سيسي العراق ..والبيان رقم واحد

216

علي السامرائي

لم يدرك جيلي ومن جاء بعده حتى الان معنى تلك اللحظة التي يصحو فيها الناس في بلد ما على صوت جهوري عبر المذياع او وجه عبوس ذو تقاطيع حادة عبر التلفاز تسبقهما مارشات عسكرية ليعلنا البيان رقم واحد  فحتى سقوط نظام صدام حسين كان رمزيا عبر اسقاط النصب الشهير في ساحة الفردوس مع كونه زلزلا هز المنطقة والعالم ومازالت ارتداداته مستمرة حتى الان.

تلخص رمزية الرقم ( 1 ) المدون في ورقة البيان معنى “الانقلاب ” سواء كان مدنيا  ام عسكريا صرفا لكن يسحب معه سلسلة بيانات تقلب الاوضاع راسا على عقب والعراق كان من بين البلدان التي تعاملت مع مثل هذا البيان جيدا رغم ان اخر مرة سمع بها العراقيون هذا الرقم كان في عام 1968 والذي حمل “البعث” الى سدة السلطة التي اطاح بها الاميركيون.

مناسبة الحديث عن هذا البيان هو سلسلة الاحباطات التي يمر بها العراق وتنامي الشعور بالعجز عن اصلاح الواقع الهش في مختلف جوانبه كانت امنية او سياسية او اقتصادية او خدمية كما لايغيب عنها تجليات وانعكاسات الازمة السورية المحتدمة وشررها الذي يصيب العراق وقد يفتح عليه ابواب جنهم ان لم يتمكن من الوصول الى مقاربة تتيح اغلاق بوابة الموت القادم من الغرب.

قد يكون الحديث عن “انقلاب عسكري او مدني” في العراق نوعا من” الكوميديا السوداء” ولاسيما ان الفرقة الحاكمة او المتسيدة ترى في كل فرد من افرادها “مايسترو” يتقن “نوتات” اللحن السياسي حتى وان كان حزينا يثير النحيب ، فالعراق كما هو واقع الحال دولة برلمانية اتحادية تحتكم الى دستور دائم لايخلو من الشوائب المضرة لكنه دستور يحتكم اليه الجميع وبالتالي فان اجواء الانقلابات التي كانت تغزو عقول الجنرالات النافذين في ستينات القرن الماضي غلبتها  رياح الديمقراطية التي تدغدغ مشاعر الجميع ، لكن الى اي مدى يمكن تجاهل امكانية حدوث مثل هذا الانقلاب في دولة مثل العراق؟.

تجاهل حصول مثل هذا الحدث قد لا يكون مفيدا خاصة ان اغلب المؤشرات ومايدور في كواليس السياسيين ومايطلق من “همهمة ” هنا او هناك قد تقود في النهاية الى عدم استبعاد مثل هذا السيناريو اذا ما وضعنا الحدث المصري بغض النظر عن الموقف منه امام نصب العين،  ففي مصر بعد ثورة يناير جاء رئيس وبرلمان وحكومة منتخبة شعبيا وديمقراطيا وعبر اليات لاغبار عليها لكن الفشل في كسب عقول وقلوب المصريين اواحداث انتقالة نوعية في يومياتهم المتعبة ، اتاح للموجة الثانية من الثورة الاطاحة بحكم الاخوان المسلمين لتمنح قائد الجيش المصري الفريق عبد الفتاح السيسي صك الولاء مقابل “تقليم اظافر” الاخوان وزج قياداتهم في السجون التي خبروها جيدا على مدى عقود ، فالاول مرة في تاريخ الحركات المناوئة للسلطة القائمة يكون هناك بيان “رقم واحد” يعلم به الجميع بل وينتظروه رغم انه جمد الحياة الديمقراطية وفصلها وفقا لمزاج العسكر.

لكن ، من هو”سيسي العراق” ؟ ، اغلب الاحاديث في اروقة السياسة العراقية والمهتمين بتطوراتها تدور حول جنرال عراقي يملك مؤهلات عدة فهو في ميزان التقسيم الطائفي الذي يحكم المعادلة العراقية منذ عقد من الزمان ينتمي الى المكون الشيعي وهذا الانتماء لم يدفعه للقطيعة مع المكونات الاخرى “الاكراد او العرب السنة” فلم نسمع عن شكاوى من قبيل الاتهام بالتمييز الطائفي او العرقي فالرجل يملك القدرة على ادارة التوازنات الهشة الحالية ، ومن ناحية التاريخ العسكري فهو قائد مشهود له فقد واجه القوات الامريكية ابان حرب الخليج الثانية وتعامل معهم الند بالند بعد الغزو ، كما ادار بنحو جيد العمليات العسكرية في مواجهة اعمال العنف خلال السنوات المنصرمة ، وبالتالي فان هذا الرجل وهو (الفريق عبود قنبر) يحضى بقبول من اطراف سياسية وشعبية وهذا هو الاهم لان اغلب العراقيين يدركون عمق الورطة التي هم فيها ويتمسكون حتى ولو بقشة لتنقذهم من الغرق.

