سوريا .. وجع وطن – عبدالكريم البليخ

563

عبد‭ ‬الكريم‭ ‬البليخ

‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬سورية‭.. ‬وجع‭ ‬وطن،‭ ‬يحمل‭ ‬في‭ ‬طياته‭ ‬مزيداً‭ ‬من‭ ‬الأحزان‭ ‬والآلام،‭ ‬والتي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نغفل‭ ‬عن‭ ‬تذكرها،‭ ‬لأنه‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬بحال‭ ‬تناسيها‭. ‬فهي‭ ‬تظل‭ ‬تعصر‭ ‬قلوبنا‭ ‬وتزيد‭ ‬من‭ ‬معاناتنا،‭ ‬وبصورةٍ‭ ‬خاصة،‭ ‬بالنسبة‭ ‬لمن‭ ‬صاروا‭ ‬اليوم‭ ‬خارج‭ ‬البلد‭ ‬مهجّرين‭ ‬يبحثون‭ ‬عن‭ ‬وطن‭! ‬انّه‭ ‬الوطن،‭ ‬ولا‭ ‬شيء‭ ‬سواه‭.‬

الوطن‭ ‬الذي‭ ‬فقدنا‭ ‬ترابه‭ ‬وأرضه،‭ ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬جميل‭ ‬في‭ ‬ذاكرتنا،‭ ‬نحن‭ ‬السوريين،‭ ‬وإن‭ ‬أصابها‭ ‬العطب‭ ‬بعد‭ ‬ما‭ ‬أصابنا‭ ‬من‭ ‬إذلال‭ ‬وتطهير‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬نحن‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬وهم‭ ‬كبير،‭ ‬وأحجية‭ ‬أريد‭ ‬منها‭ ‬أن‭ ‬نصبح‭ ‬في‭ ‬عداد‭ ‬الأموات،‭ ‬نغتسل‭ ‬بأحلام‭ ‬الوطن‭ ‬الذي‭ ‬يعيش‭ ‬في‭ ‬قلوبنا،‭ ‬وفي‭ ‬أحداق‭ ‬عيوننا‭.‬

فإلى‭ ‬متى‭ ‬سنظل‭ ‬هكذا‭ ‬مهجّرون‭ ‬بعيدون‭ ‬عن‭ ‬الأهل‭ ‬والأحبّة،‭ ‬الذين‭ ‬هم‭ ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬صاروا‭ ‬يعيشون‭ ‬مرارة‭ ‬الإقامة‭ ‬الجبرية‭ ‬في‭ ‬الوطن،‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬أبنائهم‭ ‬وأحفادهم،‭ ‬وعن‭ ‬رائحة‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يثير‭ ‬اهتمامهم‭ ‬سواء‭ ‬أكان‭ ‬ذلك‭ ‬عبر‭ ‬الشوق‭ ‬والحب‭ ‬والكينونة‭ ‬التي‭ ‬بدت،‭ ‬وكما‭ ‬هو‭ ‬واضح،‭ ‬ترحل‭ ‬بعيداً‭ ‬وتحط‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬وطن،‭ ‬ولا‭ ‬حياة،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬مفرحاتها‭ ‬المتوافرة‭ ‬في‭ ‬بلاد‭ ‬الاغتراب،‭ ‬وبكثرة‭ ‬لأنها‭ ‬لا‭ ‬تساوي‭ ‬شيئاً‭ ‬حيال‭ ‬الواقع‭ ‬المؤسي‭ ‬الذي‭ ‬يواكب‭ ‬حاضر‭ ‬المهجّرين‭ ‬السوريين‭ ‬الذين‭ ‬فقدوا‭ ‬أغلى‭ ‬ما‭ ‬يملكون،‭ ‬وما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬ذا‭ ‬مكانة‭ ‬في‭ ‬قلوبهم‭ ‬مهما‭ ‬توافرت‭ ‬لهم‭ ‬أيام‭ ‬الراحة‭ ‬والسعادة،‭ ‬فستظل‭ ‬يلزمها‭ ‬الإحساس‭ ‬بالوطن‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬الحياة‭ ‬والأمل‭!.‬

