سياحة في أروقة الفلسفة الغربيّة

432

سياحة في أروقة الفلسفة الغربيّة

 برغسون.. أوستن.. هابرماس

عـلاء لازم العيـسى

لقد جرّ الإيمان المطلق بفاعليّة العقل والمبالغة في استعماله في أوروبا في القرن التاسع عشر إلى خيبات فكريّة ونفسيّة واجتماعيّة ووجوديّة لا تعدّ ولا تُحصى ، وبما أنّ لكل فعل ردّ فعل يساويه في القوّة ويعاكسه بالاتجاه ، تعالت بعض الأصوات لنقد المناهج المهيمنة على الثقافة الغربيّة حينذاك ، وطرح آليات نقديّة جديدة ، فكانت منها هذه العلامات الثلاث البارزة : برغسون ، وأوستن ، ويورغن هابرماس .

برغسون والمعرفة الحدسيّة

بعد أن طغت النزعة الماديّة في أوروبا ، واستحوذت العلوم الفيزيائيّة ذات التوجّه الميكانيكي على تصوّرات الإنسان الأوروبي، علا صوت الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون ( 1859 ـــ 1941 ) ليعيد الاعتبار للجوانب الروحيّة التي فقدت أو كادت في المجتمع الأوروبي . رفض برغسون أن يكون العقل طريقة لبحث الحياة الباطنيّة والنفسيّة ، لأنه طمح أن تكون فلسفته بمنزلة عودة واعية إلى معطيات الحدس ، فهو يرى أنّ المعرفة الحدسيّة المباشرة تخالف بجوهرها المعرفة العقليّة ، إذ الحدس برأيه غريزة عليا يتعرّف الكائن من خلالها على عالمه الداخلي ، وهو ما يتعارض تمامًا مع المعارف البرهانيّة والعقليّة التي تفتح أمام الفرد إمكانيّة معرفة الخارج فقط .

فالحدس ـــ على حد تعبير برغسون ـــ هو نوع من التعاطف تجعل الفرد يتفهّم لوحده ما يدور داخل عمقه النفسي ، وهذه المعرفة الحدسيّة تبقى معرفة فردانيّة خاصة بالشخص وحده لا يمكن أن تنقل إلى الآخرين عبر الكلام ، ذلك أنّ العقل اقتصر خلال آلاف السنين الماضية التي عاشها الإنسان ، على ممارسة فعّاليته في العالم الخارجي ، عالم الأشياء ، وبعبارة أخرى أنّ العقل مارس نشاطه في نطاق المادة والمكان . ثمّ إنّ الحياة الباطنيّة لا يمكن أن تخضع لأيّ نوع من القياس ، لأنّها بخلاف الأشياء الماديّة لا تمتد في المكان بل تجري في ديمومة زمانيّة ، والديمومة ليست قابلة للقياس لأن الزمن الذي يقيسه عالم الفيزياء ليس في حقيقته سوى المكان الذي يجتازه جسم متحرّك ، أمّا ديمومتي التي تتوثّب على ايقاع فرحي ، أو وفق ألم حزني ، أو رتابة ضجري وكآبتي ، فإنّها ليست قابلة للقياس بواسطة العقل الذي خلق ليعمل في العالم الخارجي ، فالفلاسفة عندما أحصوا بعض السمات الذاتيّة للعقل البشري ، نظروا إلى الفرد في حالته المجرّدة من دون أن يُدخلوا الحياة الاجتماعيّة في حسابهم ، ناسين أن الإنسان في الواقع كائن اجتماعي ، ولهذا استبدل برغسون  ( الاستبطان ) وهو الفحص الباطني الذي يجريه المرء لأفكاره وخبراته وأحاسيسه بنفسه ، والذي هو عملية عقليّة واعية ، بشكل آخر من أشكال المعرفة يتيح لنا ـــ من وجهة نظره ـــ فهم الحياة