سهى الجميلي إنموذجاً.. إيهام الشكل وألق اللون

سهى الجميلي إنموذجاً.. إيهام الشكل وألق اللون

علوان السلمان

.(الفن اكذوبة يراد منها رؤية الحقيقة)..على حد تعبيربابلو بيكاسو..بصفته تفسير المفاهيم الحياتية والوجودية برؤية تتجاوز المألوف لتحقيق فضاءات جمالية مستفزة للذاكرة عبر ادوات فنية وتكنيكية ترتبط بالمكان وجزئيات الحياة وظواهرها اللونية والشكلية التي يوظفها الفنان المنتج في عمله الفني الذي هو ابداع مرئي موجه الى الادراك الحسي ليمارس وجوده وسلطته على المشاهد.. كونه يمتاز بتملكه قدرات جمالية تتمثل في المكونات البصرية والرمزية التي تتشكل عبر بنى تعبيرية يحققها المنتج(المبدع) ببصماته المادية التي تعبر عن مواقفه وانفعالاته وافكاره باعتبار الابداع(اختلاق محال باختراق الحال) والذي وثقه المعري بقوله:

وليس على الحقيقة كل قولي

   ولكن فيه اصناف المجاز

  لذا فاللوحة التشكيلية خلق متجاوز بمهاراته اللونية وتكويناته الشكلية عبر لغة ومواصفات حسية محققة للقيم الجمالية والمعرفية الناتجة من وعي المنتج التشكيلي الذي يحقق الفعل الانساني القائم على مخاطبة الحس والعقل..

فالتشكيل بكل مكوناته استنطاق لمكنون الذات  وغوص في الذاكرة بكامل تمفصلاتها للتعبير عن مختلف انماط التفكير والوجود الانساني في جميع تمظهراته واشكاله..

  والفنانة سهى الجميلي بلوحاتها اللاهثة وراء تلمس مواطن الجمال وبواعثه تنوي تحرك ذهن المتأمل والاسهام في نبش خزانته الفكرية لاستنطاق ما خلف المشهد اللوني الدال..الذي يحققه الفن البصري(التشكيل)..باستخدامهاللون من اجل اقتحام بصر وبصيرة المستهلك(المشاهد) لتحثه على قراءة التكوينات اللونية وعلاقتها الجمالية مع بعضها واثرها النفسي.. فضلا عن ادخاله لعبة التأمل البصري الذي يتعمق فيها الوعي..من خلال تحليل الكتل اللونية واستنطاق رموزها المبثوثة بدقة هندسية محسوبة  ومتميزة ببنائها الفني ووعيها الاسلوبي للمفاهيم الانسانية التي تجسد تناغمات لونية متناسقة بتدرجها..نابضة بالحياة وما فيها من معان انسانية وترميزات كاشفة عن اعماق النفس بتوهج الوانها واكتنازها بالمضامين التي تعالج رؤيتها للحياة والكون بخلقها لجماليات تحتضن بين جوانحها ايحاءات فنية وتصورات انفعالية متزنة من حيث الكتلة اللونية التي يحتضنها الامتداد الدال على النقاء ببياضه..والمحرك للاحاسيس الانسانية..مما يكشف عن وعي ذاتها وتحقيق الرؤية الروحية وما تمنحه من معنى انساني بلغة فنية تتناغم ومفردات حياتية تعبيرية كالمجاز والرمز من خلال الوان تمنح اللوحة بعدا تعبيريا وجماليا بتدرجاتها المنتقاة حسب رؤيتها للاشياء والكون..فتقدم لوحات تشكيلية مكتظة بالقيم الجمالية المتحققة عبر الخط بانثناءاته واللون بتجلياته الفيزيائية التي تكشف عن تميزه بالنقاء والصفاء المشكلين لمجسات روحية تسجل لحظات الانفعال والتوتر التي يعيش لحظاتها المنتج(الفنان).. اضافة

