
لن تكون مرحلة ما بعد كورونا شبيهة بما قبلها.. ثمَّة تحولات عميقة اقتصادية واجتماعية وقيمية وسياسية
حاوره: عبدالحق بن رحمون
أكد لـ (الزمان) الزعيم السياسي المغربي، سليمان العمراني النائب الأول للأمين العام لحزب العدالة والتنمية أن «الحزب وَفِيٌّ لتحالفه الحكومي، بصرف النظر مرة أخرى عن الاختلافات التي تنشأ أحيانا»، مبرزا في هذا الاطار أن «علاقته بأحزاب المعارضة قائمة ويحكمها منطق التعاون.» ويعد سليمان العمراني، أحد أبرز السياسيين المخضرمين، بتميزه بالحكمة، والتبصر وبُعد النظر، في اتخاذ القرارات الحاسمة في الوقت المناسب، كما عرف عنه أنه ينأى بنفسه عن التسابق نحو المسؤوليات الحكومية، بالرغم من أن موقعه القيادي ودربته وحنكته السياسية والنيابية بالبرلمان لعقود تؤهله لمناصب يستحقها عن جدارة واستحقاق، كما عرف أنه بتجربته السياسية، وفصاحته في الخطاب وإتقانه للتواصل كل ذلك جعله في جميع المواقف والأزمات، يضع هندسة حكيمة وموضوعية، تتلاقى مع اختيارات وقناعات كل الموازين للحزب الاسلاميالحاكم، في كفة الوسطية والاعتدال، حلفائه ومعارضيه. وهنا، قال في حوار أجرته معه صحيفة (الزمان) إن مساهمة الحزب الذي يرأس الحكومة ويوجد فيها منذ 9 سنوات شارك في تدبير الشأن العام الترابي منذ 17 سنة، «أفَدْنَا بها بلدنا كما أغنت رؤيتَنا ومقاربتنا لقضايا الشأن العام وبوَّأتنا مكانة متقدمة في المشهد السياسي الوطني وعززت مقوماتنا كحزب سياسي جدير باحترام وتقدير المنصفين.» وحول موعد الانتخابات المقررة سنة 2021 ، قال الزعيم سليمان العمراني أن «حسابات الذات، لاتشغلهم قبل حسابات الوطن» . مضيفا أن «قرار تأجيلها إذا تم هو قرار بلد بمساهمة كل المؤسسات المعنية، ومن ضمنها الأحزاب السياسية،وأن التأجيل يتوقف على جلاء الصورة التي تبدو اليوم في ظل الجائحة غير واضحة بما يكفي. «ويذكر في هذا الصدد، أن حزب العدالة والتنمية (إسلامي) الذي ترأس الحكومة المغربية، بعد أن منح دستور 2011 صلاحيات إضافية لرئيس الحكومة المعين، وقادت الحكومة ملفات ثقيلة ظلت لعقود مركونة في الرفوف لم تجرأ الحكومات السابقة على فتحها. ونجحت الحكومة التي يرأسها الدكتور سعد الدين العثماني في إصلاح سياسة الدعم الاجتماعي، بالإضافة إلى إصلاح منظومة الصحة وبرامج اجتماعية مثل صندوق دعم الأرامل، كما حاولت الحكومة توجيه دعم للفئات المعوزة من خلال خلق منحة شهرية للأرامل، والتغطية الصحية لصالح الطلبة، ورفع منح الطلبة، والاتفاق مع المقاولات على الرفع من الحد الأدنى للأجور. وتمكنت الحكومة من تمرير مشروع قانون عبر مجلس النواب يروم إصلاح صناديق التقاعد المهددة بنفاد مخزوناتها . فيما كشف سليمان العمراني، نائب زعيم حزب العدالة والتنمية المغربي في حوارهمع (الزمان) أن هناك اشتغالا لهيئات الحزب لإعداد تصور في مابعد القضاء على جائحة فيروس كورونا، من طرف «منتدى التنمية لخبراء وأطر الحزب ومؤسسة الدكتور عبد الكريم الخطيب للفكر والدراسات»، مبرزا أن الظرفية الوبائية قامت قيادة الحزب «بتفعيل وظائف التواصل والتأطير والترافع وتكييف برامج أنشطة واجتماعات الهيئات مع مقتضى المرحلة. وأبرز في هذا الصدد، أن المعطيات تشهد «على دينامية حزبية قوية مستفيدة من قنوات التواصل التي تتيحها تكنولوجيا الاتصال خصوصا عبر شبكات التواصل الاجتماعي.» وفي ما يأتي التفاصيل الكاملة للحوار:
يرى مراقبون أن حزبكم اليوم في فترة أحوج فيها من سواها إلى تحالفات جديدة مع الأحزاب لأنها مرحلة تاريخية صعبة وقد تتحملون مسؤوليتها وحدكم، ما مدى صحة ذلك؟
حزب العدالة والتنمية يجمعه اليوم تحالف حكومي، ومهما تكن بعض الصعوبات بين بعض مكوناته لكنه قائم، ولم تؤثر هذه الإكراهات على مسيرة الجهاز الحكومي ونفاذ سياساتها كما لم تتأثر بها عموما الأغلبية البرلمانية؛ يدل على ذلك انسجام مواقفها بشأن مشاريع القوانين التي تأتي بها الحكومة وغيرها من مجالات الاتفاق.
