سلّوم يوثّق أضرار تسونامي داعش ضد المسيحيين

760

تقرير دولي شامل يتطرق للإنتهاكات في العراق

سلّوم يوثّق أضرار تسونامي داعش ضد المسيحيين

سامر الياس سعيد

صدر عن مؤسسة مسارات للتنمية الثقافية والاعلامية في بغداد تقرير شامل باللغتين العربية والانكليزية عن انتهاكات حقوق الاقليات حمل العنوان التالي (في مهب الريح : اقليات العراق بعد تسونامي داعش)، وبلغ عدد صفحاته : 144صفحة ليكون بذلك وحسب المؤلف الرئيسي الاكاديمي المتخصص بالاقليات (سعد سلوم) “التقرير الاشمل في توثيق الانتهاكات وهو التقرير الاول في سلسلة تقارير سوف تصدر تباعا كل ثلاثة اشهر لتوثيق مأساة الاقليات العراقية بعد الاحداث الدامية التي اعقبت اجتياح تسونامي داعش لمحافظة نينوى واجزاء اخرى من العراق”

وقد خصص التقرير مساحة كبيرة لانتهاكات حقوق المسيحيين، وحسب سلوم فإن مقاربة التقرير سعت للإشارة الى انتهاكات داعش الاجرامية الموثقة من قبل جهات دولية ومحلية عديدة، الا انها بالدرجة الاساس ركزت على توثيق الانتهاكات من قبل الاطراف الاخرى داخل البلاد، لاسباب عديدة منها : انه حتى قبل احتلال داعش الذي هدد التنوع في مناطق الاقليات كان وضع الاقليات في العراق في خطر، وما يزال وضع الاقليات في مناطق العراق المختلفة غير مستقر ومهدد بشكل اساسي، والانتهاكات لحقوق الاقليات وتهميشهم مستمر في النواحي الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وقد اضافت جرائم تنظيم داعش تعقيدا على وضع معقد بالاصل. وثانيا : ان التفكير في مرحلة ما بعد داعش، يستدعي اعادة بناء للثقة على مستوى (اجتماعي /افقي) بين الجماعات الاثنية المختلفة، وعلى مستوى (سياسي/عمودي) بين الافراد والنظام السياسي، و لا يمكن تصور وضع خطة اعادة بناء الثقة دون وضع حد لإنتهاكات حقوق الاقليات وتوفير خطة لإنهاء السياق السياسي والاجتماعي والثقافي الذي يسمح/أو يشجع على التمييز ضد الاقليات. كما يؤكد سلوم ان إعادة بناء دولة المؤسسات يتطلب التأكيد على مبدأ سيادة القانون من اجل تعزيز المواطنة على صعيد الافراد وتعزيز التنوع على صعيد المجتمع وتصميم (سياسات لإدارة التنوع) تقوم على قوة وجذور تاريخ التنوع في العراق واستعداد النخب السياسية لتقبل اصلاحات جذرية ومنهجية لمقاومة التمييز وحماية حقوق الاقليات.

تناول التقرير بشكل مفصل انتهاكات حقوق المسيحيين، واشار فيه الى تهديد الوزن الديموغرافي للمسيحيين، فمن اصل مليون واربعمائة الف مسيحي قبل العام 2003 لم يتبق اليوم سوى 250-300 الف مسيحي، والرقم الاخير مهدد بالذوبان التدريجي بسبب الهجرة اليومية.

هجمات داعش

ويؤكد التقرير ان المسيحيين ما يزالون يعيشون في خوف في مناطق اخرى من العراق على الرغم من عدم تعرضها لهجمات تنظيم داعش، اذ يتعرضون لانتهاكات تطال سلامة الافراد، وعقاراتهم تتعرض للاستيلاء غير القانوني، كما تستمر مظاهر التمييز ضدهم وعلى نحو يهدد من تبقى منهم ويجبره على الهجرة.

