سنغافورة  وبناء المستقبل – دهام محمد العزاوي

200

سنغافورة  وبناء المستقبل – دهام محمد العزاوي

الذي يزور سنغافورة ويقرأ عن تاريخها وكيف نشأت وتطورت سيندهش سريعا لاليات التطور والانقلاب السريع في محركات النمو ومستوى الحداثة التي صنعها مؤسس الدولة رئيس الوزراء الراحل لي كوان يو ، الذي يعتبره السنغافوريون ابو سنغافورة وباني نهضتها .

لقد تهيأت لي فرصة كبيرة لزيارة سنغافورة في 2017 ضمن ورشة علمية نظمتها وزارة الخارجية في سنغافورة حول دور الدين في المجتمعات المتنوعة ، وحفزتني تلك الرحلة للاطلاع عن كثب على تجربة تلك الدولة الاسيوية الصغيرة في بناء ذاتها بعد ان كانت دولة مأزومة في وحدتها السياسية والاجتماعية وعاشت واقعا متخلفا ومنقسما في ظل غياب رؤية سياسية فانقلبت في عقود قليلة الى دولة موحدة وذات موارد فائضة ورؤية تنموية ابهرت العالم حينما اتجهت لاعادة تعريف هويتها الوطنية وحفزت قدرات الانسان لديها بالعلم والمعرفة وتطبيق العدالة والمساواة على الجميع وتبني اجراءات حازمة لمحاربة الجريمة والفساد حيث تعد اليوم في مقدمة دول العالم في مؤشرات التنمية البشرية والصناعية وتطبيقات التكنولوجيا والحكومة الالكترونية والطاقة النظيفة والصناعات المتطورة وهي اليوم اكبر المراكز المالية والتجارية في العالم وتضم اكبر مصانع بناء السفن في العالم وثالث اكبر موقع لتكرير النفط في العالم .

وقد اختيرت في 2004  ضمن العشرة الأوائل الأكثر تقدمًا على مستوى الأسواق المالية عالميًا، وجاء هذا الاختيار ضمن تقرير المنافسة العالمية للملتقى الاقتصادي العالمي، ولديها احتياطي عملات أجنبية يتخطى حاجز الـ 60 مليارًا، وتعد الولايات المتحدة واليابان وماليزيا والصين وألمانيا وتايوان وهونج كونج من أبرز شركائها التجاريين ، وأصبحت أحد أسرع مراكز إدارة الثروات نموًا في العالم، حيث  اعلن البنك المركزي السنغافوري في نهاية عام 2013 أن حجم الأموال المدارة عام 2012 يصل إلى (1.29) تريليون دولار أمريكي .

ان قراءة تاريخ سنغافورة يبين انها بقيت ردحا من الزمن موطنا للعاطلين عن العمل زمن الاحتلال البريطاني و بسبب فقرها وانقسامها الاثني وندرة مواردها تم طردها من الاتحاد الماليزي عام 1965.

قطع علاقات

وحين تبحث في تاريخ هذا الدولة الصغيرة سيدهشك كيف ان رئيس وزراءها (لي كوان يو) ، قد بكى امام البرلمان حينما طردت بلاده من الاتحاد الماليزي ، وقطعت العلاقات معها. لقد اعتقد لي كوان يو ان بلاده في تلك اللحظة التاريخية لا تتحمل الاستقلال وليس بمقدورها ادارة ذاتها فخرجت المظاهرات في ارجاء البلاد طالبة العودة الى ماليزيا وبسبب نقص الخدمات والموارد فقد انتشر بعد الاستقلال الفساد المادي والاخلاقي وانتشرت الجرائم والسرقة وعمت الفوضى السياسية والاجتماعية ارجاء البلاد . ولكن تبقى اادة الانسان اقوى من كل الظروف المحيطة فقد تمكن لي كوي و من فرض سياسات صارمة وطبق اصلاحات اقتصادية واجتماعية وسياسية انعكس بعد سنوات على حال البلاد ومستوى النمو فيها ، فقد اتجه لي كوان يو الى الانسان السنغافوري المتخلف وسعى الى اصلاحه بالعلم والمعرفة والانفتاح على الخارج المتقدم وبفضل الانسان المتعلم والممكن استطاعت سنغافورة النهوض بواقعها المتخلف الى واقع قوي جعلها بعد عقود في مصاف الدول المتقدمة في مجال التعليم والصحة والبيئة والاندماج الاجتماعي والاستقرار السياسي.

ان دراسة نموذج سنغافورة التنموي وكيف استطاعت ان تشق لها طريقا فريدا في التنمية والتطور الاقتصادي ، يشكل اداة فاعلة لدراسة مسارات النهضة التي ينبغي للدول المأزومة سلوكه للنهوض بواقعها السياسي والاقتصادي والاجتماعي ، واول الدروس المستفادة من تجربة سنغافورة هي ان التعددية المجتمعية وانقسام الهويات ليست سيئة بالمطلق اذا تمكن القادة السياسيون من ايجاد نظام وطني توافقي يقوم على المساواة والعدالة في توزيع منافع السلطة بعيدا عن اي انحيازات ايدلوجية ومصالح سياسية .

قوة شخصية

كما ان نهضة سنغافورة لم تكن تتحقق بشخصية الرئيس لي كوان يو وقوة شخصيته وانما برؤيته التنموية والاصلاحية ، فقد يكون الرجل مارس في بعض مراحل حكمه نوعا من القسوة حيال معارضيه ، الا ان سياساته  التنموية على الصعيد الاجتماعي والسياسي والاقتصادي وقضاءه على الفقر والامية والبطالة ومحاربته الفساد وتطبيقه للقانون على الجميع وبلامجالة وسعيه لتحقيق انسجام وتلاحم بين فئات المجتمع السنغافوري كان لها اثرها الواضح في نهضة سنغافورة خلال ثلاثة عقود فقط ، ولاشك ان اهم درس يمكن الاستفادة منه هو ان وصول رجل دكتاتوري ومستبد الى السلطة قد يكون يكون سببا لمزيد من التصدع السياسي والانشقاق الاجتماعي مالم يترافق مع رؤية تنموية لذلك المستبد تسعى الى انتشال البلد من حالة الانقسام السياسي والاجتماعي الى مرحلة التطور والتنمية في كل المجالات.

ان تجربة سنغافورة المنقسمة والفقيرة الموارد والمشرذمة القوى والتوجهات تقدم دليلا على امكانية نهضة الشعوب والامم التي تعاني من الانقسام واستفحال المشكلات الداخلية اذا ماتوفرت لها شروط النهضة من قيادة تنموية وانسان ممكن ومتحرر من أي عقد نفسية ورواسب اجتماعية فضلا عن طاقات علمية خلاقة تقود البلد نحو التنمية والتقدم الصناعي والانساني ، وهذا بلاشك منهج واضح وشرط ثابت في تقدم  الامم ونهضتها فمن سنن الله في خلقه انه عندما تغرب الفكرة يبزغ الصنم كما يقول مالك بن نبي والعكس صحيح حينما تتوافر الامة على مقومات العلم والابداع فان طريق الجهل والتخلف والانقسام يكون قصيرا .

مشاركة