سياسة روسيا في الأزمة السورية

411

سياسة روسيا في الأزمة السورية
سيرغي لافروف
ترجمة بشار عبدالله
خلال السنة أو السنة ونصف الماضية. تصدرت الأحداث الجارية في شمال أفريقيا والشرق الأوسط الأجندة السياسية الدولية. وكثيرا ما يشار إلى تلك الأحداث على أنها الحلقة الأبرز في الحياة الدولية خلال القرن الواحد والعشرين الجديد. وقد تحدث خبراء طويلا عن هشاشة الأنظمة الاستبدادية في الدول العربية وعن الهزات الاجتماعية والسياسية المحتملة فيها.
على أية حال. كان من الصعب التنبؤ بحجم ووتيرة موجة التغيير التي من شأنها اجتياح المنطقة. كما كان صعبا التنبؤ بحجم ووتيرة مظاهر الأزمة في الاقتصاد العالمي. وهذه الأحداث مجتمعة قد أثبتت بوضوح أن العملية التي أدت إلى نشوء نظام دولي جديد قد دخلت الآن في منطقة مضطربة.
كلما ظهرت حركات اجتماعية واسعة النطاق في بلدان المنطقة. غدت السياسة التي يتعين على الجهات الخارجية وعلى المجتمع الدولي بأسره اتباعها أكثر إلحاحا. ولقد قال ان مناقشات هذه المسألة والإجراءات العملية اللاحقة التي اعتمدتها الدول والمنظمات الدولية رسمت نهجين رئيسيين إما مساعدة الشعوب العربية في تحديد مستقبلهم بأنفسهم. أو محاولة بلورة واقع سياسي جديد على ذائقة من يقوم بالمحاولة مستفيدا في الوقت نفسه من تليين هياكل الدولة التي كانت تتصف لوقت طويل بالصرامة الحادة. إن الوضع ما يزال يتطور بسرعة. وهو ما يجعل من المهم لأولئك الذين لديهم الرأي الأقوى فيما يخص قضايا المنطقة تعزيز جهودهم في النهاية بدلا من الاستمرار بالتشعب في اتجاهات مختلفة مثل تشعب الشخصيات في أي حكاية من حكايات الكاتب إيفان كريلوف.
دعوني هنا ألخص النقاط التي ذكرتها مرارا وتكرارا فيما يتعلق تطور الأوضاع في الشرق الأوسط. بادئ ذي بدء. إن روسيا. تشارك غالبية البلدان في العالم. في التشجع على تطلعات الشعوب العربية من أجل تحسين الحياة وتحقيق الديمقراطية والازدهار. وهي تقف على أهبة الاستعداد لدعم هذه الجهود. وهذا ما يجعلنا نرحب بمبادرة شراكة دوفيل في قمة مجموعة الثمانية في فرنسا. إننا نعارض بشدة استخدام العنف في سياق التحولات الجارية في الدول العربية. ولا سيما ضد المدنيين. فنحن ندرك جيدا حقيقة أن التحول الذي يمر به أي مجتمع هو عملية معقدة وتتطلب وقتا طويلا ومن النادر أن تسير مثل هذه العملية سيرا سلساً.
وربما تعرف روسيا بالتكلفة الحقيقية للثورات أكثر مما تعرفه معظم البلدان الأخرى. ونحن ندرك تماما أن التغيرات الثورية غالبا ما تقترن بانتكاسات اجتماعية واقتصادية. فضلا عن الخسائر في الأرواح وما ينم عنها من معاناة. وهذا هو بالضبط السبب الذي يجعلنا ندعم اي طريقة تطورية وسلمية في تقنين التغييرات التي طال انتظارها في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
وهنا السؤال الذي لا بد منه هو كيف يمكن معالجة نقطة هامة. عندما يكون حتميا أمر وقوع مواجهة بين السلطات والمعارضة التي تتبنى شكلا من أشكال المواجهة العنيفة المسلحة. والجواب يبدو واضحا إن على اللاعبين الخارجيين الفاعلين بذل قصارى جهدهم لوقف اراقة الدماء ودعم حل وسط تشارك فيها أطراف النزاع كافة. عندما قررنا دعم قرار مجلس الأمن رقم 1970. ولم نعترض على القرار 1973 بشأن ليبيا. كنا نعتقد أن من شأن هذه القرارات أن تساعد على الحد من الاستخدام المفرط للقوة. وتمهد الطريق لتسوية سياسية. وللأسف. أدت الإجراءات التي اتخذها حلف شمال الاطلسي بموجب هذه القرارات إلى انتهاك خطير وتقديم دعم لأحد الطرفين في الحرب الأهلية. بهدف اسقاط النظام القائم. وهو فعل دمّر عملية التخويل الصادر من مجلس الأمن.
