سياسة الشائعات وترهيب المواطن – مقالات – احمد ابو ماجن

سياسة الشائعات وترهيب المواطن – مقالات – احمد ابو ماجن

الإشاعة او الشائعة هي خبر أو مجموعة أخبار زائفة تنتشر في المجتمع بشكل سريع و تُتداول بين العامة ظناً منهم على صحتها . دائماً ما تكون هذه الأخبار شيقة و مثيرة لفضول المجتمع والباحثين و تفتقر هذه الإشاعات عادةً إلى المصدر الموثوق الذي يحمل أدلة على صحة الأخبار . وتمثل هذه الشائعات جُزءاً كبيراً من المعلومات التي نتعامل معها . في احصائية أن 70  بالمئة من تفاصيل المعلومة يسقط في حال تنقلنا من شخص إلى شخص حتى وصلنا الخامس أو السادس من مُتواردي المعلومة .

فأن انعدام الأخبار وقلتها ليس بكاف لترويج الشائعة ، وانما هناك عوامل وشروط أخرى لابد من وجودها لتهيئ ظروف خلق الشائعة وترويجها. من ضمنها وأهمها توافر هذان العاملان ؛ الأهمية، والغموض. والمقصود هنا؛ أهمية الموضوع بالنسبة للأفراد المعنيين وغموض الأدلة الخاصة بموضوع الشائعة. وغالباً أيضاً ما نجد الشائعة تحتوي على جزء صغير من الأخبار أو الحقائق، ولكن عند ترويجها تُحاط بأجزاء خيالية بحيث يصعب فصل الحقيقة عن الخيال، أو يصعب التعرف على الحقيقة من الخيال.

لقد حاول كل من (ألبورت وبوستمان) أن يضعا قانوناً أساسياً للشائعة في شكل معادلة جبرية، ووصلا إلى أنه من الممكن وضع معادلة عن شدة الشائعة على النحو التالي:

شدة الشائعة= الأهمية * الغموض

يرجع البعض أيضاً أسباب ترديد الشائعات إلى: انعدام المعلومات، وندرة الأخبار بالنسبة للشعب، ومن هنا ينادون بضرورة تزويد الشعب بجميع الأخبار التفصيلية والدقيقة الممكنة حتى يكون على بينة مما يدور حوله من أحداث وأعمال تؤثر على حياته ومستقبله. كما أن الشائعات تنتشر بصورة أكبر في المُجتمعات غير المُتعلمة أو غير الواعية, وذلك لسهولة انطلاء الأكاذيب عليهم, و قلما يُسأل عن مصدر لتوثيق ما يُتداول من معلومات, فالمجتمع الجاهل يكون بيئة خصبة ومناسبة لإراجة الشائعات. أيضاً عدم وجود الطرف المخول بالرد على شائعة مُعينة يزيد لهيبها ويبعد عنها الشكوك والأقاويل . في نفس الإيطار نجد أن انتشار وسائل الاتصالات الحديثة تُعد سبب هام في انتشار الشائعات فهي تقوم بنشر كم هائل جداً من المعلومات في وقت يسير جداً وبكل يسر وسهولة.

ليست الشائعة ظاهرة مستحدثة، بل إنها خلقت منذ بدء الخليقة، استخدمها الإنسان كثيرا لزعزعة الأمن والاستقرار حيث أطلقها وصدقها وتأثر بها، لتتبلور في أحضان ثقافته على مرّ العصور متشكلة ومتلونة بملامح كل زمان تظهر فيه.وتستهدف الشائعات أمورا معنوية كثيرة؛ لذا تعتبر المصدر الاساسي في إثارة  الحرب النفسية، وتكمن خطورتها في أنها تستخدم ضد أفراد تتوافق مع مزاجهم وتفكيرهم؛ فتجذبهم إليها ليصبحوا أدوات لترديدها دون أن يدركوا مدى خطورتها؛ خاصة في زمان تضاعفت خلاله سرعة انتشارها.والكل يعرف بأن سوق الشائعات في مجتمعاتنا العربية في الفترة الراهنة يمتاز بالمزيد من الرواج حيث تتنوع الشائعات فتكون شخصية، أو سياسية، أو اقتصادية إلا أن تأثيرها يصيب الناس بالقلق..

وكما هو معروف إن مصدر الشائعات غالبا ما يكون غير معروف، فحينما يروج شخص شائعة ما وتسأله عن مصدرها يقول: “سمعتها من فلان أو يقولون كذاِ..” دون التحقق من صحة ما يقول، والشخص المروج للشائعات إما أن يكون حاقدا أو جاهلا أو مستفيدا من ترويج الشائعة وانتشارها وخير دليل على ذلك ما رأيناه في فترة اندلاع الثورات العربية، حيث يستغل البعض الأخبار لإثارة الشائعات، عمدا لإحداث حالة من الخوف عند الناس ليشعروا بالفوضى وعدم الأمان مستخدمين في ذلك عمليات البلطجة وترويع المواطنين، لذا نجد بعض الناس يقولون: “إن النظام السابق أفضل فعلى الأقل كنا نشعر بالأمن والأمان” وهذا هو أهم مطلب تسعى الثورة المضادة إلى تحقيقه

إن من شأن الشائعات أن تثير الذعر والتوتر والقلق في نفوس الناس؛ خاصة في حالة الفراغ الثقافي والفكري لديهم، وتنتشر الشائعات وينشط مروجوها أثناء ما نسميه بـ”أوقات توقع الخطر” وهي أوقات الحروب والكوارث والفوضى لأن الناس يتوقعون حدوث الشر خلال هذه الأوقات، وهذا هو سبب انتشار الشائعة لأن الناس، في هذا التوقيت، حينما يسمعون أية معلومة يتناقلونها فيما بينهم دون التحقق من صحتها خوفا منهم على أبنائهم وممتلكاتهم.

