سميرة المانع تسرد سيرة السابقين واللاحقين

344

سميرة المانع تسرد سيرة السابقين واللاحقين
صورة من الحياة بعيداً عن بلاد الوجع
شكيب كاظم
يوم قرأت مجموعتها القصصية الغناء كتبت عنها حديثا نقديا نشرته جريدة المرفأ الاسبوعية، التي كان يشرف عليها ويتولى رئاسة تحريرها الاديب الكاتب احسان وفيق السامرائي، قبل ان تطيح به يد الايام العراقية القاسية، نشرته المرفأ البصرية بعددها الثامن والعشرين الصادر يوم السبت 19»جمادى الاولى»1397 الموافق للسابع من مايس»1977، وكنت مهتما بأدب القاصة والروائية العراقية المغتربة سميرة المانع، فضلا عن اهتمامي بمنجز زوجها الشاعر صلاح نيازي، منذ اصداره قصيدته الرثائية الطويلة بكتاب عنوانه كابوس في فضة الشمس ، خريف عام 1962، وهي رثاء رمزي لشقيقه الذي تعرض لحادث مؤسف أودى بحياته، لذا ما ان عثرت على روايتها السابقون واللاحقون الصادرة طبعتها الاولى عن دار العودة بيروت، حتى اقتنيتها وقرأتها لزيادة التعرف على هذا الصوت الروائي العراقي.
تبدأ الرواية بطيئة متثاقلة، وتصفعنا صفحتها الاولى باكثر من غلط نحوي ولغوي وتعبيري، فالروائية لا تفرق بين الجثة والرفات قائلة توقف المصعد عن الانحدار، وخرجتا سالمتين، كان جواز سفر المتوفي مغلقا في يدها، لم تفتحه بعد، عنوان المستشفى الذي يوجد رفاته فيه، وعشرة شلنات أجرة تسجيل الوفاة في لندن … وسوف تتكلم معه بالانكليزية التي يجهلها كجهله الكلام مع النساء، الذي نساه يوم ان بلغ سن المراهقة، ونساه كلية حين وصل العشرين و.. ص5،6.
كما لا توجد في اللغة نساه بل نسيه، لكن الرواية لا تلبث ان تتألق وتتوهج، لتبث في نفسنا الثقة، اننا ازاء عمل روائي جدير بالقراءة، وجدير ــ كذلك ــ بحديث نقدي، فليس من العدل ان نقرأ هذه الرواية، من دون الوقوف عندها وتحويل أنظار القراء اليها.
الرواية السابقون واللاحقون سرد لحال عدد من منتسبي السفارة العراقية في لندن في عقود خلت، ومحاولة قرض الرصانة التي اتسمت بها مؤسسات الدولة العراقية، قبل الانقلابات التي عصفت بالحال العراقي، ومنها وزارة الخارجية ودقتها في اختيار السفراء والقناصل والملحقين، فهذا الملحق التجاري، الذي أطلعتنا الروائية على جزء من اسمه، وكان موظفا كبيرا في وزارة الاعلام، وكاتبا جيدا، لكن غضبة من غضبات المسؤول الكبير، الذي لا يجرؤ احد على مناقشته وابداء الرأي ازاء غضباته التي لا تكاد تنتهي، قد طوحت بهذا الاديب الكاتب الذي لا يفقه من أمر التجارة شيئا، والأدهى والامر، ان الملحقية التجارية قد اغلقت أبوابها، وأنهت اعمالها، بسبب حرب حزيران عام 1967، ومقاطعة العراق للبضائع البريطانية، فلا يبقى امام هذا الملحق التجاري، الغريب عن عوالم البيع والشراء، ولا يعرف سوى القراءة والكتابة، لم يبق أمامه سوى تدخين السكاير، والتفتيش عن انثى تسد بعض فراغه، وهو غير الموفق بزواجه، وغير السعيد به.
تسأله
وما عملك في السابق؟
ــ كنت بعيدا عن وزارة الخارجية فابعدت اليها. … كان شاحبا مضطربا استغربت في سرها منه، لِمَ أبتدأ في بثها هما ويطلعها على شأن ليس من شؤونها.؟
ــ ايام الشباب، كنت أحب ان ارسم واكتب الشعر، شعر رديء بلا شك، غير الموضوع ضاحكا بخفة ومرح.
لقد دخل حب منى الى قلبه المُصَوِّح المجدِب من المحبة رويدا رويدا حتى انه كان يفتعل المناسبة للدخول الى غرفة الموظفتين ماركريت ومنى، بحجة البحث عن شخاطة لسيكارته، لا بل انه كان في بعض الاحيان يفتح باب غرفته المطلة على منى المنهمكة باعمالها.