ليس من الضروري أن يقال للضليعين في السياسة ان الشيطان يكمن في التفاصيل. ولا أن يُلقنوا بأن الحلول التي تفرض استخدام القوة لا يمكن ان تنتج تسوية تدوم على المدى الطويل. وفي ظل الظروف الراهنة. عندما تتضاعف تعقيدات العلاقات الدولية. يصبح من الواضح أن لن يحظى استخدام القوة لتسوية النزاعات بأي فرصة نجاح. والأمثلة على ذلك وفيرة. وهي تشمل الوضع المعقد في العراق والأزمة في أفغانستان. التي هي أبعد من أن تنتهي. وهناك مؤشرات كثيرة على أن الأمور لا تزال بعيدة جدا عن الاستقرار في ليبيا بعد الاطاحة بالرئيس معمر القذافي. لقد ادى غياب الاستقرار الى توسع رقعته ليصل الى الصحراء ومنطقة الساحل. وتفاقمت الأوضاع كثيرا في مالي.
والمثال الآخر على ذلك هو مصر. التي ما تزال بعيدة عن شاطئ الأمان حتى وإن لم يصحب تغيير النظام تفشي العنف بشكل كبير. وحسني مبارك. الذي حكم البلاد لأكثر من ثلاثين عاما.غادر قصر الرئاسة طواعية بعد فترة وجيزة من بدء الاحتجاجات العامة. ونحن هنا لا يمكننا إلا أن نشعر بالقلق. من بين أمور عدة أخرى. ازاء تقارير عن اشتباكات متزايدة منطلقة من أسس دينية واعتداء على حقوق الأقلية المسيحية.
الوضوح التام والدقة
من هنا. لدينا أسباب أكثر من كافية لاتخاذ نهج أكثر توازنا تجاه الأزمة السورية التي تمثل الوضع الأكثر حدة في المنطقة اليوم. فمن الواضح أنه بعد ما حدث في ليبيا كان من المستحيل أن نوافق مجلس الأمن الدولي على اتخاذ قرارات من شأنها أن لا تكون واضحة بشكل كاف. وتسمح للمسؤولين عن تنفيذها بالتصرف بناء على تقديراتهم الخاصة. لذلك يجب أن يتصف أي تخويل صادر من المجتمع الدولي بأسره بالوضوح التام والدقة من أجل تجنب الغموض. ولذلك فمن المهم أن نفهم حقيقة ما يحدث في سوريا وكيفية مساعدة هذا البلد على تخطي ازمته بالرغم من هذه المرحلة التاريخية المؤلمة التي تمر بها.
وللأسف. ما زلنا نفتقر الى تحليل أمين وجدير بالأهلية للتطورات الحاصلة في سوريا وعواقبها المحتملة. إذ يحل في كثير من الأحيان محل مثل هذا التحليل المطلوب صور بدائية وكليشيهات دعائية بالأسود والأبيض. وقد رأينا على مدى أشهر عدة كيف كانت تقارير وسائل إعلام دولية كبرى تعيد إنتاج صورة النظام الدكتاتوري الفاسد وهو يقمع بقسوة تطلعات شعبه نحو الحرية والديمقراطية.
وعلى ما يبدو. أن واضعي تلك التقارير لم يكلفوا أنفسهم حتى عناء أن يسألوا أنفسهم كيف يمكن للحكومة أن تتمكن من البقاء في السلطة دون دعم من الرأي العام لأكثر من سنة. في ظل عقوبات واسعة النطاق يفرضها عليها شركاؤها الاقتصاديون الرئيسيون. ولماذا صوتت غالبية الشعب لصالح مشروع الدستور المقترح من السلطات؟ ولماذا. بعد كل شيء. بقي معظم الجنود السوريين موالين لقادتهم؟ وإذا كان الخوف هو التفسير الوحيد لما يحدث. فلماذا فشل التخويف في مساعدة حكام مستبدين آخرين؟
لقد بينا في أكثر من مناسبة أن روسيا ليست طرفا مدافعا عن النظام الحالي في دمشق وليس لديها أسباب سياسية أو اقتصادية أو غيرها لتصبح مدافعة عنه. نحن لم نكن يوما مجرد شريك تجاري واقتصادي رئيسي لهذا البلد. وأن للحكومة علاقات وتواصل مع عواصم بلدان أوربا الغربية.