الى ارتباطها الجدلي بالبيئة وتحقيقها لحركة درامية مستقرة في وحدة مؤطرة باطار الحياة بتداعياتها اللونية التي مزجت بين الذات والموضوع بتشكيل يتعلق بالمعطيات الثقافية ببعدين متداخلين هما:البعد البنيوي والبعد الفضائي..محققة قيمة ومتعة جمالية وتأثيرات حسية ووجدانية وايحائية وانطباعية ونفسية وواقعية في الذات الجمعي الاخر.. كون لوحتها تركن ما بين ايهام الشكل وألق اللون وتوهجه..فضلا عن انها تعكس طقوسا روحانية منبعثة من فضاءات اللون وتجلياته تشكيليا وتقنيا.. فكانت عالما متجاوزا..متشكلا بملامح لا تبيح نفسها لمبصرها بسهولة..بل تستدرجه للكشف عن المقاصد الراكنة خلف عوالمها والقيمة الفنية المشكلة لها..من خلال تنازعها الالوان الحارة والباردة(الاصفر الدال على الامل بتدرجاته)و(الاخضر ببعده الرمزي الدال على الخصب والنماء والحياة المتجددة بتدرجاته)و(الازرق الرامز الى اللون المائي والسماء الصافية والباعث على الاسترخاء وتدرجاته)..والتي تمنح اللوحة بعدا تعبيريا وجماليا رامزا..محركا للاحاسيس الانسانية مما تدفعها الى وعي ذاتها وتسجيل لحظتها الانفعالية التي تعد عنصر الابتكار في لوحاتها التي تتخذ من جمالية اللون مرجعية لها مما ادى الى وقوع لوحاتها تحت مصاف التكوينات اللونية التي تتخذ من الطبيعة زادا لها والطيف الشمسي وجودها..وهي تخضع تحت تاثيرات نفسية لخلق مكوناتها التشكيلية بلونية فنية بارقة  وتناغم موح بتجاوزها الالوان والاشكال التقليدية لتنتج انطباعات حسية خارج المالوف في الرؤية والتشكيل..لاهتمامها بالحس اللوني المقترن بالطبيعة والوجود الانساني..لترفد اعمالها برؤى متعددة  في اسلوبها الصياغي وخطابها الايقوني وهي تتحرك ضمن منظومة تتنوع  في ايحاءاتها اللونية والاشارية بضربات هادئة مستلة من البيئة والمحيط وفق نظرة هندسية تعني بادق التفصيلات للحصول على بانوراما لونية تستفز المتأمل وتحرك ادواته الفكرية والحسية لدراسة التمازج اللوني الذي يمنح اللوحة طاقة دينامية بكثافته اللونية التي شكلت عاملا مؤثرا في جمالية اللوحة التي كشفت عن روح فنية تجريدية حداثية لها دراية بالعناصر التشكيلية والمفردات الجمالية التي توظفها مع تركيز على الشكل والاسلوب بعيدا عن التصويرية الفوتوغرافية الواقعية..لخلق معالم فنية وقوالب تشكيلية تختلط فيها الالوان والاشكال..تعبر عن تمردها على الحدود التقليدية(الفضاء/شكل الخطوط/المساحات الفارغة/التناغم اللوني..) فكانت سيميائية اللوحة عندها لاتشير الى رمزية اللون فقط بل تشير الى  حسية موحية..

وبذلك قدمت الفنانة الجميلي لوحات تشكيلية تكشف عن اشتغالاتها على التعددية اللونية مع الابقاء على الخطية بتشكيلاتها الوهمية والشخوص برمزيتها الضبابية..فحققت في افعالها التعبيرية وجودها الفني من خلال رسوماتها الايحائية التي اسهمت في اثارة الحوار الذاتي(المنولوجي) لدى المشاهد وتنمية الوعي من خلال استحضار الشكل واللون والتركيب والبناء والرموز اللونية التي شكلت عندها معادلا استعاريا ورمزا تاويليا..