الحزب وَفِيٌّ لتحالفه الحكومي، بصرف النظر مرة أخرى عن الاختلافات التي تنشأ أحيانا، كما أن علاقته بأحزاب المعارضة قائمة ويحكمها منطق التعاون، فإذا كان من تحالفٍ اليوم تتطلبه المرحلة فهو التحالف الوطني بكل مكونات المشهد المؤسساتي الوطني من أجل استمرار المواجهة الحازمة للجائحة، والعمل فرادى أو مجتمعين على بلورة الجواب الوطني عن سؤال ما بعد كوفيد 19.
أما المسؤولية فنحن نتحملها، وسنتحملها في حدود ما طوقتنا بها بلادنا والمواطنون والمواطنات من تكاليف وأعباء، ولنا الشرف إلى جانب كل الشرفاء أن نخدم بلدنا من كل المواقع التي نحن فيها وأن تتقدم وتعلو رايتها، ولا تهم بعد ذلك ذاتنا إذا ربح الوطن.
ماذا أضافت تجربة الحكم إلى حزبكم؟
الحزب يرأس الحكومة ويوجد فيها منذ 9 سنوات كما يشارك في تدبير الشأن العام الترابي منذ 17 سنة، وهي مساهمة أفَدْنَا بها بلدنا كما أغنت رؤيتَنا ومقاربتنا لقضايا الشأن العام وبوَّأتنا مكانة متقدمة في المشهد السياسي الوطني وعززت مقوماتنا كحزب سياسي جدير باحترام وتقدير المنصفين.
هل في صالحكم تأجيل الانتخابات؟
لم نطرح هذا السؤال على أنفسنا يوما، لأنه ببساطة لا تشغلنا حسابات الذات قبل حسابات الوطن، وفيما يخص الانتخابات المقبلة فإن قرار تأجيلها إذا تم هو قرار بلد بمساهمة كل المؤسسات المعنية ومن ضمنها الأحزاب السياسية، والتأجيل يتوقف على جلاء الصورة التي تبدو اليوم في ظل الجائحة غير واضحة بما يكفي.
المغرب يمر بمرحلة صعبة في مواجهة فيروس كورونا، وحزب العدالة والتنمية كيف تحدى هذا الوباء ليواصل نشاطه المعهود؟ وهل كنتم في الحجر الصحي على غرار باقي الأحزاب المغربية؟
فعلا يعيش المغرب على غرار كل بلدان العالم تقريبا صعوبات جمة بفعل هذه الجائحة الناتجة عن انتشار فيروس كورونا كوفيد 19، لكن المغرب كما هو معلوم دبَّر هذه المرحلة الصعبة بحكمة بالغة وبمقاربة مشهود لها عالميا بالتميز، ومن عناصر هذه المقاربة هو اعتماد بلادنا لقانون حالة الطوارئ الصحية الذي بمقتضاه تمت تعبئة بلادنا لكل الإجراءات الاحترازية التي أسهمت في دَرْءِ الأسوأ. وبالنسبة لحزب العدالة والتنمية فقد انخرط إلى جانب باقي الفرقاء بمنطق الوطن والتعبئة الفردية والجماعية لإنجاح استحقاقات المرحلة، وفي هذا الإطار وجهت الأمانة العامة/القيادة السياسية للحزب، مذكرة توجيهية للهيئات المسؤولة بشأن التعامل مع الظرفية الوبائية، خصوصا فيما يتعلق بتفعيل وظائف التواصل والتأطير والترافع وتكييف برامج أنشطة واجتماعات الهيئات مع مقتضى المرحلة، وتشهد المعطيات على دينامية حزبية قوية مستفيدة من قنوات التواصل التي تتيحها تكنولوجيا الاتصال خصوصا عبر شبكات التواصل الاجتماعي. وبطيعة الحال فقد تحققت هذه الدينامية في ظل الانضباط الصارم للإجراءات الصحية التي اعتمدتها الحكومة والسلطات العمومية ببلادنا، ولذلك توقفت الاجتماعات «الحضورية» واستعيض عنها بالاجتماعات عن بعد عبر تقنية المناظرة المرئية.