ومثلما هو واضح لغيرنا فانه واضح لنا ايضا أن المسؤولية الرئيسية لهذه الأزمة التي تجتاح البلاد تقع على عاتق الحكومة السورية. التي فشلت في اتخاذ مسار الإصلاح في الوقت المناسب أو استخلاص استنتاجات من التغيرات العميقة التي تشهدها العلاقات الدولية. هذا كله صحيح. ولكن في الوقت نفسه. هناك حقائق أخرى أيضا. فسوريا هي دولة متعددة الطوائف فهناك بالإضافة إلى المسلمين السنة والشيعة. العلويون والطوائف المسيحية الأرثوذكسية وغيرها. والدروز. والأكراد. وقد تحققت على مدى العقود القليلة الأخيرة من الحكم العلماني لحزب البعث. ممارسة حرية الرأي في سوريا. وتخشى أقليات دينية أن تفقد هذا المفصل الهام في حال انهيار النظام القائم.
ونحن عندما نقول لا بد من أن يستمع الآخرون لهذه الهواجس ويعالجوها. نُتّهم أحيانا بأننا نتخذ مواقف ضد السنة. وبصورة عامة معادية للإسلام. ولا شيء يمكن أن يطابق الحقيقة. ففي روسيا. يعيش الناس من مختلف الطوائف. بينهم أعداد كبيرة من المسيحيين الأرثوذكس والمسلمين. بسلام لقرون مضت. ولم يسبق لبلدنا أن شن حروبا استعمارية على العالم العربي. بل على العكس من ذلك كان على الدوام داعما لاستقلال الشعوب العربية وحقها في التنمية المستقلة. كما لا تتحمل روسيا المسؤولية عن العواقب المترتبة على الحكم الاستعماري. والتي تمثلت في تغييرات في الهياكل الاجتماعية التي أسفرت عن توترات ما تزال قائمة.
إن النقطة التي أريد إيضاحها مختلفة. إذا كان بعض أفراد المجتمع يشعرون بقلق من احتمال وجود تمييز على أساس الدين أو الأصل القومي. عندها يتوجب توفير الضمانات اللازمة لهؤلاء الناس وفقا للمعايير الإنسانية الدولية المقبولة عموما.
لقد كانت وما تزال قضية احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية مشكلة كبرى بالنسبة لدول منطقة الشرق الأوسط. وهي أحد الأسباب الرئيسية لاندلاع الثورات العربية .
ومع ذلك. لم تكن سوريا تحتل مرتبة متدنية في قائمة الدول التي تعاني من تلك المشكلة. بوجود مستوى أعلى من الحريات المدنية بما لا يمكن مقارنتها مع ما يجري في بعض الدول التي تحاول الآن تقديم دروس في الديمقراطية لدمشق. في واحدة من القضايا التي طرحنها في الآونة الأخيرة. قدمت مجلة لوموند ديبلوماتيك الفرنسية تسلسلا زمنيا لانتهاكات حقوق الإنسان في دولة كبيرة في منطقة الشرق الأوسط. تضمنت. في جملة ما تضمنت. تنفيذ 76حكما بالإعدام في العام 2011 وحده. بنهم متهمون بممارسة السحر. إذا كنا نريد حقا تعزيز احترام حقوق الإنسان في الشرق الأوسط. فلا بد لنا من بيان هذا الهدف علنا. وإذا كان نعلن رغبتنا في وضع حد لسفك الدماء. الذي هو شاغلنا الرئيس. فعلينا أن نركز تحديدا على ذلك الهدف. وبعبارة أخرى. علينا الضغط من اجل وقف اطلاق النار في المقام الأول. والترويج لبدء حوار شامل للسوريين جميعا يهدف الى تفاوض السوريين أنفسهم على صيغة تسوية سلمية للأزمة.