اما لماذا (الفريق عبود قنبر) تحديدا الان فان لذلك ارتباط بماتوارد من معلومات تشير الى تعيينه قائدا للعمليات المشتركة والتي تتيح له ادارة مفاصل مهمة وحساسة يقع على عاتقها قيادة العمليات العسكرية والامنية والمخابراتية والاشراف على كل شاردة وواردة في هذا الملف المهم ، وبالتالي فان التعامل مع الواقع على الارض يتيح له مرونة كبيرة في التحرك بشكل لايفقهه المدنيين ممن يتولون مناصب عليا ، فرئيس الوزراء نوري المالكي له قدرات ادارية وسياسية لكن مؤهلاته العسكرية لاتوازي مؤهلات العسكر رغم اشرافه لردح من الزمن على الملف العسكري في “حزب الدعوة الاسلامية ” لكن ادارة عمل عسكري حزبي محدود يختلف تماما عن ادارة جيش واسع لدولة كبيرة.

سيناريو “سيسي العراق” قد يكون احد الخيارات التي تلجأ اليها الولايات المتحدة لضمان وضع افضل لستراتيجيتها في منطقة الشرق الاوسط فموقفها المائع من “الانقلاب العسكري” في مصر قد يتيح لاخرين اللجوء لمثل هذا التحرك دون ان يكون لواشنطن قوة الردع وهذا الخيار قد يتوقف ايضا على ما ستتمخض عنه الانتخابات البرلمانية المقررة في نهاية نيسان من العام المقبل وما ستفرزه من قوى سياسية وتحالفات ونتائج قد تعرقل تشكيل الحكومة او تحول دون التداول السلمي للسلطة وعندها سيكون “سيسي العراق” حاضرا للقيام بالواجب الموكل له لضمان “استمرار” الحياة الديمقراطية في العراق وعدم دخولها الى نفق مظلم ومجهول عبر تكليف شخصية مدنية مستقلة تضمن اجراء انتخابات حرة ونزيهة في موعد محدد وتاخذ على عاتقها اعلان احكام عرفية وحالة الطوارئ من اجل استتباب الامور ضمن جدول زمني محدد.

سياسة الامر الواقع في حال حصول مثل هذا “الانقلاب” قد تدفع ايران احد ابرز اللاعبين الاساسيين في الساحة العراقية الى التزام الحياد خاصة اذا ما اثمرت مفاوضاتها مع الغرب عموما والولايات المتحدة خصوصا عن تفاهمات تتيح لها فك الطوق عنها وتخفيف العقوبات والقبول ببرنامج نووي سلمي في حين ان وجود رجل عسكري شيعي لايشك بولائه للطائفة او انتمائه للعراق وحفظه للتوازنات قد يكون امرا مقبولا فالايرانييون اساتذة في البراغماتية السياسية ويعرفون من اين تؤكل الكتف كما ان معظم الدول العربية وخاصة الخليجية المناوئة لسياسات المالكي قد ترى في هذا الحدث فرصة مهمة لمراجعة علاقاتها مع العراق “الجديد” وطي صفحة الماضي المتخم بالازمات وعدم الثقة.

وقد يساهم الموقف الايراني بضبط “ايقاع”احزاب واطراف قريبة لها فـ “الرجل الجديد” او من سيكلفه سيكون مقبولا منها وبالتالي فان كبح جماح تلك الاحزاب ان حاولت اثارة الشارع للقيام باحتجاجات او اللجوء في اسوء الاحوال الى العنف سيكون خيارا مطروحا كون اي انتكاسة داخلية ستكون مضرة لها في حال حصول   تفاهم امريكي – ايراني كما ان القبول بالامر الواقع من رئيس الحكومة في حال احتدام الصراع مع خصومه والاخفاق في تشكيل حكومة جديدة سيكون حلا لاربح فيه الا ان قدوم رجل معروف سيكون اقل ضررا من خسارة كل شيء. اما التكتلات المدنية والاحزاب المؤمنة بدولة المؤسسات فتدرك “مأساوية” تلك “الالتفافة” الانقلابية ان حصلت وانعكاساتها الخطرة على مستقبل الديمقراطية في البلد ولاسيما ان للعسكر سياق تعامل سبق ان خبره الجميع وسيكون التعامل مع مدني “ديكتاتوري او متفرد” كما هي النظرة حاليا تجاه رئيس الحكومة نوري المالكي ، “ارحم” واسهل بكثير من التعامل مع عسكري “معجون” بلغة الاوامر التي قد تعطل الحياة الدمقراطية والدستور والبرلمان ويرسم وفقا لمزاجه كما فعل السيسي خارطة طريق قد تمتد تحت يافطة “حماية الديمقراطية” او”انقاذ العراق” لكن الحكم في هذا السيناريو يعود الى الشعب العراقي وشرائحه المتنوعة الذي من المؤكد انه قد يقبل بـ”السخونة” ليتخلص من الموت لكن سيكون ذلك خيار المضـــــــطر الذي لايدرك في اللحظة عواقب ماستؤل اليه الامور .

من المهم التذكير ان جميع ما تحدثنا عنه هي مجرد “سيناريو” او”افكار” وربما” خرافة” قد تتحقق واقعا او لن يكون لها اثر لكن اليقين بالامر ان للعسكر لغة ان حانت فرصتهم لايفهمها سوى العسكر وكلمة السر فيها “البيان رقم واحد”.