سوق‭ ‬تعز‭ ‬التاريخي‭ ‬في‭ ‬اليمن‭ ‬من‭ ‬الحرف‭ ‬اليدوية‭ ‬إلى‭ ‬بيع‭ ‬السلاح

164

تعز‭ ‬(اليمن)-(أ‭ ‬ف‭ ‬ب)‭ ‬‭ ‬بعدما‭ ‬كان‭ ‬مركزا‭ ‬لصناعة‭ ‬الحرف‭ ‬اليدوية،‭ ‬حوّلت‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬اليمن‭ ‬سوق‭ ‬الشنيني‭ ‬التاريخي‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬تعز‭ ‬المحاصرة‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬المتمردين،‭ ‬إلى‭ ‬مقر‭ ‬لبيع‭ ‬الرصاص‭ ‬ورشاشات‭ ‬الكلاشينكوف‭.‬

وفي‭ ‬متجره‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬حيث‭ ‬بيع‭ ‬قطعا‭ ‬من‭ ‬السلاح‭ ‬وألعابا‭ ‬نارية،‭ ‬يروي‭ ‬أبو‭ ‬علي‭ ‬أنّه‭ ‬«عندما‭ ‬كنت‭ ‬تدخل‭ ‬المدينة‭ ‬القديمة،‭ ‬كنت‭ ‬تجد‭ ‬أصحاب‭ ‬الأعمال‭ ‬الحرفية‭ ‬اليدوية،‭ ‬مثل‭ ‬الخياطين‭ ‬والمطرّزين‭ ‬والحدّادين»‭.‬

وأضاف‭ ‬الرجل‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يعمل‭ ‬خياطا‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يصبح‭ ‬تاجر‭ ‬سلاح‭ ‬«جاءت‭ ‬الحرب،‭ ‬فاضطر‭ ‬أكثرهم‭ ‬لأن‭ ‬يبيعوا‭ ‬السلاح»‭.‬

واختار‭ ‬آخرون‭ ‬أن‭ ‬ينتقلوا‭ ‬من‭ ‬صناعة‭ ‬الحرف‭ ‬اليدوية،‭ ‬إلى‭ ‬بيع‭ ‬نبتة‭ ‬القات‭ ‬المخدّرة‭ ‬التي‭ ‬تعتبر‭ ‬التجارة‭ ‬فيها‭ ‬قانونية‭ ‬في‭ ‬أفقر‭ ‬دول‭ ‬شبه‭ ‬الجزيرة‭ ‬العربية‭.‬

لكن‭ ‬بعض‭ ‬أقدم‭ ‬الحرفيين‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬الشنيني‭ ‬فضّلوا‭ ‬عدم‭ ‬بيع‭ ‬السلاح،‭ ‬وعدم‭ ‬التجارة‭ ‬بالقات‭ ‬أيضا،‭ ‬وغادروه‭ ‬هربا‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬مدينتهم‭ ‬الواقعة‭ ‬في‭ ‬وسط‭ ‬غرب‭ ‬اليمن‭. ‬وقال‭ ‬أبو‭ ‬علي‭ ‬الذي‭ ‬فضّل‭ ‬عدم‭ ‬الكشف‭ ‬عن‭ ‬اسمه‭ ‬«نصف‭ ‬المحال‭ ‬أغلقت‭ ‬أبوابها»‭.‬

وتعصف‭ ‬الحرب‭ ‬بالبلد‭ ‬الفقير‭ ‬منذ‭ ‬أن‭ ‬سيطر‭ ‬المتمردون‭ ‬الحوثيون‭ ‬على‭ ‬أجزاء‭ ‬كبرى‭ ‬وبينها‭ ‬صنعاء‭ ‬في‭ ‬2014،‭ ‬وقد‭ ‬تصاعدت‭ ‬مع‭ ‬تدخل‭ ‬السعودية‭ ‬على‭ ‬رأس‭ ‬تحالف‭ ‬عسكري‭ ‬لوقف‭ ‬دعما‭ ‬لقوات‭ ‬الحكومة‭ ‬في‭ ‬آذار/مارس‭ ‬2015‭.‬