والسؤال‭ ‬عن‭ ‬الوطن‭ ‬الذي‭ ‬اغتصب،‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬حال‭ ‬المرأة‭ ‬التي‭ ‬تنازعها‭ ‬رجال‭ ‬واغتصبوها‭ ‬عنوةً،‭ ‬ماذا‭ ‬عساها‭ ‬أن‭ ‬تفعل،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يحفر‭ ‬في‭ ‬وجدانها،‭ ‬وفي‭ ‬ذاكرتها‭ ‬وعواطفها‭ ‬النبيلة‭ ‬الكراهية‭ ‬والسخط‭ ‬والحقد‭ ‬الدفين‭ ‬لمجرد‭ ‬تذكرها‭ ‬وقع‭ ‬الاغتصاب‭ ‬وساعة‭ ‬حدوثه‭.‬

يسأل‭ ‬أحدهم،‭ ‬ممن‭ ‬نلتقيهم،‭ ‬وهل‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬أن‭ ‬نقارن‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الوطن،‭ ‬بما‭ ‬تصورونه‭ ‬اليوم،‭ ‬أنتم‭ ‬يا‭ ‬معشر‭ ‬حملة‭ ‬الرسالة،‭ ‬روّاد‭ ‬الفكر‭ ‬والقلم،‭ ‬من‭ ‬أفكار‭ ‬وآراء‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تعكس‭ ‬الصورة‭ ‬الحقيقة‭ ‬لما‭ ‬يجري‭ ‬من‭ ‬صور‭ ‬عديدة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬بحال‭ ‬إيجازها،‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬التحقيق‭.‬

لا‭ ‬شك‭ ‬أنه‭ ‬تشبيه‭ ‬سخيف،‭ ‬ولكن‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬هناك‭ ‬وجه‭ ‬تقارب‭ ‬فيما‭ ‬يحدث‭ ‬ومازال،‭ ‬والماكينة‭ ‬التي‭ ‬تطحن‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يجعل‭ ‬منها‭ ‬أداة‭ ‬لهرس‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يقع‭ ‬تحت‭ ‬حلزونها‭ ‬بعيداً‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬عواطف،‭ ‬أو‭ ‬مشاعر‭ ‬وأحاسيس‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬نقرأه‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬دفاتر‭ ‬الوطن،‭ ‬وما‭ ‬أصاب‭ ‬أهله‭ ‬من‭ ‬دمار‭ ‬وحرمان‭ ‬وصور‭ ‬أليمة‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬بمقدور‭ ‬من‭ ‬يحمل‭ ‬راية‭ ‬القلم‭ ‬أن‭ ‬يقدر‭ ‬على‭ ‬تصويرها،‭ ‬لأنها‭ ‬صارت‭ ‬همّاً‭ ‬كبيراً‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬ينجح‭ ‬في‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬حل،‭ ‬أو‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬فيه‭ ‬مهما‭ ‬حاولنا‭ ‬إسقاط‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬السورية‭ ‬ومدنها‭ ‬وقراها‭ ‬وما‭ ‬خلفته‭ ‬آلة‭ ‬الدمار‭ ‬من‭ ‬خراب‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬ترميمه‭ ‬أو‭ ‬إعادته‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬عليه‭ ‬قبل‭ ‬انطلاق‭ ‬الشرارة‭ ‬التي‭ ‬أضرمت‭ ‬النار‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان‭.. ‬فأيّ‭ ‬وطن،‭ ‬وأي‭ ‬مواطن‭ ‬يمكنه‭ ‬أن‭ ‬يرثي‭ ‬حال‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬اليوم‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬دقّ‭ ‬الخراب‭ ‬في‭ ‬كيان‭ ‬المدن،‭ ‬وأهلك‭ ‬النسل‭ ‬والحرث‭!.‬

وما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نقوله‭ ‬اليوم،‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الاستعراض،‭ ‬يستدعي‭ ‬منا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬نقف‭ ‬وبصدق‭ ‬مع‭ ‬أنفسنا،‭ ‬مستعرضين‭ ‬ألوان‭ ‬الصور‭ ‬التي،‭ ‬وكما‭ ‬ذكرت،‭ ‬أوغلت‭ ‬جرحاً‭ ‬عميقاً‭ ‬في‭ ‬الذاكرة،‭ ‬وهاهي‭ ‬النتائج‭ ‬نستخلصها‭ ‬تباعاً،‭ ‬تماشياً‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬ترضي‭ ‬أهلها،‭ ‬وتغنيهم‭ ‬عن‭ ‬جيرانهم‭ ‬وترضيهم‭.‬

