شابة إيطالية تتفرغ لتربية الحمير والأبقار في جبال الألب

428

‭ ‬روما‭ -(‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬قررت‭ ‬فانيسا‭ ‬بيدوتزي،‭ ‬وهي‭ ‬شابة‭ ‬إيطالية‭ ‬في‭ ‬الثالثة‭ ‬والعشرين،‭ ‬أن‭ ‬تحدث‭ ‬تغييراً‭ ‬جذرياً‭ ‬في‭ ‬حياتها،‭ ‬إذاختارت‭ ‬تربيةالحمير‭ ‬في‭ ‬الجبال‭ ‬،مفضّلة‭ ‬العيش‭ ‬وسط‭ ‬الطبيعة،‭ ‬على‭ ‬حياة‭ ‬الحانات‭ ‬والملاهي‭ ‬الليلية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يفعله‭ ‬عدد‭ ‬متزايد‭ ‬من‭ ‬الشباب‭ ‬الإيطاليين‭.‬

ورغم‭ ‬إقرارها‭ ‬بأن‭ ‬هذا‭ ‬العمل‭ “‬صعب‭ ‬ومنهك‭”‬،‭ ‬تؤكد‭ ‬بيدوتزي‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ ‬أنه‭ ‬يستهويها‭. ‬وتقول‭ “‬لقد‭ ‬اخترت‭ ‬هذه‭ ‬الحياة،‭ ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬المكان‭ ‬الذي‭ ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬أكون‭ ‬فيه،‭ ‬محاطة‭ ‬بالطبيعة‭ ‬والحيوانات‭”.‬

وتعتزم‭ ‬فانيسا‭ ‬إقامة‭ ‬مزرعة‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬ألبه‭ ‬بيدولو،‭ ‬الواقعة‭ ‬على‭ ‬ارتفاع‭ ‬813‭ ‬متراً‭ ‬فوق‭ ‬مستوى‭ ‬سطح‭ ‬البحر‭ ‬،‭ ‬ضمن‭ ‬بلدة‭ ‬شينيانو‭ ‬اللومباردية‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬البلاد‭.‬

وتحمل‭ ‬هذه‭ ‬الشابة‭ ‬إجازة‭ ‬في‭ ‬الطهو،‭ ‬لكنّها‭ ‬فضّلت‭ ‬الإقامة‭ ‬في‭ ‬الجبال‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬المهنة‭ ‬التي‭ ‬درستها‭.‬

وتروي‭ “‬انطلقت‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬الفائت،‭ ‬وكانت‭ ‬البدايةبأتانتين‭. ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬أملك‭ ‬أرضاً‭ ‬ولا‭ ‬حظيرة،‭ ‬فاستعرت‭ ‬حقلاً‭ ‬من‭ ‬صديق‭”.‬

وبات‭ ‬قطيع‭ ‬فانيسا‭ ‬اليوم‭ ‬يضم‭ ‬20‭ ‬حماراً،‭ ‬بينها‭ ‬15‭ ‬من‭ ‬الأتانات‭ ‬الحوامل،‭ ‬ونحو‭ ‬عشر‭ ‬بقرات‭ ‬وعشرة‭ ‬عجول‭.‬

وتستذكر‭ ‬فانيسا‭ ‬أنها‭ ‬كانت‭ ‬شغوفة‭ ‬بتربية‭ ‬الماشية‭ ‬منذ‭ ‬أن‭ ‬كانت‭ ‬صغيرة‭. ‬وتقول‭ “‬كان‭ ‬جدي‭ ‬وجدتي‭ ‬يملكان‭ ‬مزرعة،لديهما‭ ‬فيها‭ ‬أبقار‭ ‬حلوب،‭ ‬وكانا‭ ‬ينتجان‭ ‬الزبدة‭ ‬والأجبان‭”. ‬وتضيف‭ “‬في‭ ‬طفولتي،‭ ‬كنت‭ ‬ألحق‭ ‬بوالدي‭ ‬عندما‭ ‬يأخذ‭ ‬الأبقار‭ ‬إلى‭ ‬المرعى‭”.‬

وتشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬والدها‭ “‬لم‭ ‬يكن‭ ‬في‭ ‬البداية‭ ‬مرتاحاً‭” ‬إلى‭ ‬خيارها،‭ ‬لأنه‭ ‬يدرك‭ ‬صعوبة‭ ‬هذه‭ ‬المهنة‭ ‬التي‭ ‬زاولها‭ ‬كل‭ ‬حياته،‭ “‬لكنّه‭ ‬تأقلم‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬مع‭ ‬الفكرة،‭ ‬وأصبح‭ ‬يساعدني‭ ‬ويسدي‭ ‬إليّ‭ ‬النصائح‭”.‬

وتستيقظ‭ ‬فانيسا‭ ‬في‭ ‬السادسة‭ ‬والنصف‭ ‬صباحاً،‭ ‬وأول‭ ‬ما‭ ‬تفعله‭ ‬هو‭ ‬تَفقّدُ‭ ‬حيوانات‭ ‬مزرعتها‭ ‬للتأكد‭ ‬من‭ ‬كونها‭ ‬بخير‭ ‬وتزويدها‭ ‬الماء‭.‬

وتقول‭ “‬الأمر‭ ‬ليس‭ ‬سهلاً‭. ‬يجب‭ ‬أحياناً‭ ‬الاتصال‭ ‬بالطبيب‭ ‬البيطري،‭ ‬ومساعدة‭ ‬الحيوانات‭ ‬على‭ ‬الوضع‭”. ‬وتضيف‭ “‬بينما‭ ‬يستعد‭ ‬الشباب‭ ‬من‭ ‬عمري‭ ‬مساء‭ ‬السبت‭ ‬للخروج‭ ‬والسهر‭ ‬أكون‭ ‬منشغلة‭ ‬بالاستعداد‭ ‬للذهاب‭ ‬إلى‭ ‬الحظيرة‭”.‬

وتتابع‭ “‬هذه‭ ‬طبيعة‭ ‬هذا‭ ‬العمل‭. ‬لا‭ ‬يزعجني‭ ‬أن‭ ‬آتي‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬المكان‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬وقت،‭ ‬سواء‭ ‬أكان‭ ‬السبت‭ ‬أو‭ ‬الأحد‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬عيد‭ ‬الميلاد‭ ‬أو‭ ‬ليلة‭ ‬رأس‭ ‬السنة‭”. ‬وترى‭ ‬فانيسا‭ ‬أن‭ ‬الطبيعة‭ ‬هي‭ ‬الأمر‭ ‬الوحيد‭ ‬الذي‭ ‬تحتاج‭ ‬إليه‭ “‬مجرّد‭ ‬الذهاب‭ ‬إلى‭ ‬كومو‭ ‬للتبضّع‭ ‬يتعبني،‭ ‬بسبب‭ ‬الضجيج‭ ‬والسيارات‭ ‬والتلوث‭. ‬لو‭ ‬استطعت‭ ‬تفادي‭ ‬الذهاب‭ ‬إلى‭ ‬هناك،‭ ‬لفعلت‭. ‬هنا،‭ ‬أشعر‭ ‬بأنني‭ ‬إلهة‭”.‬

وتكتفي‭ ‬فانيسا‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الراهن‭ ‬ببيع‭ ‬الحيوانات‭ ‬ولحومها،‭ ‬ولكنها‭ ‬تعتزم‭ ‬توسيع‭ ‬نشاط‭ ‬مزرعتها‭ ‬ليشمل‭ ‬إنتاج‭ ‬حليب‭ ‬الأبقار‭ ‬والأتانات،‭ ‬وصنع‭ ‬الأجبان‭ ‬منها‭.‬

وتلاحظ‭ ‬فانيسا‭ ‬أن‭ “‬حليب‭ ‬الأتانات‭ ‬مطلوب‭ ‬جداً،‭ ‬إذ‭ ‬هو‭ ‬الأقرب‭ ‬إلى‭ ‬حليب‭ ‬الأم،‭ ‬وملائم‭ ‬جداً‭ ‬للأشخاص‭ ‬الذين‭ ‬يعانون‭ ‬الحساسية‭” ‬من‭ ‬أنواع‭ ‬الحليب‭ ‬الأخرى‭.‬