الباطنيّة من دون تشويه  وهو ما أطلق عليه اسم ( الحدس ) ، وهو ما شكّل لاحقًا نظريته الخاصة بالمعرفة بصدد أنانا . لقد جاهد برغسون للوقوف ضد عزوف الفلاسفة الماديين في وقته ـــ مثل هوبز وهيوم وسبينوزا وماركس وغيرهم ـــ عن كلّ طموح ميتافيزيقي ، كما أنّه شنّع على العقل لكي يجعل من الفكر تجربة للروح تمضي مباشرة إلى هذا الأخير باعتباره موضوعها ، وثمرة هذا المنهج هو الذي سيعدّه برغسون جوهر نتاجه كلّه وهو القول بنظريّة (( الديمومة )) ، فالإنسان ديمومة نوعيّة خالصة ، وهو اندفاع حيويّ وهذا الاندفاع هو أصلًا نفس العالم كما قال برغسون :     (( فكلّ شعور فهو استباق للمستقبل ، أنظروا إلى اتجاه فكركم في أيّة لحظة ، إنّه يهتم بما هو موجود ولكنه يهتم به في سبيل ما سيكون بالدرجة الأولى ))( التطوّر الخلّاق ، برغسون ص10 ) . وقد انطلق في طرح نظريّته في (( الدفع الحيوي )) من وجهة نظر مناقضة لنظريّة الحتميّة التاريخيّة الصارمة التي تلغي فكرة وجود الحريّة في الطبيعة والتي سادت في القرن التاسع عشر ، فحسب الحتمية أنّ الوجود هو حالة ماديّة متسلسلة مترابطة من أول حدث إلى آخر حدث في عمر الوجود ، وأنّ الوجود بكلّ ما يحويه في لحظة معيّنة هو نتيجة لآليّة اللحظة التي سبقتها ، لذا فقد شدّد برغسون على كون الوعي هو فعل اختيار ، وأنّ كانت الحياة النفسيّة      ـــ من وجهة نظره ـــ ليست واقعة برمتها تحت سلطة الوعي ، إذ أنّ الوعي في منظور برغسون لا يصاحب كلّ سلوكيّاتنا ، وهو لا يظهر إلّا في بعض الظروف التي يتعرّض فيها الشخص إلى صعوبات أو عوائق تستدعي تدخل النشاط الواعي ، فحين تصادف المرء بعض المسائل الطارئة يتدخّل الوعي ، إذ أنّ العديد من الحلول الممكنة تكون متاحة أمام الشخص ، وتقتصر هنا مهمّة الوعي على اختيار واحدة من أهم هذه الامكانات أو الحلول ، وحين تتم عملية الاختيار تتوقّف عند ذلك مداخلة الوعي ، ويعود النشاط الآلي والتلقائي للعب دوره في التحكّم بمجمل سلوكياتنا وأفعالنا ، وفي هذا تجاوز واضح لطروحات ديكارت التي عدّت كلّ ما يخرج عن دائرة الوعي خارجًا عن الحياة النفسيّة . أخيرًا (( لعلّ الموقف البرغسوني يبدو أصيلًا من حيث طبيعة الخلاصة الابستيمولوجيّة التي انطلق منها ، وذلك عندما قرّر تأسيس المعرفة على الثنائيّات ، الأنا السطحي مقابل الأنا العميق ، الحدس مقابل العقل ، العلم مقابل الميتافيزيقا ، أخلاق مغلقة مقابل أخلاق منفتحة ، وهلم جرا من التصوّرات التقابليّة ))( مقالة : هنري برغسون والبرغسونيّة ، د. نورة بو حنّاش ، ضمن كتاب : الفلسفة الغربيّة المعاصرة ص163 ) ? ومن هنا فإنّ ما يسترعي الانتباه في فلسفة برغسون ـــ كما قال إميل برهييه ـــ هو ما يعطيه من قيمة للإنسان … وكذلك أيضًا وعيه الحاد بمخاطر الشرط الإنساني.( معجم الفلاسفة ، جورج طرابيشي ص165 )

