سمو الشخصية ومعانقة الذاكرة – اضواء – علوان السلمان

سقوط سرداب تجذب الفكر الإنساني

سمو الشخصية ومعانقة الذاكرة – اضواء – علوان السلمان

   السرد الروائي(محاولة لخلق مرآة من المرايا يستطيع الروائي من خلالها رؤية وجهه..) على حد تعبير كولن ولسون..

  ورواية السيرة الذاتية(الجنس الحديث على الفنون الادبية) استطاعت ان تجذب الفكر الانساني للحقائق وتحدد تشوقه للخيال..لذا تعد الشكل الابداعي  الامثل لتوثيق الفضاء الزماني والمكاني..فضلا عن قيمتها الادبية والفكرية التي تحول التاريخ الذاتي والموضوعي الى افق يتجاوز مجالات البوح والاعتراف بتحويل السرد الى وعي لادراك الوجود والمحيط بالراوي..المنتج..

   و(سقوط سرداب)النص الروائي السيري الذي نسجت عوالمه انامل مبدعه المغترب نوزت شمدين واسهمت المؤسسة العربية للدراسات والنشر في نشره وانتشاره/2015.. بابوابه التي تبدأ من ذروة الحدث مع تجاوزه وتخليه من العنوان الاشاري..فالعنوانات المنفردة والمركبة(الهبوط الى السرداب/الحرب/افتح يا سمسم/الطوفان/رسالة اب/ثورة داخل سرداب/سقوط سرداب)..كونها تعتمد الذاكرة التي تعني الحركة السائدة في قيم المنتج الفنية والموضوعية..لذا فهي مرتبطة بحركة الزمن وفاعلية الحياة..كون الزمن  فعل متدفق بالحركية داخل النص لتحقيق المشاهد السردية باسلوب درامي مفعم بالجرأة والدهشة والتشويق وهي تسجل الصور التاريخية للاحداث وترصد محنة المكان..

  (لم يكن اختبائي في السرداب صدفة حياتية طارئة او نزوة شاب قرر فجأة العيش في قلب الظلام..بل كانت خطة طواريء محكمة وضعتها امي ارملة الشهيد الخائفة على وحيدها بين خمس بنات..وسعيها من اجل انشاء مملكتي السردابية بدأ لحظة ان سلمتها صيف 1986 شهادة تخرجي من الاعدادية عن الفرع الادبي بمعدل95 ونص..فمنعت ساكني المنزل جميعا من الاقتراب من الممر الطويل المؤدي الى باب السرداب الخشبي بحجة عدم مضايقة روح المغفور له والدنا الذي اختار سرداب البيت برزخا يستريح فيه..) ص7..

   فالنص يتخذ من تقنية الانزياح الحاد في البناء النفسي للاحداث مما يجعل من آلية السرد عملية مركبة..صادمة ومشوقة باعتماد المنتج على الذاكرة التي تغني انسياب حركة الزمن عبر دينامية التفاعل ابتداء من العنوان..الكتلة النصية الموازية..الدالة على ارتباط المتخيل بالواقع والمتن بالمكان المحددة ملامحه في النص.. الذي فرش روحه على الوجه الاول للغلاف وهو يعتلي لوحة بصرية تكشف عن ممر سردابي رامز للهروب من الحياة..والتي تتعالق دلالته السيميائية المختزلة لحركة النص والمفتاح الاجرائي له وقد اعتلاه اسم المنتج لتاكيد عائدية الاحداث السيرية..وجنس العمل الادبي(رواية) ونحن نرى انها سيرة روائية لانحسار مستلزمات الفضاء التخييلي للسرد..بقصدية ملائمة للمتن النصي المنتفض ضد مظاهر التسلط والتعبية.. متمثلا بـ(ثائر) الذي شكل بؤرته الفاعلة والمتفاعلة مع الشخوص والاحداث التي يشكل السرداب انطلاقها المكاني الجزئي الذي يشغله وجود بشري مغترب (اسم على مسمى) اذ انه(ثائر متمرد على الواقع ونفسه التي يحكم عليها بالاعدام فيدفنها وهي على قيد الحياة..واشياء تكشف عن فعلها الاعلامي(الكتاب/ماتجود به الام من اخبار/الراديو الترانسستوري الذي حمل ظلال الامل عبر الضوء الاحمر المنبعث من مصباح صغير ملتصق على واجهته الامامية وساعة منضدية دلالة الزمن المفقود واللامنتج..

(وعلى جدار الحجرة الخشبي علق مصحف موضوع داخل كيس قماش اخضر اللون بجواره علقت حقيبة جلدية سوداء فيها راديو نوع ناشيونال با ناسونك وساعة منضدية سوداء بلا منبه لا يتجاوز حجمها علبة سكائر مرمية على الارض بلا اهتمام..) ص35..

  فالكاتب يحاول التوفيق ما بين شغفه بالحقائق وحنينه الى الخيال عبر سيرته الذاتية التي تعد الشكل الاكثر توثيقا للفضائين الزماني والمكاني فتكشف عن عمقهما مع اعتماد آلية السرد الاسترجاعي التي تقوم بتفعيل عمل الذاكرة وشحنها بطاقة دينامية فاعلة ومتفاعلة..لتكون منطلقا لمنجزه الذي تميز بتنقل السرد  ما بين الواقع الذي يشكل المحيط الاجتماعي والتاريخي والبيئي والمتخيل المركب(ظاهر ومضمر)..اضافة الى اتكائه على وجود المرأة فعلا ووجودا مؤثرا..كما في ياسمين التي كانت فعلا مضافا للام بتمثيل الحب العذري الذي ظل يعيشه(ثائر) كذاكرة تؤثث تفاصيلها من جانب واحد ومن بنية مكانية(كلية القانون)..