ــ هل فيكما من تدخن؟
ــ فتح باب الغرفة وأطل مستر مناف متطلعا في الوجهين يريهما سيكارته المطفأة.
أفي هذه الغرفة نار؟
إبتسم وهو عابر
ــ نار أجل.
تحركت ماركريت كي تسعفه بالولاعة
ــ خذها معك، انا لست مدمنة على التدخين، ساحتاج اليها بعد.. ص 92
لكن منى كانت مرتبطة بسليم، الذي يرغب بالعيش معها من دون تواقيع واختام لان الزواج كما يقول يقتل الحب.
وتتألق الروائية سميرة المانع، وهي تمازج بين لقاءين لبطلة روايتها منى مع صديقها سليم الذي يرغب العيش معها من دون اختام رسمية وهما يرتشفان القهوة التركية في غرفته، الذي ظل يدلق عليها آراءه المتأثرة بثقافة الغرب وطرق معيشته، ومن ثم تمازج هذا اللقاء بما يعرف بتيار الوعي مستذكرة لقاءها مع مستر مناف في أحدى حفلات السفارة التي تقيمها لموظفيها بعد انتهاء احد الاعياد الدينية، حتى ليصعب فك اشتباك الحدثين ومعرفة كنه الحوار ولمن يعود، ألسليم ام لمستر مناف؟
ــ مصيري يختلف عن مصيرك.
ــ اتتزوجينني منى، سأحارب العالم
كانا واقفين في أحدى الحفلات التي تقيمها السفارة للموظفين بعد انتهاء أحد الاعياد الدينية.
ــ انت متوهم، انت لا تحبني، وانما تستعيد فيَّ شيئا.
ــ اتعتقدين ذلك؟
ــ حقا.
ــ طيب لا تثقي بي.
ــ شُغِلَ، او بدا مشغولا طيلة الاصح طوال الحفلة عنها، غاضبا او لائما، حانقا او متكدرا، شيئا تدريه، ليتها لحقت بقطار ما، يأخذها الى مكان هاديء، باختصار الى غرفتها، وليس الى كمبردج.
ــ سأتزوجك عند رغبتك فقط، والا لماذا، انت لي وانا لك، اليس هذا زواجا؟
لماذا تشركين الاختام الرسمية؟
كان سليم يحاججها في أحدى المرات، وهما يشربان القهوة التركية في غرفته، لقد أثرى افكاره بآراء مبتكرة نتيجة اتصاله العميق بأوربا.
ــ يحتاج المتزوج الى كثير من الرومانيكية لكي يستمر الحب.
ــ وانت؟
ــ انا ابغضها.
أمسك ذراعها ووضع كفيها بين يديه.
ــ هذه اللمسة لن تشعري بها بعد الزواج، ستكون مثل جس الطبيب، وكأني انظر في موضع جرح سببته لك سكينة المطبخ، هذا كل شيء اتفهمين؟
كانت تغمض عينيها ليلا، واقعيته التي تعجبها كانت ترهبها احيانا، تقف عاجزة ملهوثة وفي اضلاعها خوف كبير، متى تراه في المرة القادمة؟ كيف تناقشه؟ وكيف ينتصر او تنتصر؟ وهذا ما تريده زوجته، الرجل المتزوج والفنان الفاشل، الذي تراه قادما من الصحراء ممتطيا فرسه، كشاعر من العصر الاموي، جالبا الوفاء لحب قديم… ص 111 ــ 112.
لقد تألقت الروائية العراقية المغتربة سميرة المانع في هذا النص، الذي زاوجت فيه بفنية عالية بين الواقع المعيش، وتيار الوعي او انثيال الافكار، الامر الذي يحتاج الى قارئ نبيه لسبر اغوار النص.
اكثر من مرة، ذكرت الروائية، اسم هذا الملحق التجاري، مما أدى الى منع الرواية من التداول سابقا، لكنها في النهاية تتعمد ذكر اسمه واسم ابيه، ترى مَن يتذكر هذا الاديب الكاتب، الذي طوحت به الايام وابعدته الى وزارة الخارجية والى الملحقية التجارية بالسفارة العراقية بلندن ذاتها، منتصف العقد السبعيني من القرن الفائت. من؟
وفي الممر أخبرتها ــ ماركريت ــ وهي تسير راكضة باتجاه المصعد
ــ منى، لقد سأل عنك مستر ــ مناف ــ كتب ورقة لك، تجدينها فوق المنضدة.
ــ شكرا جزيلا.
هرعت للغرفة
جئت لكي أراك، أفتقدك .
أحمد
/4/2012 Issue 4184 – Date 26 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4184 التاريخ 26»4»2012
AZP09

مشاركة