الاطاحة الفورية
وكانت روسيا ترسل هذه الرسائل منذ الأيام الأولى من الاضطرابات في سوريا. كان من الواضح تماما بالنسبة لنا. وأعتقد. بالنسبة لكل من لديه معلومات كافية عن هذا البلد أيضا. أن الضغط من أجل الاطاحة الفورية بالرئيس بشار الاسد. خلافا لتطلعات شريحة كبيرة من المجتمع السوري التي ما تزال تعول على هذا النظام في أمنها ورفاهها. سيعني اغراق سوريا في حرب أهلية طويلة ودموية. إن على الأطراف الخارجية المسؤولة مساعدة السوريين لتجنب هذا السيناريو. وتحقيق إصلاح تطوريري بدلا من الاصلاح الثوري في المنظومة السياسية السورية من خلال حوار وطني وليس عن طريق إكراه من الخارج.
وإذا أخذنا في الاعتبار الواقع اليوم في سوريا. فإن الاعتماد على الدعم من جانب واحد للمعارضة. وخصوصا للجانب المسلح المحارب. لن يؤدي إلى سلام في ذلك البلد في وقت قريب. وسيكون ذلك متعارضا مع هدف حماية السكان المدنيين. أن ما يبدو مهيمنا اليوم في هذا الخيار هو محاولات لإحداث تغيير النظام في دمشق بوصفه عنصرا ضمن لعبة جيوسياسية أكبر في المنطقة. وهذه المخططات تستهدف بما لا يقبل شك ايران. لأن مجموعة كبيرة من الدول بما فيها الولايات المتحدة ودول حلف شمال الأطلسي وإسرائيل وتركيا وعدد من دول المنطقة هي مهتمة على ما يبدو بإضعاف مواقف هذا البلد في المنطقة.
إن احتمال توجيه ضربة عسكرية ضد ايران هو من بين المواضيع الأكثر إثارة للجدل اليوم. ولقد أكدتُ مرارا وتكرارا أن من شان خيار كهذا أن يؤدي إلى عواقب وخيمة وكارثية. وإن أي محاولة لقطع العقدة المستعصية للمشاكل التي طال أمدها هي محاولة محكومة بالفشل. ولعلنا نذكر في هذا الصدد أن الغزو العسكري الأمريكي للعراق عدّ في حينه فرصة ذهبية لتغيير الواقع السياسي والاقتصادي لـ الشرق الأوسط الكبير بطريقة سريعة وحاسمة. وبهذا تتحول المنطقة كلها إلى واقع قابل لإتباع التنمية على النمط الأوروبي .
وبعيدا عن الحالة الخاصة بايران. من الواضح أن تأجيج الصراع داخل سوريا قد يؤدي الى ظهور آثار سلبية على الوضع في الأراضي الشاسعة المحيطة بسوريا ويلحق بها أضرار كبيرة تكون لها آثار مدمرة على كلا الأمنين الإقليمي والدولي. وتشمل عوامل الخطر فقدان السيطرة على الحدود السورية الإسرائيلية. وتدهور الوضع في لبنان وبلدان أخرى في المنطقة. ووقوع الأسلحة في الأيدي الخطأ . بما في ذلك المنظمات الإرهابية. وربما أن الأخطر من كل ذلك. تفاقم حدة التوتر بين الأديان والتناقضات داخل العالم الإسلامي.
بالعودة إلى كتاب صدام الحضارات . الصادر في تسعينيات القرن الماضي أورد صموئيل هنتنغتون هذا الاتجاه من الأهمية المتزايدة للهوية القائمة على أساس الحضارة والدين في عصر العولمة. كما أوضح بشكل مقنع الانخفاض النسبي في قدرات الغرب التاريخية لنشر نفوذها. وسيكون بالتأكيد من قبيل المبالغة إذا حاولنا بناء نموذج للعلاقات الدولية الحديثة على أساس هذه الافتراضات فقط. ومع ذلك من المستحيل. اليوم. تجاهل مثل هذا الاتجاه الناتج عن مجموعة من العوامل المختلفة. بضمنها الحدود الوطنية أكثر شفافية. وثورة المعلومات التي سلطت ضوءا صارخا على غياب المساواة الاجتماعية والاقتصادية. وعلى الرغبة المتزايدة لدى الناس للحفاظ على هويتهم في مثل هذه الظروف. وتفادي الوقوع في قائمة الأنواع المهددة بالانقراض من التاريخ.
