سيرة أحمد الشيباني: مواجهات في حقبة العبث والجنون

مروان ياسين الدليمي

ارتقى “أحمد الشيباني” في طروحاته الفكرية إلى الحد الذي واجه بعقلية الفيلسوف معارك ثقافية في الصحافة السعودية، مما أثارت جدلا كبيرا بين أوساط الأدباء والمثقفين، منها :معركة حول الشاعر “المتنبي” مع الأديب اليمني أحمد الشامي،ومعركة عن “البنيوية ” بينه وبين عبدالله الغذامي وآخرين ، ومعركة محورها الفيلسوف الألماني “هيغل ” مع تركي الحمد ، في مقدمة الكتاب الموسوم “أحمد الشيباني أو ذيبان الشمري..سيرته..فلسفته..معاركه” الصادر في آب(أغسطس) 2024عن دار جداول للنشر والترجمة والتوزيع في بيروت،للمؤلف محمد بن عبد الله السيف، يعترف المؤلف بأنه لم يسمع بالشيباني إلاّ مع اجتياح الجيش العراقي لدولة الكويت، فاسترعى اهتمامه مقالاته المتتالية عن صدام حسين عبر مقالات كان ينشرها في صحيفة “الرياض” مؤكدا على أنها كانت مقالات عسيرة الهضم ثقيلة المحتوى ،لكنها كانت من أوفى وأشمل المقالات التي تناولت صدام حسين ; فكره ، شخصيته ، نفسيته ، تاريخه في حزب البعث . بعدها قرأ كتابا يضم مقالات رد بها الأديب اليمني أحمد الشامي على أحمد الشيباني ذيبان الشمري (الاسم الذي استخدمه الشيباني في ردوده على أحمد الشامي) في ما عرف “بمعركة المتنبي”.

بعد العام 2000 تمكن من جمع تفاصيل كثيرة عن الشيباني والمعارك التي خاضها في الصحافة السعودية، ومضت السنوات إلى أن جاء الوقت الذي وجد فيه محمد السيف أن الوقت قد حان لجمع مؤلفات الشيباني ومقالاته في الفكر والسياسة والفلسفة والأدب،فكان هذا الإصدار .

سيرة حياة

يتتبع الفصل الأول مسار حياته، فالشيباني ينتمي إلى أسرة استقرت منذ زمن بعيد في مدينة بعلبك قادمة من شمال الجزيرة العربية،تعود أصولها إلى قبيلة شمر،وكان والده رحَّالا إسما وفعلا ،عاش متنقلا بين المدن اللبنانية والسورية. ابنه أحمد ولد عام 1923 ودرس القرآن في بعلبك ، ثم درس الألمانية في لبنان ، ثم اعتمد على نفسه عن طريق القراءة الخاصة لثلاثة مواضيع يذكرها في الحوارات التي أجريت معه : الفلسفة والتاريخ واللغة العربية .
يذكر المؤلف في بحثه عن سيرته بأن “الشيباني بعد أن درس اللغة الألمانية مع أختيه في مدرسة شنلر الألمانية الداخلية في القدس، إنتقل إلى المانيا للدراسة هناك لمدة ليست بالطويلة،ثم عاد إلى لبنان ليتخذه الشيخ فواز الشعلان سكرتيرا خاصا له، فرافقه إلى بعض الدول الأوربية مما أكسبه معرفة واطلاعا على الحضارة الأوربية.
وبعد استقلال سوريا اتخذ دمشق سكنا ومستقرا له وانخرط في الحزب التعاوني الاشتراكي الذي أسسه فيصل العسلي عام 1940 وكان موجِّها عقائديا وفكريا للحزب حسب ما جاء في مذكرات أكرم الحوراني،لكنه بعد انقلاب حسني الزعيم، ونتيجة لملابسات الحالة السياسية التي نتجت عن ذلك ، هرب مع آخرين إلى شرق الأردن ولم يعد إلى إلاَّ بعد نجاح انقلاب سامي الحناوي على حسني الزعيم في 14 آب (أغسطس ) 1949 .