وتخضع‭ ‬مدينة‭ ‬تعز‭ ‬لسيطرة‭ ‬القوات‭ ‬الحكومية،‭ ‬لكنّ‭ ‬المتمردين‭ ‬يحاصرونها‭ ‬منذ‭ ‬2015،‭ ‬وغالبا‭ ‬ما‭ ‬يقومون‭ ‬بأعمال‭ ‬قصف‭ ‬تتسبّب‭ ‬بمقتل‭ ‬مدنيين‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬السكان‭ ‬البالغ‭ ‬عددهم‭ ‬نحو‭ ‬615‭ ‬ألف‭ ‬نسمة‭.‬

كما‭ ‬أنّ‭ ‬تعز‭ ‬شهدت‭ ‬في‭ ‬الأشهر‭ ‬الأخيرة‭ ‬اشتباكات‭ ‬بين‭ ‬قوات‭ ‬متحالفة‭ ‬مع‭ ‬الحكومة‭ ‬المعترف‭ ‬بها‭ ‬دوليا،‭ ‬في‭ ‬صراع‭ ‬على‭ ‬النفوذ‭ ‬أدّى‭ ‬إلى‭ ‬مقتل‭ ‬وإصابة‭ ‬عشرات،‭ ‬بحسب‭ ‬مصادر‭ ‬طبية‭ ‬وأمنية‭ ‬محلية‭.‬

وإضافة‭ ‬إلى‭ ‬مهن‭ ‬الحرفيين،‭ ‬وبينها‭ ‬صناعة‭ ‬الفخار‭ ‬والألبسة‭ ‬الشعبية،‭ ‬كان‭ ‬سوق‭ ‬الشنيني‭ ‬مقصدا‭ ‬لزبائن‭ ‬التوابل‭ ‬والخضراوات‭ ‬و»الجبن‭ ‬التعزي»،‭ ‬أحد‭ ‬أشهر‭ ‬المنتجات‭ ‬المحلية‭ ‬في‭ ‬المدينة‭.‬

وبحسب‭ ‬عبد‭ ‬الراشدي،‭ ‬وهو‭ ‬صاحب‭ ‬متجر‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يبيع‭ ‬مواد‭ ‬تصنع‭ ‬محلّّيا،‭ ‬فمع‭ ‬اندلاع‭ ‬الحرب‭ ‬قبل‭ ‬خمس‭ ‬سنوات‭ ‬«تأثّرت‭ ‬هذه‭ ‬المهن‭ ‬كثيرا‭ ‬وازدهرت‭ ‬تجارة‭ ‬السلاح‭ ‬على‭ ‬حسابها»‭.‬

‭ ‬إذا‭ ‬انتهت‭ ‬الحرب‭ ‬

بين‭ ‬فروع‭ ‬السوق‭ ‬القديم،‭ ‬يدخل‭ ‬رجال‭ ‬مسلّحون‭ ‬بالأسلحة‭ ‬الرشاشة‭ ‬والجعبات‭ ‬العسكرية‭ ‬المتجر‭ ‬تلو‭ ‬الآخر‭ ‬بحثا‭ ‬عن‭ ‬قطعة‭ ‬سلاح‭ ‬معيّنة‭ ‬أو‭ ‬رغبة‭ ‬بشراء‭ ‬الرصاص،‭ ‬بينما‭ ‬يتنقّل‭ ‬آخرون‭ ‬على‭ ‬متن‭ ‬دراجات‭ ‬نارية‭.‬

وعلّقت‭ ‬عند‭ ‬مداخل‭ ‬المتاجر‭ ‬ملابس‭ ‬عسكرية‭ ‬وجعبات‭ ‬زيتية‭ ‬اللون،‭ ‬وفي‭ ‬داخلها‭ ‬وضعت‭ ‬بعناية‭ ‬فوق‭ ‬الرفوف،‭ ‬جنبا‭ ‬إلى‭ ‬جنب،‭ ‬رشاشات‭ ‬الكلاشينكوف‭ ‬وأشرطة‭ ‬الرصاص‭ ‬وقذائف‭ ‬الهاون‭ ‬والقنابل‭ ‬اليدوية‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الأسلحة‭.‬