وتظهِر الثورات العربية بوضوح استعدادها للعودة الى الجذور الحضارية التي تكشف عن نفسها في دعم شعبي واسع للأحزاب والحركات التي تعمل تحت راية الإسلام. وهذا الاتجاه واضح ليس في العالم العربي فحسب. دعونا نذكر تركيا. التي وضعت نفسها بنشاط أكبر على أنها لاعب رئيسي في الفضاء الإسلامي والمنطقة المحيطة به. كما تعلن دول آسيوية. منها اليابان. عن هويتها بجرأة أكبر.
إن مثل هذا الوضع دليل آخر على استبدال بسيط إن لم يكن تبسيطيا لبناء ثنائي من فترة الحرب الباردة. الذي جرى وصفه بنماذج الشرق والغرب. الرأسمالية والاشتراكية. الشمال والجنوب. من خلال واقع جغرافي سياسي متعدد أبعاد لا يسمح بتحديد عامل مهيمن واحد. وتضع الأزمة المالية والاقتصادية العالمية خطا تحت المناقشات حول ما إذا كان بإمكان نظام واحد أن يهيمن في أي مجال أكان ذلك اقتصاديا. أو سياسيا أو أيديولوجيا.
ليس هناك شك في أن ترك ذلك الامر في إطار واسع يحدد التنمية في معظم الدول. ويتميز بحكم ديمقراطي واقتصاد سوق. فإن كل بلد سيختار بشكل مستقل نموذجه السياسي والاقتصادي مع المراعاة الواجبة لثقافتها وتقاليدها وتاريخها. ومن المرجح أن يؤدي ذلك إلى تأثير أكبر على الشؤون الدولية لعامل الهوية القائم على أساس الحضارة.
ومن حيث السياسة العملية. لا يمكن لهذه النتائج أن تشير إلا إلى شيء واحد فقط إنه محاولات فرض مجموعة القيم خاصة بطرف واحد وهي محاولات عقيمة. ولا يمكن أن تؤدي إلا إلى تفاقم خطير في التوترات القائمة بين الحضارات. ولا يعني هذا بالتأكيد أن علينا التخلي تماما عن بديهية التأثير والتأثر الايجابيين. وتعزيز الصورة الصحيحة لبلادنا في الساحة الدولية.
ومع ذلك. ينبغي أن يتم ذلك عبر تفعيل أساليب نزيهة وشفافة من شأنها أن تعزز صادرات الثقافة الوطنية والتعليم والعلوم. وفي الوقت نفسه إظهار الاحترام الكامل لقيم حضارات الشعوب الأخرى كضمان للتنوع في العالم واحترام للتعددية في الشؤون الدولية.
ويبدو واضحا أن أي آمال بتطبيق الحد القاطع لنشر المعلومات وتقانات الاتصالات. بما فيها الشبكات الاجتماعية. من أجل تغيير عقلية الشعوب الأخرى. وبالتالي خلق واقع سياسي جديد. إنما هي آمال محكومة بالفشل على المدى البعيد. إن السوق الحالية للحصول على الأفكار في توسع مستمر ومتسارع للغاية. والطرق الافتراضية لا تؤدي إلا إلى واقع افتراضي طبعا شريطة. أن لا نلجأ الى عقلية الأخ الأكبر لجورج أورويل. وسيمكننا في هذه الحالة أن نتخلى عن كامل الفكرة الديمقراطية. وليس فقط عن فكرة الديمقراطية في البلدان التي تخضع لمثل هذا التأثير. بل وفي البلدان التي تمارس هذه التأثرات أيضا.
