبابيك والأبواب والسقوف الثانوية في الأبنية المستلمة ، وتمت إعادة التأهيل. علماً بأن زجاج الشبابيك من نوع الزجاج المزدوج Double Glas المتكون من طبقتين خارجية وداخلية بسمك 6 ملم للحصول على أفضل عزل حراري وصوتي للساكنين. إضافة إلى ذلك قامت الشركة بتأثيث الشارع ونصبت أعمدة الانارة والمصابيح من نوع سيمنز ونوكيا. كما قامت بنصب المصاطب وتجهيز حاويات الزهور والنباتات وحاويات النفايات وغيرها مجاناً.
وعهد قسم (حيفا 5) من الشارع إلى المهندس العراقي المعروف موسى الموسوي (1949- ) الذي أصبح رئيساً لجامعة بغداد وعميداً لكلية الهندسة عام 2003 ، وأسس مكتبه الاستشاري في مدينة مانشستر . ولا شك ان تصاميمه جاءت وفق مبادئ الحداثة في الفن المعماري في هذا العصر .ويتكون هذا القسم من عمارتين كبيرتين جدا ، خصصت الاولى لتكون مركز الفنون ( وزارة الثقافة حاليا ) ، والاخرى مركزا للبنوك والبريد ودائرة السياحة .
وعهد قسم (حيفا 6 ) إلى المعماري معاذ الآلوسي حيث استخدم الجدران والكتل المعمارية دون هدف أو رمز معماري معيّن ولم تكن فكرة مدروسة على حد قول هشام المدفعي. وعهد لشركة هيونداي الكورية تنفيذ حيفا 5 و حيفا 6 .
أما قسم (حيفا 7 ) فقد عهد إلى المركز القومي للاستشارات الهندسية بمهندسيه المعروفين هنري زفوبودا Svoboda (1925- 2005)، وهو من عائلة بغدادية مسيحية من أصول نمساوية ، ومعن سرسم. إذ قدما تصميم عمارتين خصصتا لوزارة العدل ووزارة الحكم المحلي (وزارة البلديات فيما بعد). وجاءت هاتان العمارتان لتكونا من أجمل الأبنية المتميزة معمارياً بما ترمزه من الحداثة والوظيفة والشفافية في العمارة. وقد عهد لشركة وولف آند موللر الألمانية بتنفيذ حيفا 7.
وقد تعرضت البنايتان إلى تفجير إرهابي بسيارة مفخخة في 25 تشرين الأول 2010 ، وتزامن مع تفجير آخر بعد دقائق أمام مبنى محافظة بغداد وكنت في مكتبي آنذاك.
إن عمارات قسم حيفا 8 من مشروع شارع حيفا تتألف الواحدة من 15 طابقاً فوق مستوى الطابق الارضي ، تستند الى ركائز عملاقة ذات قطر يبلغ 120 سم . وكان ذلك يستعمل لأول مرة في بغداد في اعمال أشرف عليها مباشرة . لذلك كان عليّ كمهندس استشاري و والحديث للمدفعي، أن أتعرف على التجارب العالمية المماثلة ، رغم وجود استشاريين عالميين .
كان المقاولون الهولنديون الخبراء في هذا المجال ، يعملون على وضع تلك الركائز تحت اسس العمارات . ولأول مرة اتعرف على نزول خبير من تلك الشركة الى اسفل احدى الركائز بعمق نحو 12 مترا ، ليتأكد من دقة العمل ومطابقته للمتطلبات التصميمية.
لإنشاء الهيكل الانشائي لعمارات هذا المشروع حيفا / 8 ? كان المنهج يتطلب ان تستعمل القوالب الكونكريتية المنزلقة slip form ? وان تكون المدة المحددة للعمل 45 يوما لكل عمارة لإكمال الهيكل الانشائي من الجدران والسقوف . ولتحقيق هذا المنهج فقد استورد المقاول طاقمين كاملين من القوالب . تابعت الاعمال هذه لأول مرة واتضح لي ان مجموعة المهندسين والخبراء والمقاولين المكلفين بإنجاز المهمة ، ليسوا على استيعاب كامل لمتطلبات الاعمال وانجاز الهيكل الواحد في 45 يوما ، وهذا يعني ان تأخيرا كبيرا سيحدث في انجاز المشروع .
يقول المهندس هشام المدفعي: بعد مناقشة جهاز الاشراف الموجود في الموقع من هولنديين وأردنيين ، لم ارَ بداٍ من طلب رئيس الشركة للحضور على الفور الى بغداد للإشراف على تعديل مسار العمل . حضر رئيس الشركة واتضح لي انه من كبار المهندسين الاكفاء ، فتفهم وجهة نظري وايدني بدون تردد . وفي خلال اسبوعين قام بسحب جميع المهندسين الهولنديين والاردنيين ، كما استبدل مدير المشروع . لقد شعرت بالسرور والفخر عند قيامنا باكمال اعمال الهيكل الانشائي للعمارة الثالثة في المدة المقررة ، وهي 45 يوما ، فاحتفلنا عصر ذلك اليوم واخذنا الصور التذكارية . وبعدها سارت جميع الاعمال الختامية لهذا المشروع الكبير بالشكل الصحيح والاوقات المحددة لها .
يرتبط بشارع حيفا اربعة جسور هي: 1-جسر الشهداء الذي يربط بين الشواكة في الكرخ والشورجة وساحة الرصافة وسوق السراي في الرصافة.
2- جسر الأحرار الذي يربط الصالحية في الكرخ بساحة حافظ القاضي وشارع الرشيد في الرصافة.
3-جسر باب المعظم الذي يربط بين شارع حيفا ومدينة الطب ومنطقة باب المعظم في الرصافة.
4ش-جسر الصرافية الذي يربط العطيفية وجامع براث في الكرخ والكسرة والوزيرية في الرصافة.
من سكن شارع حيفا
تساءل هشام المدفعي: من سيسكن هذه الشقق ؟ ثم أجاب: كان هذا السؤال حاضرا واخيراً في كل مراحل انشاء مشروع شارع حيفا ، يتداوله الجميع ويحاولون الحصول على اجابته علنا او همسا . غير ان التساؤل الاكثر اثارة هو : هل سيكون بإمكان العوائل المرحلة من المنطقة ان تسكن هذه الشقق ؟ لم يكن بامكاننا ان نعطي جوابا حول هذا السؤال ، لان الاجابة الصحيحة تتطلب الاحاطة بالعديد من المعطيات والفرضيات . ولما لم تكن لدينا اية سياسة مرسومة او افكار ثابتة حول توزيع شقق شارع حيفا ، لذا اكتفينا بانجاز اعمالنا اولا قبل البحث في هذا الامر . والحقيقة ، كان هناك العديد من المقترحات والافكار المطروحة التي لا علم لنا بها. من هذه الافكار تخصيص الشقق لموظفي الدولة ومنها ان تباع بالمزايدة لمن يدفع السعر الاعلى ، ومنها تخصيصها لأهالي منطقة الكرخ وهو الاكثر تضررا بسبب فتح الشارع .بقيت تساؤلات المعماري الشهير هشام المدفعي في الهواء لأنه لم يكن يعلم ما يخططه رأس النظام، ولا أفكاره المنحرفة.
















