سيرة ذاتية لجدار الصمت.. رباعية ألم الذكرى وجلد الذات وجحيم الخيانة
طارق الكناني
ما أن بدأت بقراءتها لم انتبه وقد مضى الوقت سريعا وأنا في الصفحة (107) كنت قد تقمصت دور المشاهد في تلك السميائية التي جسدتها دينا سليم في روايتها جدار الصمت فقد كنت أقرأ السيرة الذاتية للروائية مها وهي تدوّن أوراقها بالمقلوب وتراجع كل صفحة منها على مسامعنا .
لا يمكن عد انجاز رواية جدار الصمت للروائية الفلسطينية المبدعة دينا سليم في هذه الفترة القياسية بالأمر الهين وإنما هو انجاز اقل ما يقال عنه أعجازي وذلك لتعذر الوصول الى ذاكرة الحدث وشخصياته لأنه ليس نصا سرديا خاليا افتراضيا وليس نصا ثقافيا يسرد أحداثا ووقائع ما جرى لها ولأبنها (باسم ) في فلسطين ومن ثم (استراليا )وإنما هو بناء تكويني وتركيبي معقد ومتعدد المستويات والطبقات فهي اقتحمت مكانا صعبا في الذاكرة التي غالبا مايراد نسيانها واستحضرت كل مستلزمات النص السردي فكونت (ثيمة )الرواية التي قامت على عدة مرتكزات (مرض الابن)(خيانة الزوج)(خذلان العشيرة)(الرحيل إلى الوطن الجديد) كما تطلق عليه الروائية نفسها ومن ثم (تمرد هذا الابن ورحيله).
نهوض منفرد
نهضت الكاتبة بالمهمة منفردة حرصا منها على ان تكون حاضرة في الحدث الآني فهو حدث إنساني شمولي وليس حدثا شخصيا فقط ، ولكي تكون صادقةً مع نفسها ذهبت بعيدا بذاكرتها التي التقطت أدق التفاصيل ودونت كل إرهاصات تلك المراحل فمعايشة المرض من خلال طفلها الذكر الوحيد بالعائلة جعلت من نفسها مرتكزا لذاتها أولاً ولابنها المريض ثانيا نأياً عن كل ما يمكن أن يقدمه زوج خائن ليس لها فحسب بل حتى لقضية أسرته الممتحنة بمرض أحد أعضائها .
لقد كانت ثيمة الرواية إيحائية بشكل كبير وتجاوزت حد السيرة الذاتية فهي توحي لمن يقرأها دون معرفة السيرة الذاتية للروائية بأنها تحكي قصة شعب كامل وليس أسرة فهي كانت الوطن لتلك الأسرة التي باعها رَّب الأسرة وأهمل طفله المريض دون اكتراث وهي بالطبع تعكس صراع امةٌ وليس أمهِ فقط مع هذا المرض الخبيث الذي استوطن في جسم هذا الابن والشقيق لعدة أخوات.
وإذا أردنا نتجاوز الشاهد والإهداء الى المفتاح الاستهلالي لهذه الرواية السردية وهو بعنوان ” جدار الصمت” كعتبة أساسية ضمت مجموعة من العتبات الفرعية التي تؤشر الى حالة مشهد في النص السردي ففي المفتاح الاستهلالي الذي اعتذرت فيه الروائية عن استقبال التهنئة بمولدها الخاص وطالبت الجميع بعدم إرسال التهاني على الاميل حيث قالت مانصه ((أحتفل هذه السنة بيوم مولدي الذي يصادف غدا ،أرجو عدم نشر أو إرسال التهاني هنا إلى أميلي الخاص….فعندما ولدت في الثامن والعشرين من نيسان ذاب الحصى في الوديان وغرقت أشجار الكرمة ، ماتت حيوات وبدأت حيوات، سأنتظر حتى العيد القادم لكي أصلح ذنوب ما اقترفته لحظات مولدي فربما تعود فتنتشي بذرة الأمل مجددا)) فهنا توجد إشارة واضحة لانتهاء حياة وليدها الذي رافق المرض سنوات طوال فاليوم قد توقف كل شيء وصار لزاما عليها ان تفي بما وعدته من كتابة كل ما يتعلق به مؤطراً برواية كانت قد وضعت لها بداياتها وأن عليها البدء من جديد في ترتيب أوراقها وحياتها فاليوم وعند رحيل باسم انقضى شطر كبير من حياتها ذاقت خلاله شتى أنواع العذابات فهي كانت تتماهى مع هذا الابن الذي لم تستطع ان تفارقه بالرغم من جفائه لها في أيامه الأخيرة وبروز حالات وأعراض مرضية منها ذهنية جعلته يعتزل الناس بما فيها تلك الإنسانة التي كرست حياتها وتنازلت عن الكثير لأجله.