إن تطوير نطاق عالمي من القيم والأخلاق يتحول إلى قضية سياسية كبيرة. ويمكن لمثل هذا النطاق أن يكون بمثابة الأساس للاحترام والحوار المثمر بين الحضارات تأسيسا على مصلحة مشتركة في الحد من حالة عدم الاستقرار التي ترافق إنشاء نظام دولي جديد. يهدف في النهاية إلى إنشاء نظام عالمي صلب. وكفوء و متعدد المراكز. وهنا. لا يمكننا ضمان النجاح إلا إذا استبعدنا نهج الأسود والأبيض. سواء ونحن نعالج القلق مبالغ فيه من أجل حقوق الأقليات الجنسية أو. على العكس من ذلك. ونحن نحاول رفع مستوى المفاهيم السياسية الضيقة في الروح المعنوية التي ترضي مجموعة واحدة وتشكل انتهاكا للحقوق الطبيعية لمواطنين آخرين. وبخاصة أولئك الذين ينتمون الى طوائف أخرى.

ثمة حد بعينه تبلغه الأزمات في العلاقات الدولية التي لا يمكن تجاوزها دون التسبب في ضرر للاستقرار العالمي. وهذا ما يجعل من الواجب العمل على إطفاء الحرائق الإقليمية. بضمنها النزاعات داخل الدول. ويجب تنفيذ ذلك بتعقل. ودون اعتماد ازدواجية المعايير. إن استخدام خفاش العقوبات يؤدي إلى طريق مسدود في جميع الأوقات. من هنا لا بد لجميع الاطراف المشاركة في النزاعات الداخلية أن تقتنع بان المجتمع الدولي سيعمل على تشكيل جبهة موحدة ويعمل وفقا لمبادئ صارمة من أجل وقف العنف في أسرع وقت ممكن والتوصل إلى حل مقبول للأطراف المتنازعة من خلال حوار شامل.
إن روسيا لا تسترشد إلا بمثل هذه المبادئ فيما يتعلق بالأزمات داخل الدول. وهو الأمر الذي يفسر موقفنا مما يحدث في سوريا. وهذا هو سبب تقديمنا؟ الدعم الكامل والصادق لمبعوث الأمم المتحدة » وجامعة الدول العربية كوفي عنان. بهدف إيجاد حل وسط مقبول من الطرفين في أسرع وقت ممكن. إن البيانات الرئاسية للأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن الدولي بهذا الصدد تعكس النهج الذي شجعنا عليه منذ بداية الاضطرابات في سوريا. كما انعكست هذه الأفكار أيضا في بياننا المشترك مع جامعة الدول العربية المعتمد في 10 أيار» مارس. 2012.
وإذا نجحنا في جعل هذه المناهج فاعلة في سوريا. فإنها يمكن أن تكون نموذجا يحتذى به للحصول على المساعدة الدولية لحل الأزمات في المستقبل.
حوار سياسي سوري سوري
إن جوهر المبادئ الستة لخطة مبعوث الامم المتحدة كوفي عنان هو ضمان وضع نهاية للعنف بغض النظر عن مصدره والبدء بحوار سياسي سوري سوري على أن يعالج الشواغل المشروعة وتطلعات الشعب السوري. كما يجب أن يؤدي حوار كهذا إلى تكوين سياسي جديد في سوريا من شأنه أن يضع في الاعتبار مصالح كل المكونات داخل المجتمع متعدد الطوائف.
ومن الضروري تشجيع إعداد وتنفيذ الاتفاقات الرامية الى تسوية النزاع دون انحياز. من أجل مكافأة الذين يحترمون هذه الاتفاقات وتسمية الذين يعارضون عملية السلام بوضوح. ولتحقيق ذلك. ثمة حاجة إلى آلية مراقبة محايدة. وقد تم البدء بمثل هذه الآلية وفقا لقراري مجلس الأمن الدولي 2042 و 2043. والمراقبون العسكريون الروس هم جزء من فريق المراقبة الدولي. ولكن ما يؤسف له. هو أن عملية تنفيذ خطة مبعوث الامم المتحدة كوفي عنان في سوريا يواجه صعوبة كبيرة. فقد ذهلت العالم أمام المجازر المرتكبة بحق مدنيين عزل. بضمنها المأساة التي وقعت في قرية الحولا في 25 أيار» مايو 2012. وأعمال العنف الدموية اللاحقة في المنطقة المجاورة لمدينة حماة. إن من الضروري بمكان توضيح من هي الجهة المسؤولة عن تلك المجازر. ومعاقبة الجناة. وهنا علي أن أقول بوضوح إنه لا أحد لديه الحق في اغتصاب دور القاضي. واستخدام هذه الأحداث المأساوية لتحقيق أهدافه الجيوسياسية. إن التخلي عن مثل هذه المحاولات تجعل وقف دوامة العنف في سوريا أمرا ممكنا.