مرحلة بيروت

كان استقراره في بيروت مطلع ستينات القرن الماضي ،محطة مهمة في طريق غربته الطويل،وبيروت كانت في حينه تعيش أزهى أيامها ; ثقافة وآدابا وصحافة ونشرا ،فمضى فيها خمس عشرة سنة كانت عنوانا للتألق الفكري والفلسفي ، فنشط على مستوى التأليف والترجمة،حتى غدا فيها رمزا ثقافيا عربيا،وفيلسوفا ومترجما رفيعا ، خاصة بعد أن فاجأ الوسط الثقافي بترجمته لكتاب “نقد العقل المجرد ” لعمانوئيل كانط . وجاءت ترجمته من اللغة الألمانية مباشرة إلى اللغة العربية، وهي أول ترجمة لقراء اللغة العربية،مما شكل فتحا وسبقا وإضافة مميزة في سياق ترجمة النفائس الغربية إلى العربية، فارتقى المشهد الثقافي العربي،باعباره فيلسوفا ومترجما رفيعا .

أما عن انخراطه في العمل السياسي والحزبي،فالكتاب يرصد تحوله من الماركسية إلى الفكر القومي العربي، ثم الاستقرار في واحة الفكر المحافظ،منتميا في نهجه السياسي عند خط دول الاعتدال التي تقودها المملكة العربية السعودية وحلفائها في مواجهة دول عربية ذات نهج ثوري،وقد أطلق الشيباني على تلك الفترة من عمر المنطقة العربية التي تبدأ من ستينات القرن الماضي تسميته الشهيرة “حقبة العبث والجنون ” وجاء هذا التوصيف في كتابه الذي أصدره حول تلك المرحلة والذي حمل عنوان”الأخلاقية الثوروية والأخلاقية العربية “وبطبيعة الحال لم يسلم من وصمة” الرجعية ” التي طالته من أقلام ذات نبرة ثوروية ،بعد أن تحول إلى ناحية اليمين السياسي والفكري .

العودة إلى الجذور- إلى جدة

مع اندلاع الحرب الطائفية في لبنان عام 1975 إتجه إلى مصر، لكنه لم يطل المقام فيها ،خاصة بعد أن زار الرئيس السادات إسرائيل، فغادرها متجها إلى مدينة جدة حيث جذور أجداده في المملكة، ولتكون مستقره الأخير، لكنه لم يتوقف عن التفاعل مع المشهد الثقافي، بل عاود نشاطه الفكري بشكل أكبر مثلما كان عليه حاله في بيروت ،فشهدت عليه منابر جدة الثقافية لفترة خمسة عشر عاما، ليتألق في ميادين التأليف والترجمة والكتابة في الصحف، كما نجحت جهوده في استعادة جنسيته السعودية. وفي جدة أخذ يكتب في البداية تحت إسم مستعار هو” ذيبان الشمري” ومما يحسب له أنه دشن عهدا جديدا في الكتابة الصحافية،وذلك بدخوله معارك فكرية لفتت إليه انتباه المثقفين العرب والسعوديين الذين باتوا يسألون عن هذا الكاتب المثقف العميق والغزير الإنتاج في متابعته للشأن السياسي الإقليمي والدولي، وتميزت تحليلاته بالعمق وهو يتناول أوضاع الاتحاد السوفياتي وتحولاته التاريخية، وما يخص لبنان، وثورة الخميني، ونظام صدام وسياساته وطبيعة أفكاره وتوجهاته وشخصيته .

تمثل سيرة الشيباني رحلة طويلة،كان قد خاضها فيلسوف ومثقف فاعل في الحركة الثقافية السعودية ،تمكن من أن يحتل مكانة لها قيمتها وشأنها، ربما هناك أجيال عربية لم تسمع به ولم تقرأ له ولم تتعرف على إرثه الفكري في التأليف والترجمة،وما صاحب شخصيته من تحولات فكرية وسياسية، كان قد انتقل فيها من الاشتراكية الماركسية إلى القومية العربية الثورية ، ولم يكتف بذلك بل ساهم في التنظير لها فكرا وممارسة، فعمل على تخطيط وإرساء دعائم أيدولوجية قومية عربية من خلال مؤلفاته التي ألفها بعد عام 1954 .
في بداية استقراره في المملكة العربية السعودية بدأ الكتابة في صحيفة المدينة ، فأفردت له صفحات مطولات للكتابة السياسية،وأخذت تنشر له تعليقات سياسية على صدر صفحتها الأولى، ثم انتقل للكتابة في الصحافة الثقافية بزاوية عنوانها ” رحلة الأيام ” متناولا فيها مواضيع ثقافية وفلسفية وأدبية .