أوستن ونظريّة أفعال الكلام

إنّ المتأمل في مسارات الفلسفة الأوروبيّة الحديثة يرى أنّها قد تغذّت دومًا بالآفاق الجديدة التي كانت تفتحها باستمرار العلوم والمكتشفات ، وبما أنّ (( الألسنيّة )) في عصرنا حقّقت خطوات بعيدة في سيرها لاكتساب علميّة خاصّة بها ، وبدأت تطال حقولًا عدّة من المعرفة الإنسانيّة ، لذا كان من الطبيعي أن تؤثّر في الفلسفة ، وأن تحاول الفلسفة التفكير في اللغة من أجل معنى جديد للإنسان ، ومن هنا سيكون كلامنا عن أوستن ونظريّته.    عُرف المحامي والفيلسوف البريطاني جون لانجشو أوستن ( 1911 ـــ 1960 ) بأنّه أشهر من عمّق الفهم بنظريّة (( الأفعال الكلاميّة )) وهو صاحب الكتاب الشهير (( كيف نفعل الأشياء بالكلمات ))، وقد شكّلت الآراء التجديديّة التي انجزها هذا الفيلسوف في هذا المجال ثورة على ما كان شائعًا لدى مناطقة وفلاسفة التحليل اللغوي بخصوص نجاعة النماذج الدلاليّة الصوريّة في إفادة المعنى .   لقد انطلق أوستن في نظريّته من النقطة التي لاحظها قبله فيلسوف التحليل اللغوي لودفيغ فتجنشتاين ( 1889 ـــ 1951) والتي أكّد فيها على أنّ مهمّة اللغة لا تنحصر في عمليّة تصوير أو وصف الأشياء فقط ، بل نحن نستعين باللغة لإصدار أوامر، وللتعبير عن مشاعرنا  وللتحذير ، والاستثارة ، وبما إنّ أكثر مشكلات الفلسفة مؤسّسة على سوء الفهم في الحدود والمصطلحات أو الغموض واللبس في طريقة التوصيل ، فمن الممكن أن تزال هذه المشكلات من خلال الدراسة المتأنيّة للغة (ينظر : لودفيج فتجنشتاين ، د. فيصل غازي مجهول ، ضمن كتاب : الفلسفة الغربيّة المعاصرة 1 / 339 ) ? إنّ فيجنشتاين كان يرى أنّ اللغة العاديّة التي نتكلّمها في حياتنا اليوميّة صالحة للعمل الفلسفي ، بل يرى أنّ جميع مشكلات الفلسفة تُحلّ باللغة  فاللغة هي المفتاح السحري الذي يفتح مغاليق الفلسفة ، ويعدّ التفات أوستن إلى هذه النقطة لحظة تحوّل مهمّة في مدرسة التحليل اللغوي ، فبعد مناقشة مستفيضة للملفوظات وضع أوستن مصطلح ( الفعل الكلامي ) الذي تعرف به الآن في الفلسفة واللسانيّات المعاصرة ، وذلك من خلال المحاضرات التي ألقاها في جامعة أكسفورد بين عامين 1952 ـــ 1954 ? والمحاضرات التي ألقاها في جامعة هارفارد سنة 1955 ? كما أنّه يُعدّ (( أول من قال إنّ اللغة نشاط وعمل ينجز ، أي أن المتكلّم لا يُخبر ويبلّغ فحسب ، بل إنّه يفعل أي يعمل ، يقوم بنشاط مدعم بنيّة وقصد يريد المتكلّم تحقيقه من جراء تلفّظه بقول من الأقوال ))( مبادئ اللسانيّات ، خولة الإبراهيمي ص161 ).  لقد خلص أوستن إلى ضرورة التفريق بين ثلاثة أفعال كلاميّة هي : فعل القول ، وفعل الإنجاز ، وفعل التأثير ، ثمّ اقترح نمذجة فعل الإنجاز مميّزًا بين خمس طبقات : طبقة الأفعال الحكميّة ، وطبقة الأفعال التنفيذيّة ، وطبقة الأفعال التعهديّة ، وطبقة الأفعال السلوكيّة ، وطبقة الأفعال العرضيّة . (( وعلى هذا الأساس يتّضح أنّ الحكم على الملفوظات لم يعد مرهونًا بمعيار الصدق والكذب ، كما هو الحال عند المناطقة والفلاسفة والبلاغيين ، وإنّما مداره حول الأثر الذي يُحدثه فعل القول في المخاطب ، فيكون فعل الإنجاز ناجحًا إذا استجاب المخاطَب ، واقتنع بمقاصد المتكلّم ، كما قد يكون فاشلًا حين يعجز المتكلّم عن التأثير في المخاطَب ، ولا يقدر على دفعه نحو التصرّف والفعل ))( التداوليّة أصولها واتجاهاتها ، جواد ختام ص91 ).

هابرماس والحقيقة الاجماعيّة

أمّا الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني يورغن هابرماس ( 1929ـــ 1983 ) الذي يُعدّ من أهم مُنظّري مدرسة فرانكفورت النقديّة وأكثرهم شهرة وأغزرهم إنتاجاً ، فبعد اطّلاعه على أسس ومكوّنات الحداثة الغربيّة ، وبعد اعجابه الشديد بفلسفة الفرنسي سارتر ودفاعه المستميت عن الحرّيات الشخصيّة ، شرع بالتأسيس لمشروع فكريّ يدافع عن الحقيقة ، من خلال تأسيس معايير أخلاقيّة تقوم بضبط عمليّات العقلنة وتحركاتها ، وتتأسس هذه المعايير على اعتبارات التواصل والاعتراف بالآخر ، وإتاحة المجال العام لتداول ومناقشة حُرّة تصل بالمجتمع إلى بناء إجماع حرّ بلا إكراهات أو ضغوط . ومن أجل صياغة مفهومه للفاعليّة التواصليّة وللمجال العمومي الحديث  اضطر هابرماس إلى إعادة النظر في مسألة الحقيقة ، إذ لم تعد الحقيقة معطى جوهرياً سابقاً على الوجود الإنساني ، إنّما هي نتاج لعمليّة تبادل البراهين والحجج ، وهي بذلك تتويج لاتفاق ذي طبيعة اجتماعيّة ، وهذا ما يسمّيه هابرماس بـ (( النظريّة الاجماعيّة للحقيقة )) حيث تغدو الحقيقة نتاجاً للتداول العمومي والنقاش العام ، والإجماع الذي ينتج عن هذا التداول . ومن هنا يدعو هابرماس إلى التواضع وعدم الاستعجال في الإعلان عن أيّ موقف فكري واعتقادي نهائي ، لأن ذلك من شروط الحوار ، والاعتراف بإمكان الوقوع في الخطأ مبدأ من مبادئ النقاش العمومي ، فلا شيء معفي من السؤال والنقد والمناقشة ، وكلّ الموضوعات إنّما تكتسب شرعيتها من خلال المناقشات العموميّة ، التي تتيح الوصول إلى الحقيقة الاجماعيّة . إنّ اتخاذ هابرماس الحوار مقاماً للتواصل الإنساني يهدف بالأساس إلى خلق نسيج هويّة جماعيّة تفعّل خطاباً مفتوحًا بغرض إدماج كلّ المواطنين من أيّة أصول ، فيترك الحوار مفتوحًا بين جميع المشتركين في الفضاء العمومي.

مشاركة