فجدار الصمت كان يختزن بين طياته صرخات كبيرة من الرفض وعدم الخنوع للظلم ومحاربة المرض .فشخصية باسم بالرغم من مرضه كان متمردا على الكثير من الواقع المأساوي الذي يعيشه ونظرات الشفقة التي يحظى بها من أقرانه وأقربائه .
الشعور بالغربة وانت بين اهلك وقومك ووطنك هو من أشد أنواع الغربة فعملية اجترار نوازع البقاء والتمسك بالأرض يصبح لا معنى له مع هذه الإخفاقات الاجتماعية والخيبات النفسية، حيث أصبح هاجسه كيف ينقذ أمه من براثن هذا الزوج الذي يمثل عليه دور الأب وليس العكس في حين كانت تجاهد للإبقاء عليه ضمن قائمة الأحياء فكلٌّ كان له مشروعه الإنساني تجاه الآخر ،غالبا ماكان يردد (باسم) (تغيظني هذه المرأة) فهو كان يعرف مكامن الضعف ومكامن القوة وحالة الغيظ التي تتأتى نتيجة لما يعتبره هو سذاجة أو حالات ضعف تعتري أمه بسبب حبها لأبيه ففي هذا الجزء من الرواية كانت خلاصة الفلسفة التي يؤمن بها باسم (الوطن عندما تجد المرأة من يحميها من أنياب الآخرين الوطن حضن وأمان ومستقبل مضمون الوطن أن نحيا اللحظة بوضوح الوطن هو عدم شعورنا بالغربة الوطن ليس سوطا ولا كرباجا يجلدنا حتى عمق أرواحنا وقلوبنا ونحن ساكتون الوطن لا ينحسر برجل واحد لايعرف سوى التَّسّيد).
مابين السطور))
لقد لامست دينا سليم في روايتها جدار الصمت الكثير من جراحاتنا وتناولت مرحلة مفصلية من حياة هذه الأمة فهي سلطت الضوء على حدث لم نكن نعلم عنه الكثير ولا أعرف ان كان بقصد أو دون قصد ولكن هناك حربا حدثت في هذه الإرجاء كان من نتائجها ما نحن فيه اليوم من تهجير وحروب طائفية وقتل على الهوية ،فحرب الخليج التي لم نكن نعرف حقيقة صداها وتأثيرها على الشارع الإسرائيلي بالرغم من إني كنت أشاهد وقوع الصواريخ في تل أبيب عبر الفضائيات ولكن لم أكن اعرف هواجس الشارع الإسرائيلي كما نقلته دينا سليم في روايتها (جدار الصمت). ففي الوطن الأصلي كان عدم الشعور بالاستقرار ليس فقط بسبب الزوج الخائن بل هناك حالة عدم الاستقرار وأزيز الطائرات التي كانت تجوب سماء البلد لتحقيق الأمن والاستقرار ،فعند مغادرتهم الى استراليا أصبح الوضع النفسي أكثر هدوءاً واستقراراً
(جدار الصمت)
أن النص أو العمل الأدبي الذي قدمته دينا سليم يتكون من غرض أساسي بارز وأشركت معه عدة نصوص . وهي بمثابة أفكار أو ثيمات أو موضوعات. أي يتضمن النص مجموعة من الثيمات الدلالية التي تتحكم في متوالية أو بعض المقاطع السردية .