فيلسوف الأدب

ضم الفصل الثاني من كتاب” دار جداول” عن هذه الشخصية المثيرة للجدل،مختارات من مقالاته التي سبق أن نشرها في أوقات متفرقة ،متناولا فيها موضوعات في الفلسفة والأدب، والتي تنبىء عن فكره وأدبه وفلسفته، من عناوينها على سبيل المثال:”ديستويفسكي وتولستوي بين الأصالة الروسية والتشكل الروسي ” ، “هاينريش كلايست الشاعر والمسرحي المتأرجح بين اليأس والجنون ” ،” شللر ندٌ لشكسبير في المسرحية التاريخية ” ، “غوتفريد بِن وإشهار إفلاس الحضارة المادية ” ، “الرومانسية العدمية وأغاني أم كلثوم ” .

رحلة الأيام

الفصل الثالث من الكتاب جاء بعنوان “رحلة الأيام ” وفيه نتعرف على سعة الموضوعات التي كانت منشغلا فيها في الصحافة والتي تتوزع ما بين السياسة والأدب والفن،بما يعكس مدى تفاعله مع الحراك الثقافي، ومن عناوين المقالات في هذا الفصل “دافنشي والموناليزا أو صراحة الفن في الحب ” رصد من خلالها السمات التي كانت تميز دافنشي عن مايكل انجلو من حيث النتاج الفني ،عبر رؤية نقدية فاحصة لتجربتيهما. وهناك مقالات أخرى في هذا الفصل منها “اخناتون ونفرتيتي أو اسطورة آمون وآمون”، “جورج صاند وشوبان أو الحب العذري “، “بيتهوفن ” ، “تشرشل وموسليني وأندروبوف ” ، “جيهان السادات – لورنس “، “بين حدس البادية وعقل الحاضرة ” ، “روما العقيم بروحها والعاقر بسلطانها “.

يتجول الشيباني في مقالاته بين الأزمنة معبِّرا عن وجهة نظره ،كما في المقال الذي تحت عنوان”روما العقيم بروحها والعاقر بسلطانها ” ومما جاء فيه : ” لم ترث روما حضارة أثينا لتعيد إليها الحياة،أو على الأقل للحفاظ على روائعها في الفلسفة والأدب والفن بل كانت بمنزلة الوارث المتلاف الذي يعرف سعر كل شيء،ويجهل قيمة أي شيء، فالرومان لم يكونوا يختلفون كثيرا عن الأميركيين اليوم، الذين يقفون أمام بيانو بيتهوفن أو لوحة لرمبرانت ، ويبدون استعدادهم لشراء أي منهما بأي ثمن انسجاما منهم ورغبة في اقتناء ما هو ثمين السعر،لا انسياقا وراء الفهم الفني أو التقدير الحضاري ” .

معركة المتنبي

أما الفصل الرابع من الكتاب فقد احتوى تجاذبات المعركة الحوارية التي دارت بين الشيباني والأديب اليمني أحمد الشامي حول المتنبي،والتي جاءت بعد أن نشر الشيباني مقالا بعنوان”تجاذب الضدين أو تحاور النقيضين ” عن كتاب الشيخ عبد العزيز بن عبد المحسن التويجري الموسوم “في أثر المتنبي بين اليمامة والدهناء ” مما حدا بالشامي في مذكراته التي نشرها في ملحق الأربعاء أن يرد على مقالة الشيباني، ورغم ما بدا من اختلاف كبير في وجهة نظريهما حول المتنبي، إلاّ أن الشيباني ينوه إلى أن أسلوب الشامي في الحوار كان عفيفا نظيفا وملتزما كل الألتزام بأدب الحوار وقواعده ويضيف مخاطبا إياه: ” أما قلمك فسيّال ، ونقاطك ليست بالنقاط التافهة ، كالنقاط التي دار حولها منذ قرابة نصف قرن، ذلك النقاش بين الأستاذ محمود محمد شاكر وبين الأستاذ سعيد الأفغاني ولاسيما حول أصل المتنبي عمومة وخؤولة،وكل ذلك جعلني أستطيب محاورتك ” .