ومن امثلة انتهاكات حقوق المسيحيين في الحياة وسلامة الافراد والتي تمثل عنفا واستهدافا لم يتوقف حتى بعد ما ارتكبته داعش من انتهاكات لا يمكن تخيلها، ومن ابرز الانتهاكات في التي يوثقها التقرير : عودة حالات الخطف للمسيحيين، والاستيلاء على عقاراتهم، الامر الذي ينضم الى أثر انتهاكات داعش في تهديد ما تبقى من الوجود المسيحي في البلاد.

وتتوفر شكاوى عديدة لمؤسسة مسارات خلال السنوات الخمس الماضية تم تلقيها من قبل مسيحيين في بغداد توثق لحوادث ضد المسيحيين يقف خلفها اناس عاديون ركبهم الطمع في الاستيلاء على ممتلكاتهم جيرانهم او كانت حركة منظمة من قبل بعض تجار العقارات الذين يطلق عليهم محليا تسمية “دلالون”. كنا يشير التقرير بشجاعة الى ان حالة الفوضى تسمح بشيوع هذه الظاهرة، لا سيما في حال عسكرة المجتمع وشيوع المظاهر المسلحة فيه، وهو ما يسمح للعديد من الافراد والمنظمات الاجرامية ان تتخذ غطاء سهلا وتظهر سلاحها دون خوف. وهو ما اصبح عليه الحال بعد اجتياح داعش لمحافظة نينوى وصلاح الدين والانبار، وتكاثر التنظيمات المسلحة في الشارع العراقي والتي تتنشر لافتاتها الدعائية في شوارع بغداد والمحافظات، وتتخذ اسماءً وعناوين لا حصر لها.

ويوثق التقرير حالات خطف المسيحيين وحالات قتلهم في بغداد. وفي سياق مقابلات مؤسسة مسارات كان من السهل رصد مشاعر القلق والحذر التي تحيط بمن تبقى من مسيحيي بغداد التي يسجل قصصها التقرير .

يرى التقرير ان عودة حالات الخطف وتكرارها على هذا النحو، وعدم تحرك الحكومة الاتحادية والاجهزة الامنية لوضع حد للعصابات الاجرامية التي تحترف الخطف، مع شيوع المظاهر المسلحة التي قد تشكل غطاء لجميع العصابات المذكورة، تدفع من تبقى من المسيحيين للتفكير بخيار الهجرة من اجل الحفاظ على سلامتهم وسلامة ابناءهم.

ويفتح التقرير حالات الاستيلاء على عقارات المسيحيين في بغداد، التي يؤرخ لها التقرير منذ مغادرة المسيحيين الى خارج العراق بسبب ارتفاع مستويات العنف والتهديدات التي يتعرضون لها خلال السنوات الماضية، وبقاء منازلهم دون اشغال. ولا سيما في المناطق التي تسكنها الطبقة الوسطى والوسطى العليا في منطقة الكرادة ببغداد التي تمتاز بارتفاع اسعار عقاراتها. ويرى التقرير في ذلك تعديا على حق افراد الاقليات بحماية ملكياتهم الخاصة، اذ إن من الاساسي حماية الملكية الخاصة بالنسبة لافراد الاقليات، ولا يجوز حرمان أي منهم من وسائل معيشته استنادا الى هذا الحق، فقد نصت الاتفاقيات والاعلانات الدولية على حماية هذا الحق. ويؤكد التقرير ان عملية الاستيلاء على عقارات المسيحيين تتم من قبل جهات تدعي انتماءها او ان لها علاقة بتيارات سياسية نافذة، وحتى لو تمت عملية النقل بصورة قانونية، فإنها غالبا ما تكون بالاكراه، إذ أن الكثير من الناس اضطروا نتيجة لتردي الاوضاع الامنية لترك محال سكناهم في بغداد واتجهوا الى دول اخرى وبقيت أملاكهم بلا شاغل، وسهل ذلك عمليات الاستيلاء عليها.