‭ ‬سوريا‭ ‬بلد‭ ‬الأصالة‭ ‬والنهر‭ ‬والأرض‭ ‬اليباب‭. ‬إنّها‭ ‬عشق‭ ‬أبدي‭ ‬يستظل‭ ‬بظلّه‭ ‬أهلها‭ ‬الطيبون‭ ‬الذين‭ ‬عمّروها‭ ‬بسواعدهم‭ ‬الفتية‭. ‬أشادوا‭ ‬الأبنية،‭ ‬وبنوا‭ ‬الجسور،‭ ‬ومدّوا‭ ‬الطرق،‭ ‬وأقاموا‭ ‬المصانع،‭ ‬وحصّنوا‭ ‬المزارع،‭ ‬وطوّروا‭ ‬الزراعة،‭ ‬وأناروا‭ ‬بعقولهم‭ ‬النيّرة‭ ‬الطرق‭ ‬المظلمة‭.‬

إنّه‭ ‬الشعب‭ ‬السوري‭ ‬الأبي‭ ‬الذي‭ ‬هجّر‭ ‬من‭ ‬أرضه‭ ‬وأذاقوه‭ ‬أنواع‭ ‬العذاب‭. ‬انّه‭ ‬الشعب‭ ‬المجتهد،‭ ‬الغيور‭ ‬المتابع‭. ‬الشعب‭ ‬الذي‭ ‬يعرف‭ ‬كيف‭ ‬يصطاد‭ ‬السمكة‭ ‬ويأكلها‭ ‬بطريقة‭ ‬عفوية‭ ‬ساحرة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬بأي‭ ‬حال‭ ‬أن‭  ‬يضر‭ ‬عمرو‭ ‬أو‭ ‬زيد‭ ‬من‭ ‬الناس‭.‬

المواطن‭ ‬السوري،‭ ‬الأشم‭. ‬صاحب‭ ‬العزيمة‭ ‬والوجدان‭ ‬والحكمة‭. ‬الشجاع‭ ‬والحكيم‭ ‬في‭ ‬تصرفاته،‭ ‬وفي‭ ‬عزيمته،‭ ‬وفي‭ ‬روحه‭ ‬الصادقة‭ ‬البريئة‭ ‬المتواضعة،‭ ‬وفي‭ ‬عاطفته،‭ ‬وفي‭ ‬خدماته‭ ‬التي‭ ‬يشهد‭ ‬عليه‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬عرفه‭ ‬أو‭ ‬سمع‭ ‬به‭ ‬وشاهده‭.‬

وهذا‭ ‬هو‭ ‬حظّه،‭ ‬وللأسف،‭ ‬من‭ ‬قيادته‭ ‬التي‭ ‬ألبسته‭ ‬ثوب‭ ‬التهجير‭ ‬والبعد‭ ‬عن‭ ‬لحافه‭ ‬ووسادته‭!.‬

مالعمل؟‭ ‬فقد‭ ‬هرب‭ ‬من‭ ‬القتل‭ ‬والدمار‭ ‬متدثراً‭ ‬ببعض‭ ‬ما‭ ‬بقي‭ ‬عسى‭ ‬أن‭ ‬ترد‭ ‬عنه‭ ‬برد‭ ‬الشتاء‭ ‬القارس‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يرحم،‭ ‬والتزم‭ ‬الصمت‭ ‬هارباً‭ ‬من‭ ‬واقع‭ ‬سيئ‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬يعيد‭ ‬له‭ ‬الأمل،‭ ‬بل‭ ‬أنّه‭ ‬لا‭ ‬زال‭ ‬يُشكل‭ ‬عنواناً‭ ‬عريضاً‭ ‬لبكائية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬لها‭ ‬أن‭ ‬تغفل‭ ‬ذاكرته‭ ‬عن‭ ‬تذكرها،‭ ‬أو‭ ‬تطبق‭ ‬جفونه‭ ‬عن‭ ‬تساقط‭ ‬الدموع‭ ‬ألماً‭ ‬لما‭ ‬حدث‭!‬

انه‭ ‬الوطن،‭ ‬الذي‭ ‬يبكي‭ ‬العالم‭. ‬نعم،‭ ‬إنّه‭ ‬وجع‭ ‬وطن‭..!!‬

صحافي‭ ‬سوري‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬النمسا

مشاركة