معركة البنيوية

نطالع في الفصل الخامس ” معركة البنيوية مع عبد الله الغذامي وآخرين ” وقد كان الحوار على درجة من العمق والتشعب في محاوره كما يبدو ذلك من المقالات التي تضمنها هذا الفصل ،فيقول الشيباني في مفتتح حواراته مع الغذامي :” لاأعتقد بأن ما سيدور بيني وبين الدكتور الصديق عبد الله الغذامي حول البنيوية سيكون حوارا أو مناظرة، أو حتى مباحثة، بل سيكون تعاونا على إبراز حقيقة البنيوية فلسفة ومنهجا ”
من الواضح أن الشيباني بعد أن عاف الفكر الماركسي ومن ثم القومي أصبحت له وجهة نظر إزاء مخرجات الفكر الغربي مثل البنيوية،إذ يرى فيها ” سواء كانت نهجا أم مذهبا أم فلسفة أنها تطعن الإنسان في صميم كرامته وتجرده من أحساسيسه وعواطفه وعقله، وتطمس ذاتيته وتنكر عليه وعيه لهويته واستمراريته وصورته، وتنفي حريته وتجعل منه، كما يقول البنيويون فقط عقدة علاقات لنقطة تقاطع خطوط القوة، وليس المقرِّر والمبدع معا، وترفض التاريخ فقط لكون الانسان صانعه شكلا وموضوعا، وتنحدر بالإنسان إلى مرتبة الآلة ” .ثم يستشهد بكلمة تعود إلى ليفي شتراوس يقول فيها ” لقد بدأ العالم بدون الإنسان وسينتهي بدونه، وأن الإنسان لهو أشبه ما يكون بآلة أكمل صنعا من غيرها من الآلات ! ” .

معركة هيغل

يدخلنا الفصل السادس من الكتاب إلى صفحة أخرى من معارك الحوارات التي خاضها الشيباني مع تركي الحمد حول فلسفة هيغل، والتي دخل فيها الإثنان في محاور مختلفة تناولا فيها “هيغل وفلسفة التاريخ “، وقبلها استعرض الشيباني بجزأين “لمحات من فلسفة هيغل في التاريخ “، ثم “هيغل ومعقولية دولته وأخلاقيته “، و”جدل هيغل والعلمية الحديثة “، و”هيغل وكرامة الانسان” ، و”ملاحظات ختامية حول هيغل” .

والشيباني في قراءته لهيغل في المقال الذي جاء تحت عنوان ” لمحات إلى فلسفة هيغل في التاريخ ج1 ” يستشهد بأقوال العديد من الفلاسفة التي يصفون فيها مكانة هيغل العالية في الفلسفة، لينتهي بما قاله جون فندلي حول العنت الفكري الذي يلقاه قارىء هيغل قائلا :” إن قراءة هيغل لهي في الغالب معاناة لضرب من العذاب العقلي،ولكن عظمة هيغل إنما تتمثل في أن المرء قلما يشعر بأن مثل هذا العذاب كان عديم الجدوى ” .

الشيباني ولورنس العرب

ختام الكتاب يكون بالفصل السابع ،بما تضمنه من مقالات مختلفة ومتنوعة في موضوعاتها،وهي تعبير واضح عن مسؤولية الشيباني كمثقف تجاه مجتمعه،وتجاه الحراك الثقافي في منطقته،ويستشف ذلك من خلال العناوين مثال على ذلك” لورنس بين الانتماء واللاانتماء “حيث يناقش في هذا المقال شخصية توماس إدوارد لورنس ( المعروف بلورنس العرب ) ويرى بأن كولن ولسن قد أخطأ في كتابه ” اللامنتمي ” حينما جزم بأن لورنس كان لامنتميا ،ومن وجهة نظر الشيباني أن “لورانس لايندرج البتة تحت ذلك التصنيف وأن الخط الفاصل بين ضحية عقدة الذنب كما هو لورنس وبين اللامنتمي خط دقيق غاية الدقة، فاللانتماء يفرض بالضرورة اللامبالاة بالعالم ، وبكل أشيائه” . .

أما بقية العناوين الأخرى في هذا الفصل فهي تندرج في إطار محاولات الشيباني أن يكون له رأيه في القضايا التي يطرحها عصره والمرتبطة بالواقع العربي،وجاءت عناوينها كالآتي:”نظرات في الفن والفلسفة والإنسان ” ، ” في نقد كارل ماركس ” ، “أزمة المثقف العربي ” ، “بين حقائق هيكل وأكاذيبه ” وجاءت بثلاثة أجزاء ، ” المثقف العربي وموت حضارة ” ، “عروبة..ومثقفون..وحداثة ” ، “غوتيه شاعر الألمانية الأكبر والإسلام ” .

في نهاية الكتاب أضاف المؤلف ملحقا،احتوى على مجموعة صور لصفحات الجرائد التي سبق أن نشرت الحوارات التي دارت بين الشيباني والشامي والحَمَد والغذامي .

كتاب “أحمد الشيباني أو ذيبان الشمري “:للمؤلف محمد بن عبدالله السيف
إصدار : دار نشر جداول للنشر والترجمة والتوزيع / بيروت
الطبعة الأولى آب (أغسطس ) 2024
عدد الصفحات : 670