أولئك الذين يقولون ان روسيا تحمي بشار الأسد هم على خطأ. وأود أن أكرر أن الشعب السوري هو نفسه من يختار النظام السياسي والقيادة السياسية لبلده. ونحن لا نسعى إلى تبرئة أخطاء عدة وحسابات خاطئة وقعت بها دمشق. بما فيها استخدامها القوة ضد المظاهرات السلمية في بداية الأزمة.
قدر تعلق الأمر بنا. لا نعتبر مسألة من هو في السلطة في سوريا مسالة أساسية. ومن المهم وضع حد لقتل المدنيين والبدء بحوار سياسي في سياق يفرض على الأطراف الخارجية جميعا احترام سيادة الدولة واستقلالها وسلامة أراضيها. فلا يمكن تبرير أي عنف. فقصف القوات الحكومية لمناطق سكنية أمر غير مقبول. ولكن لا يمكن النظر الى الأمر على أنه توفير مرتع لتنفيذ أعمال إرهابية في المدن السورية. وارتكاب جرائم قتل على أيدي مسلحين معارضين للنظام. ويشمل ذلك تنظيم القاعدة.
لقد تجلى المنطق الذي يملي الحاجة إلى كسر حلقة العنف المفرغة بدعم أحادي من أعضاء مجلس الأمن لخطة عنان. نحن مستاؤون من مطالبات وتصرفات بعض الجهات المتورطة في الوضع السوري الذين يكشفون عن دورهم في فشل جهود المبعوث الخاص. من بينها. دعوات المجلس الوطني السوري للتدخل الأجنبي. وليس واضحا حتى الآن كيف يمكن لمثل هذه المطالبات أن يساعد رعاة المجلس الوطني السوري في توحيد المعارضة السورية تحت مظلتهم. بينما نقف نحن لدمج المعارضة السورية على منصة الاستعداد للحوار السياسي مع الحكومة ليس الا وهو سعي منا يتوافق نصا وروحا مع خطة عنان.
إن روسيا تواصل عملها مع السلطات السورية كل يوم تقريبا وحثها على الامتثال الكامل لهذه النقاط الست التي اقترحها كوفي عنان وعلى التخلي بجدية عن الوهم القائل إن الأزمة السياسية الداخلية في سوريا ستنتهي مع الوقت. ونحن نعمل أيضا مع ممثلي كل تيارات المعارضة السورية تقريبا. ونحن على يقين أنه لو عمل جميع شركائنا بالتركيز نفسه دون أي دوافع خفية أو معايير مزدوجة. فإن ثمة فرصة ممكنة للتوصل إلى تسوية سلمية للوضع في سوريا. ونحن بنا حاجة إلى تسليط اكبر ضغط ممكن وتأثير على النظام والمعارضة على حد سواء وجعلهما يوقفان القتال ويلتقيان على طاولة المفاوضات. كما نعتبر ان من الاهمية الملحة بذل جهد جماعي لتحقيق هذه الغاية. و عقد مؤتمر دولي للدول المعنية مباشرة بالأزمة في سوريا. إذا وضعنا ذلك الهدف في أذهاننا. سنكون على اتصال وثيق مع كوفي عنان وغيره من الشركاء.
فقط من خلال العمل بهذه الطريقة يمكننا حماية منطقة الشرق الأوسط من الانزلاق الى هاوية الحروب والفوضى وبالتالي البقاء. كما أصبح من شائع القول. على الجانب الصحيح من التاريخ. وإننا على يقين من أن الصيغ الأخرى التي تنطوي على تدخل خارجي في سوريا؟ ابتداء من حجب قنوات تلفزيونية تزعج البعضن مرورا بزيادة ضخ إمدادات الأسلحة إلى جماعات المعارضة. وانتهاء بالضربات الجوية لن تجلب السلام لا لهذا البلد ولا للمنطقة برمتها. وهذا يعني أن هذه الصيغ لا يمكن أن يبررها التاريخ.
وزير خارجية روسيا الاتحادية
المصدر صحيفة هافينغتون بوست
/6/2012 Issue 4232 – Date 23 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4232 التاريخ 23»6»2012
AZP07