وهناك شهادات يذكرها التقرير عن تعرض مسيحيين الى ضغوط من جهات مسلحة لبيع عقاراتهم بأثمان بخسة، فيضطر هولاء الى التخلي عن عقاراتهم وتتم عملية البيع بشكل قانوني مع انها تقع تحت الاكراه.

وحسب شهادات مراقبين لملف الاستيلاء على عقارات المسيحيين في بغداد، فإن معظم المسيحيين يتجنبون رفع شكوى خوفا من خطف أحد أفراد العائلة، ولإنهم بلا حماية، وعلى الرغم من لجوءهم إلى القضاء، إلا أن محاولاتهم تبوء بالفشل بسبب تعاون بعض عناصر الشرطة التي تخشى سطوتهم أو التعاون معهم على أسس حزبية. فضلا عن ان افراد الشرطة، غالبا ما يقبضون رشاوى لغض النظر عن القضية، وهو ما يترك المسيحيين المستولى على عقاراتهم امام طريق مسدود.

عقوبات رادعة

ويوجه التقرير انتقادات الى تعامل القضاء العراقي مع الملف مؤكدا انه على الرغم من الاجراءات التي يقوم بها القضاء، الا انه من الناحية العملية ما تزال مثل هذه العمليات تجري دون عقوبات او رادع.

ويتطرق التقرير في محور مستقل الى معالجة مظاهر التمييز ضد المسيحيين، اذ يشير الى ان  التمييز الذي يتعرض له المسيحيون بسبب انتماءهم الديني او القومي، ظاهرة تكاد تكون عامة ولا يتم استثناء منطقة من العراق منها. ويشير الى الانتهاكات في هذا المجال في اقليم كردستان ومناطق العراق الاخرى. ويرى التقرير ان مظاهر التمييز تشكل ضغوطا لا يمكن مقاومتها للهجرة، واحيانا يصبح من الصعب على افراد الاقليات ان يقاوموا الرغبة في الهجرة التي تأتي من المحيط العائلي الاقرب بعد ان شاهدوا في جرائم داعش تطورا مؤسفا لتمييز كانوا يتعرضون له يوميا.

التقرير عالج ايضا حرمان المسيحيين من الحق في التعليم، ففضلا عن قصص التمييز داخل الجامعات في كردستان بالنسبة للنازحين المسيحيين من محافظة نينوى، فإن هناك قصصا اخرى تمثل انتهاكا لحق المسيحيين في مواصلة تعليمهم، وتضمنت حرمانا لهم من حق مقرر قانونا، ويروي التقرير قصصا عن حرمان المسيحيين وبقية الاقليات التي نزحت من محافظة نينوى بعد هجوم داعش عليها من حق اساسي مقرر للإقليات هو الحق في التعليم الذي اقرته الاتفاقيات الدولية، ومنها الاتفاقية الخاصة بمكافحة التمييز في مجال التعليم.

ويشير التقرير تاليا الى مشاكل يواجهها المسيحيون مثل تعقيد اجراءات الحصول على اوراق ثبوتية ، اذ بحسب التقرير يواجه غالبية النازحين من المسيحيين مشاكل في التكيف مع البيئة الجديدة بسبب جهل اغلب النازحين باللغة الكردية التي تعد اللغة الرسمية في الاقليم، كما شكا العديد منهم من طريقة التعامل الفظة من قبل افراد الشرطة مع النازحين خلال انجازهم لمعاملاتهم كإصدار جواز سفر او اصدار البطاقة الذكية.

وشكا العديد من النازحين من تعقد وصعوبة الاجراءات المتبعة لاستخراج الاوراق الثبوتية وجوازات السفر، واضفى تعقد الاجراءات والمصاعب التي وضعت في استخراجها وتبديلها في عرقلة حياة النازحين، واضافت عبئا كان من الممكن تجنبه لو تم تسهيل الاجراءات.