وأوضح‭ ‬أبو‭ ‬علي‭ ‬«إنّه‭ ‬سوق‭ ‬سلاح»‭.‬

وتصنّع‭ ‬بعض‭ ‬الأسلحة‭ ‬محليا،‭ ‬ويهّرب‭ ‬بعضها‭ ‬الآخر،‭ ‬إلا‭ ‬أنّ‭ ‬مصدر‭ ‬غالبيتها‭ ‬مجهول‭. ‬ويبلغ‭ ‬سعر‭ ‬رشّاش‭ ‬الكلاشيكنوف‭ ‬1090‭ ‬دولارا،‭ ‬والمسدس‭ ‬818‭ ‬دولار،‭ ‬فيما‭ ‬تباع‭ ‬الرصاصة‭ ‬الواحدة‭ ‬بنصف‭ ‬دولار‭.‬

وكحال‭ ‬أبو‭ ‬علي،‭ ‬أجبرت‭ ‬الحرب‭ ‬محمد‭ ‬تاجر‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يعمل‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬صناعة‭ ‬الخزف‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يتحوّل‭ ‬إلى‭ ‬بيع‭ ‬السلاح‭.‬

وقال‭ ‬وهو‭ ‬يجلس‭ ‬عند‭ ‬عتبة‭ ‬متجره‭ ‬بالقرب‭ ‬من‭ ‬قاذفة‭ ‬صواريخ‭ ‬«قبل‭ ‬الحرب‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬عمل‭ ‬وحركة‭ ‬(بيع)،‭ ‬لكن‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬أصبحنا‭ ‬نعمل‭ ‬بالذخيرة»‭.‬

أوقعت‭ ‬الحرب‭ ‬حوالى‭ ‬10‭ ‬آلاف‭ ‬قتيل‭ ‬منذ‭ ‬2015‭ ‬بحسب‭ ‬منظمة‭ ‬الصحة‭ ‬العالمية‭. ‬ويعتبر‭ ‬مسؤولون‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬الانساني‭ ‬أن‭ ‬الحصيلة‭ ‬أعلى‭ ‬بكثير‭.‬

ولا‭ ‬يزال‭ ‬هناك‭ ‬3,3‭ ‬ملايين‭ ‬نازح،‭ ‬فيما‭ ‬يحتاج‭ ‬24,1‭ ‬مليون‭ ‬شخص،‭ ‬أي‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ثلثي‭ ‬السكان،‭ ‬الى‭ ‬مساعدة،‭ ‬بحسب‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬التي‭ ‬تصف‭ ‬الأزمة‭ ‬الإنسانية‭ ‬في‭ ‬اليمن‭ ‬بأنها‭ ‬الأسوأ‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬حالياً‭.‬

ودمّر‭ ‬وتضرر‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المستشفيات‭. ‬وواجهت‭ ‬البلاد‭ ‬وباء‭ ‬الكوليرا‭ ‬مع‭ ‬آلاف‭ ‬الوفيات‭ ‬منذ‭ ‬نيسان/أبريل‭ ‬2017‭. ‬والاسبوع‭ ‬الماضي‭ ‬قالت‭ ‬منظمة‭ ‬«سيف‭ ‬ذا‭ ‬تشليدرن»‭ ‬إنّ‭ ‬الكوليرا‭ ‬تسبّب‭ ‬بوفاة‭ ‬193‭ ‬شخصا‭ ‬منذ‭ ‬بداية‭ ‬2019،‭ ‬وهو‭ ‬معدل‭ ‬أعلى‭ ‬بتسع‭ ‬مرات‭ ‬مقارنة‭ ‬بالأشهر‭ ‬الستة‭ ‬الاولى‭ ‬من‭ ‬عام‭ ‬2018‭.‬

وعلى‭ ‬باب‭ ‬أحد‭ ‬متاجر‭ ‬سوق‭ ‬الشنيني،‭ ‬كُتب‭ ‬«خياطة‭ ‬رجالية‭ ‬حديثة»،‭ ‬لكن‭ ‬في‭ ‬الداخل‭ ‬حلّت‭ ‬القنابل‭ ‬والرصاص‭ ‬مكان‭ ‬قطع‭ ‬القماش‭ ‬فوق‭ ‬الرفوف‭.‬

وقال‭ ‬محمد‭ ‬تاجر‭ ‬«سنعود‭ ‬إلى‭ ‬مهننا‭ ‬إذا‭ ‬انتهت‭ ‬الحرب»‭.‬

مشاركة