ومن خلال السيرورة الفنية للعمل الأدبي (جدار الصمت) تتمازج الجمل المفردة فيما بينها، حسب معانيها، محققة بذلك بناء محددا، تتواجد فيه متحدة بواسطة الفكرة أو الغرض المشترك. إن دلالات العناصر المفردة للعمل تشكل وحدة الغرض (الذي تتحدث عنه الروائية دينا سليم).وإنه من الممكن أن نتحدث سواء عن الغرض العام للعمل، أو عن أغراض أجزائه. فالغرض العام ومن العتبة الأولى للنص وهو العنوان قد كتب في لغة لها معنى ويتوفر على غرض.
ويتميز العمل الأدبي بوحدة، لأنه قد بنيَّ انطلاقا من غرض وحيد، يتكشف خلال العمل كله.
نتيجة لذلك، تنتظم السيرورة الأدبية حول لحظتين هامتين: اختيار الغرض وصياغته .”
أضف إلى ذلك، أن الكاتبة اختارت غرضا مهما ليراعي أفق المتلقي. ويعني هذا أن صورة المتلقي حاضرة في ذهن الكاتبة، ولو كانت مجردة ومفترضة. بمعنى أن الكاتبة قد كتبت للقارئ، وهكذا ينبغي احترامه.لذا، فهي قدمت له أحسن ما لديها، فهي قد اختارت المواضيع الإنسانية الخالدة والمتميزة، مثل: الحب والكراهية، والحياة والموت، والسعادة والشقاء، والخير والشر، والفضيلة والرذيلة…وابتعدت قدر الإمكان، عن المواضيع الواقعية الراهنة، أو المشاكل اليومية والاجتماعية المؤرقة للإنسان ، أو قضايا المرحلة )الثورات)، أو تناول مواضيع إيديولوجية التي تموت بانتهاء القضية والمرحلة الثورية.. شكل راهن
يقول توماشفسكي:( إن الوضع اليومي هو الشكل الأولي للراهن.غير أن أعمال الراهن لا تبقى عند زوال الاهتمام الوقتي الذي ابتعثها. ولذلك، فأهمية هذه الأغراض تتضاءل نظرا لأنها تتلاءم وتنوع الاهتمامات اليومية للمستمعين.خلافا لذلك، فكلما كان الغرض مهما وذا أهمية باقية ، كلما تم ضمان حيوية العمل.) ويستمر توماشفسكي بقوله(باطراحنا، على هذا النحو، حدود الراهن، يمكننا أن نصل إلى الاهتمامات الكلية (مشاكل الحب والموت) التي لا تتبدل، في العمق، على امتداد التاريخ البشري.ومع ذلك، فهذه الأغراض الكلية يجب أن تثرى بمادة ملموسة.فإذا لم تكن هذه المادة متصلة بالراهن، فإن وضع تلك المشاكل يغدو إجراء لا جدوى منه).
لا يكفي اختيار غرض مهم، بل يجب تدعيم تلك الأهمية بإثارة المتلقي واستفزازه وشد انتباهه، فالأهمية تجذب، والانتباه يستبقي. ومن هنا قد أضافت دينا سليم العنصر الانفعالي الذي ساهم مساهمة واسعة في لفت الانتباه. فإثارة انفعال معين هو من أفضل السبل لجذب الانتباه.
ومن هنا، لا تتمثل راهنية العمل الأدبي في الحديث عن مشاكل الحياة المعاصرة بكل تناقضاتها الجدلية ، سواء أكانت سياسية أم اجتماعية أم اقتصادية أم تاريخية أم نفسية أم دينية أم حضارية ، أو التعبير عن مواضيع الساعة – مثلا- ، فهذا يسمى بوهم الحداثة أو وهم الزمنية (عند أدونيس )، بل ينبغي أن يتناول العمل مواضيع مهمة وخالدة وثابتة، مثل: المواضيع الإنسانية المجردة ، كالحب، والفضيلة ، والخير ، والموت، والسعادة، والتضحية، والوفاء…ويحوي قيما انفعالية تثير إعجاب المتلقي وتقييمه.وهنا أتمكن من القول بأن دينا سليم قد تناولت هذه المواضيع الإنسانية بحرفية عالية تشد القارئ منذ اللحظة الأولى .

