وشرح التقرير الاوضاع المأساوية للنازحين المسيحيين، بسبب تبعات كارثة إنسانية بعد نزوح أعداد كبيرة منهم خارج مدنهم إلى مناطق أكثر أمانا، وهي معاناة سوف تترك أثرا لا يمحى على شعورهم بهويتهم واحساسهم بالمساواة والمواطنة، لا سيما اذا تعرضوا للتمييز في اماكن نزوحهم الجديدة وتركوا بلا حول ولا قوة في كثير من الاحيان لمواجهة مصيرهم لوحدهم.

تشكيل قوات

واخيرا يخصص التقرير فصلا مستقلا عن تشكيل قوات مسلحة من المسيحيين، ويرى التقرير فيها مؤشرا خطيرا على خروج المسيحيين عن التقاليد الهادئة التي تبنوها طوال تاريخهم، فهذه التقاليد قد تغيرت تماما بعد اجتياح داعش للقرى والاراضي المسيحية في سهل نينوى، حيث بدأ المسيحيون جديا بالتفكير في انشاء قوات مسلحة مسيحية. وفي ضوء تراجع ثقتهم بالحكومة الاتحادية وحكومة الاقليم بات عليهم التفكير بخيارات مستقلة من دون استبعاد التعاون مع الحكومة الاتحادية وحكومة الاقليم بالطبع، فالمسيحون يدركون ان للاخرين (العرب او الاكراد) اهدافا في اراضيهم لا تتطابق في النهاية مع اهداف المسيحيين، فمناطقهم هي جزء من الاراضي المتنازع عليها بين المركز والاقليم، ينظر اليها الاكراد على انها مناطق كردية لا بد ان تكون ضمن خريطة الاقليم، بينما تنظر اليها الحكومة الاتحادية على انها مناطق تابعة اداريا للحكومة الاتحادية حتى لو خضعت عمليا لنفوذ كردي.

يختتم التقرير بتوصيات شاملة منها وضع حزمة من التشريعات التي تحافظ على التنوع وتعزز الحفاظ على هوية وثقافات الاقليات ومن ثم حماية الهوية التعددية للمجتمع، كان وما يزال بحسل التقرير يمثل ضرورة قصوى، لا سيما تشريع للمساواة ومنع التمييز يتصدى لكافة اشكال التمييز والاقصاء الاجتماعي والسياسي والاقتصادي للاقليات.

و تبني سياسات تمييز ايجابي لغرض مناهضة التميز في مجال التعليم، ولعل اول خطوة يمكن البدء بها هو وضع قانون خاص للمنح الدراسية والكوتا للإقليات في العراق واقليم كردستان يوفر زمالات دراسية خاصة بإفراد الاقليات للقبول داخل كليات وجامعات البلاد، كما لغرض الابتعاث الى الخارج. اما في ما يخص اوضاع النازحين فيشير التقرير الى ضرورة وضع خطة لمعالجة كارثة النزوح الانساني وما يترتب عليها من أخطار تنال افراد الاقليات على المستوى الصحي (الامراض الانتقالية) والاجتماعي (التفكك الآسري) والنفسي (انهيار الصحة النفسية)، وان تتحول الخطة الى سياسات قابلة للتنفيذ لمعالجة حالة الطوارىء الراهنة وتزويدها بأطر مؤسسية لمواجهة اية ازمة مستقبلية، والاهم من ذلك توفير الموارد الكافية لجعلها قابلة للحياة والتطبيق والديمومة.

ومن الجدير بالذكر ان مؤسسة مسارات تعمل على اصدار تشريع لحماية النازحين يتصدى لانتهاكات حقوقهم في المناطق التي تزحوا اليها، ويوفر لهم ضمانات لحقوقهم الاساسية في عدم التمييز والحق في التعليم والحق في التنقل والسكن، وان لا يجبروا على تقييد حرياتهم الاساسية تحت أي مبرر كان، وسوف تعقد نهاية الشهر ورشة داخل البرلمان تقدم فيها نصها لمشروع القانون.

مشاركة