في‭ ‬الموازاة،‭ ‬تدير‭ ‬فانيسا،‭ ‬مع‭ ‬رفيقها‭ ‬البالغ‭ ‬الرابعة‭ ‬والثلاثين،‭ ‬أشغال‭ ‬تأهيل‭ ‬المبنى‭ ‬الذي‭ ‬ستقام‭ ‬فيه‭ ‬المزرعة‭.‬

وتؤكد‭ ‬فانيسا‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬تخشى‭ ‬ما‭ ‬تتطلبه‭ ‬هذه‭ ‬الأشغال‭ ‬من‭ ‬وقت‭ “‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الاهتمام‭ ‬بالحيوانات‭”. ‬ويتولى‭ ‬رفيقها‭ ‬الذي‭ ‬يعمل‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬البناء،‭ ‬دعمها‭ ‬مالياً‭ ‬في‭ ‬انتظار‭ ‬أن‭ ‬تدرّ‭ ‬المزرعة‭ ‬الأرباح‭.‬

وكشف‭ ‬جاكوبو‭ ‬فونتانيتو،‭ ‬من‭ ‬نقابة‭ “‬كولديريتي‭”‬،‭ ‬إحدى‭ ‬النقابات‭ ‬الزراعية‭ ‬الرئيسية‭ ‬في‭ ‬إيطاليا،‭ ‬أن‭ “‬عودة‭ ‬للشباب‭ ‬إلى‭ ‬الجبال‭ ‬سجلت‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬العشر‭ ‬إلى‭ ‬العشرين‭ ‬الأخيرة‭”‬،‭ ‬بعد‭ ‬مرحلة‭ ‬شهدت‭ ‬نزوحا‭ ‬عنها‭.‬

وزاد‭ ‬عدد‭ ‬المزارعين‭ ‬الذين‭ ‬تقلّ‭ ‬أعمارهم‭ ‬عن‭ ‬الخامسة‭ ‬والثلاثين‭ ‬بنسبة‭ ‬12‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬خلال‭ ‬خمس‭ ‬سنوات،‭ ‬بحسب‭ ‬إحصاءات‭ ‬العام‭ ‬2019،‭ ‬علماً‭ ‬أن‭ ‬ثلث‭ ‬هؤلاء‭ ‬من‭ ‬الإناث‭.‬

وتعتبر‭ ‬النقابة‭ ‬أن‭ ‬المهن‭ ‬ذات‭ ‬الصلة‭ ‬بالأرض‭ ‬باتت‭ ‬تجتذب‭ ‬الشباب‭ ‬المتعلمين،‭ ‬و‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مجرّد‭ ‬خيار‭ ‬احتياطي‭ ‬لأولئك‭ ‬الذين‭ ‬يعانون‭ ‬صعوبات‭ ‬في‭ ‬المدرسة‭. ‬وتشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬ثمانية‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬عشرة‭ ‬إيطاليين‭ ‬يكونون‭ ‬سعداء‭ ‬إذا‭ ‬اختار‭ ‬أبناؤهم‭ ‬مهنة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭.‬

لكنّ‭ ‬فونتانيتو‭ ‬يقرّ‭ ‬بأن‭ “‬اعتماد‭ ‬هذا‭ ‬الخيار‭ ‬ليس‭ ‬سهلاً،فالشباب‭ ‬الذين‭ ‬تراوح‭ ‬أعمارهم‭ ‬بين‭ ‬العشرين‭ ‬والثلاثين،‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬يفكرون‭ ‬بأمور‭ ‬أخرى،‭ ‬وتتركز‭ ‬اهتماماتهم‭ ‬على‭ ‬التسلية‭ ‬والسهر‭. ‬أما‭ ‬الحياة‭ ‬في‭ ‬الجبال‭ ‬فتتطلب‭ ‬تضحيات،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬المرء‭ ‬محاطاً‭ ‬بأجمل‭ ‬رفقة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يحلم‭ ‬بها‭”.‬

مشاركة