( استغربت امي كيف انني كنت احدثها بكل صغيرة وكبيرة عن حياتي الجامعية احداثا وشخوصا واغفلت زميلتي ذات العيون الخضر والوجه المستدير مثل قمر..احسست بجسمي يرتفع عن الارض وشيء ما يدفعني بقوة نحو امي للتاكد ان ما يجري ليس جزء من حلم..

ـ ما اسمها..؟

ـ فردت بقلق..

ـ ياسمين    /ص126

  فالنص يتميز بتعالق الزمن الواقعي مع الزمن السردي بمبنى يكشف عما هو مضمر في الواقع عبر تداعيات الشخصية فكان نصا رؤيويا وتسجيليا لواقعية الاحداث وهواجس الانسان المتصارعه باتخاذه من (ثائر) بؤرة للسرد الذي تبدأ رحلته مع الذاكرة التي توثق تاريخ مدينة ابتداءا من حرب الثمانينيات حتى الاحتلال..فشكل تجربة ذاتية تتشابك في بنائها عدة عوالم نصية انحصرت في(نص السيرة ونص الرواية ونص الوثيقة)..فكشف عن مرحلة تاريخية عبر اليوميات المكتظة بالفواجع والانكسارات النفسية بمهارة اسلوبية ولغة يومية بعيدة عن التقعر..

(كان علي ان ابقي حواسي متيقظة وغريزة الخوف بداخلي على استعداد دائم لما هو سيء..فاي صوت مهما صغر كان يشكل بالنسبة لي تهديدا فاقرفص مذعورا وقلبي يدق بعنف..الاصوات الخارجية ولا سيما في المساء كانت كفيلة بابقائي في حالة تأهب قصوى لمدة طويلة مع اذنين تعملان مثل رادارين والاصوات النهارية لباعة النفط الابيض والغاز والخضر والعتيق واذان الجامع وخطبه كانت تشدني بخيوط غير مرئية ولا تفلتني الا مذعورا ومشتتا وموسيقا صور من المعركة تعزف في راسي مثل شريط تسجيل لا يتوقف..) ص29..

   فالنص حوار داخلي(منولوجي) مع تجاوز الحدود الفاصلة بين الاشكال الادبية على حد تعبير والترنيامين..وتوظيف الضمير المعبر عن الذات(الانا) المهيمن على البناء النصي واعتماد تقنية الاستذكار(احداث ماضية)في زمن سردي سيري حاضر وهي في سجنها الانفرادي الدال الرمزي على دفن النفس وهي على قيد الحياة.بالرغم من برائتها بسبب تحسسها رعب السلطة ورصدها للانهيارات عبر اصوات الانفجارات وما يجود به الراديو الترانسستوري وحضور الام الاسبوعي..

  وبذلك قدم الكاتب نصا سرديا سيريا لذاته بتوظيف ضمير المتكلم الممسك بحركة الاحداث والوصف فكشف عن ذاكرة مكتظة بالصور والانفعالات والاحداث باعتماد الحكي الاستعادي النثري المتسم بالتسلسل في سرد الاحداث التي عاشها فاعلا ومتفاعلا فيها مع الافادة من آليات السرد الاسترجاعي  بتفعيل عمل الذاكرة وشحنها بطاقة استنهاضية داخل حقلها السيري لتطوير النص ودعمه والذي يبدأ بالسرداب..(لم يكن اختبائي في السرداب صدفة حياتية طارئة او نزوة شاب قرر فجأة العيش في قلب الظلام..) ص7..وينتهي به(سلمت جسدي بجاذبية السرداب التي سحبتني اليه باشتياق فهبطت الدركة الاولى والثانية..توقفت في الثالثة والتفت الى امي المتسمرة خلفي مع اخواتي..ازحت الشعر عن وجهي قليلا وقلت لها بصوت فيه غلظة:

ـ اغلقيه ورائي   /ص172ـ ص173

  وما بينهما تسبح المحطات والمواقف التاريخية التي يوثقها الكاتب كشاهد عيان برؤى وافكار مستوحاة من واقع مأزوم فيه يتعالق النفسي الواقعي والمكان الواقعي بشقيه(المغلق والمفتوح) الذي يتصف(بشبكة من العلاقات والرؤيات ووجهات النظر التي تتضامن مع بعضها لتشكيل الفضاء السردي الذي لا يتحقق الا من خلال حركة الشخوص فيه وتفاعلها معه..)..والزمان المؤثر الفاعل في دلالات السرد الذي يوظف تقانات تبرز تعدد الازمنة منها:الحوار الذاتي(الداخلي) وتقنية الاسترجاع والتضمين العامي الكاشف عن الانتماء البيئي(يلا افرشولو بصدر الايونا…مات العدو اصفرت الوانا..فرشنالو ال ثائر وهلهلنالو..فرشنالو ال ثائر وهلهلنالو..وبخبيش من امو جانا)..ص160..اضافة الى الوصف والمشهد واحداث وشخصيات واقعية بعيدة عن التسجيلية وقريبة من الواقعية السحرية التي تسمو بشخوصها التي تعانق الذاكرة والوجدان بانفعالها واقتناصها الاحداث وتبلورها وتحويرها الى كينونة لغوية تحيلها من الواقعي الى الجمالي في اطار بنية سردية سيرية تقوم على (الزمان والمكان والشخصية والحدث واللغة المتفاعلة مع عوالمها..)..