الشائعات انواع متعدد ومنها مايدخل في نطاق الكلام الذي ينقل ولا أصل له؛ ولكنها تثار لأغراض يصبو إليها مروجوها، ومعظم الشائعات التي تثار في هذه الآونة ليست ذات قيمة فمثلا الشائعات التي تثار على موقع التواصل الاجتماعي “الفيسبوك” في جميع المجالات السياسية وتنال رموزا سياسية أو فكرية أو ترويج شائعة وفاة لنجم من نجوم الفن والمجتمع والسياسة والاقتصاد والتي تتأثر بها أسواق المال العالمية وإن كان تأثير بعضها ضعيفا؛ إلا أن هناك نوعا من الشائعات له خطورة كبيرة في التأثير السلبي على المجتمع، وذلك في حالة تعلق الشائعة بأمور مصيرية سواء من الناحية السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية.

بلبلة فكرية

وترى أن الشائعات التي ليست لها أية قيمة أو تأثير لا يجب الالتفات إليها، أما الشائعات التي تسبب بلبلة فكرية أو تحدث اضطرابات وأضرارا داخل المجتمع بالإضافة إلى قصد سوء النية فإن القانون يجرمها، وذلك ما تنص عليه مواد قانون العقوبات.كما تعتبر الشائعات شأنها شأن الدعاية فهما أسلوبان هدامان يحدثان أضرارا سلبية داخل المجتمعات عن طريق إثارة الغرائز واستغلال العواطف لإحداث فتنة داخل المجتمع والغرض منها أن تصل المعلومة التي يريد مروجوها أن تنتشر بين الناس بأسلوب فعال، وبذلك تكون النتيجة إيجابية لديهم وسلبية على المجتمع.

ويشير الدكتور مدكور إلى أن الشائعات تستغلّ ما يسمى بـ”مفتاح الشخصية” وهو الوتر الحساس أو الاحتياجات التي هي نقطة ضعف الأشخاص.

وتعبير “شائعة” يعني رسالة سريعة الانتقال الهدف منها إحداث بلبلة أو فوضى لتحقيق أهداف في غالبها تكون هدامة؛ لأنها تلعب على وتر احتياجات الناس في محاولة لإحداث التأثير الإيجابي لمروجيها خاصة في أوقات الأزمات.

أن الشائعات أمر مناف لما جاء به الدين الإسلامي جملة وتفصيلا، لأن الدين يحرص على سلامة المجتمع من كل ما يصيب أفراده من أخلاق فاسدة أو عقائد باطلة أو سلوك سلبي، والشائعات حذر منها القرآن الكريم في كثير من آياته، كما السنة النبوية، حيث قال الله تعالي: “إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم، يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين”.وقال النبي صلى الله عليه وسلم: “المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده” فنبّه إلى اللسان قبل اليد لأنه من المعروف أن “جروحات السنام لها التئام ولا يلتئم ما جرح اللسان”.

كما أنه لو ترك المجال لكل من شاء أن يقول ما شاء في أي وقت شاء لكانت هناك حالة من الريبة والشك لا تطاق معها الحياة ، وتمسي الأمة وتصبح وسمعتها ملوثة وأعراضها مجروحة وكل واحد لا يأمن على نفسه، لذلك حذّر الشرع من ذلك أشد التحذير وتوعد مروجي الشائعات.وأن من يسمع الشائعة لا يكون أول من أطلقها وإذا سمع بها فلا يعمل على ترويجها ونشرها بين الناس لئلا يكون أحد الكذابين الذين عناهم الحديث الشريف: “كفى بالمرء إثما أن يحدّث بكل ما سمع” ليكون في الدرجة العالية التي نوه بها الحديث الشريف: “من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه”.

لذلك تترك الشاعات انطباعا خطيرة يتناقله الناس فيما بينهما لإنها هادفة الى تغييب الوعي الجمعي لفترة معينة وعلى هذا الاساس نرى كثرة الشائعات في العراق وفي حقيقة الامر هو ان السلطات السياسية هي المصدر الرئيس لها كونها تشغل المجتمع العراقي بحيث يتناسى تقصير الحكومة تجاهه ، فقبل مدة انتشرت رواية انفلونزا الطيور وبعدها أنفلونزا الخنازير ثم الكوليرا وحبة بغداد وغيرها من الامراض ولهذا اخذ الشعب العراق يتراطم فيما بينه كأمواج البحر وربما هي ان هذه الامراض كانت موجودة أساسا فترة معينة وانتهت لكن اذهان الناس يتصورونها كالطاعون الذي فتك بأوروبا ، فبعد انتهاء هذه الشائعات رجع الشعب الى ماكان عليه مطالبا بحقوقه ومحاسبة الفسدين في الحكومة العراقية وفجأة ظهرت شائعة جدية وهي (سد الموصل) وتهول هذا الامر اعلاميا وقضايا انهياره المؤكد ومايحدثه من دمار وغرق يجتاح العراق ويصل الماء في البيوتات لمستوى 14 متر !!  مماجعل الشعب العراق يتصور كيف سيغرق بيته وتموت عائلته كونهم لايستطيعون السباحة واصبح هذا الحديث في كل مكان يتداوله الناس بخشية وحسرة شديدة !!

انا على يقين تام اذا حال فصل الصيف والاجواء الحارة القاتلة سينشغل الناس بالمطالبة بالكهرباء وتكون حديثهم اليومي الذي يأكل ويشرب معهم كما في كل صيف يمر على العراق وعليه ستتلاشى شائعة (سد الموصل) ببديل اخر وهو (الكهرباء) وربما سنشهد شائعات جديدة تشغلنا في الايام القادمة لاصحة لها مطلقا.