وما هي خارطة الطريق للمرحلة المقبلة؟
لا شيئ حُسِمَ إلى اليوم، غير أن القطاعات الحكومية المعنية تشتغل على إعداد تصوراتها القطاعية بشأن ما بعد 20 آيار(مايو)، التاريخ الذي تنتهي عنده الفترة الثانية للحجر الصحي، وتقدم السيد رئيس الحكومة الدكتور سعد الدين العثماني الإثنين 18 آيار (مايو) ببيان للبرلمان المنعقد في جلسة مشتركة لكشف خطة الحكومة للخروج من الحجر الصحي.
وفيما يتعلق بمرحلة ما بعد كوفيد 19، فإنه هناك اشتغالا لهيئات الحزب لإعداد تصور في الموضوع، خصوصا منتدى التنمية لخبراء وأطر الحزب ومؤسسة الدكتور عبد الكريم الخطيب للفكر والدراسات.
هل بعد القضاء على كورونا سيعود الحزب الى حياته السياسية الطبيعة؟ أم سيكون هناك تغيير؟
حتما لن تكون مرحلة ما بعد كورونا شبيهة بالمرحلة التي قبلها، حيث ثَمَّةَ تحولات عميقة سوف يُوقِعُهَا هذا الوباء على العديد من المستويات الاقتصادية والاجتماعية والقيمية والسياسية. طبعا سيعود الحزب إلى ما يشبه حياته السياسية الطبيعية، لكن لن تكون يقينا بنفس مواصفات المرحلة السابقة، ولا رؤية واضحة اليوم بهذا الخصوص.
دعت بعض الأحزاب الى إنشاء حكومة وطنية هل تعتقد أن الوقت مناسب والظروف التي نمر منها يقتضي ذلك أم أن ذلك مجرد مزايدات سياسية؟
لا شيئ يبرر الدعوة لحكومة وحدة وطنية في هذه الظرفية، لأننا لا نعيش في المغرب أزمة الشرعية السياسية، بل إن واقع الحال يشهد أن المؤسسات الوطنية خصوصا السياسية منها، وأذكر تخصيصا الحكومة والبرلمان والجماعات الترابية، تشتغل بشكل عادي كل واحدة في مجالها، بانسجام وتكامل، بصرف النظر عن بعض الملاحظات هنا وهناك.
المغرب في مواجهته لفيروس كورونا فضل الانسان على الاقتصاد أغلق الحدود وأغلقت وحدات صناعية وتعطلت الدراسة ما قراءتكم لذلك؟
هو نِعْمَ الاختيار الذي أسسه عاهل البلاد جلالة الملك محمد السادس حفظه الله، حيث لا يمكن تصور تقديم الاقتصاد على الإنسان رغم فداحة الآثار الاقتصادية لهذا الاختيار، لكن تلك الآثار قابلة للعلاج ولو بعد حين، أما الخسارة في الإنسان فهي لا تقدر بثمن وغير قابلة للتعويض، والتجارب المشابهة في العديد من الدول ماثلة أمامنا وملهمة لاستخلاص الدرس.
ماهي انشغالات الحزب في هذه الظرفية وتعبئته للمواطنين في مرحلة صعبة.. وماهي رؤيتكم لمستقبل التعليم والصحة؟
الحزب اليوم منهمك إلى جانب باقي الفرقاء في تدبير استحقاقات المرحلة، خصوصا من مواقع التدبير العمومي التي يوجد فيها، حكوميا وبرلمانيا وفي الجماعات الترابية، وحتى أنشطته التأطيرية والتواصلية كُيِّفَتْ موضوعاتها مع الظرفية، وأذكر هنا على سبيل المثال الحملة الوطنية لمنظة شبيبة الحزب (ذراع حزب العدالة والتنمية) ومبادرات منظمتيه النسائية والمهنية إلى جانب منظمات الأطباء والصيادلة والمهندسين. أما بالنسبة لمستقبل التعليم والصحة فالأكيد أن لهذين الورشين الأولوية في تدبير مرحل ما بعد الجائحة، فإذا كانت بلادنا قد جعلت التعليم الأولوية الوطنية الثانية بعد قضيتنا الوطنية الأولى ولذلك عبأت لها من المالية العمومية الميزانيات السنوية الضخمة إلى جانب قطاع الصحة، وذلك عن حق، فإن التحديات التي كشفت عنها هذه المرحلة الوبائية تقتضي منا جميعا التداعي لترصيد المكتسبات المحققة في هذين القطاعيين الأوْلَوِيَيْنِ وتدقيق الخصاصات المسجلة من أجل تعبئة المزيد من الجهود للوفاء بمتطلبات ما بعد كوفيد 19.
وهل الأحزاب اليوم من دور أم عليها أن تتغير؟
تقوم الأحزاب السياسية اليوم بأدوار محترمة في تأطير المرحلة سياسيا وإعلاميا، من خلال كل مواقع وجودها المؤسساتي، بالرغم من وجود بعض الإرادات المعزولة الساعية لتحجيم دورها، وهي مدعوة على غرار باقي المؤسسات الدستورية ومؤسسات المجتمع إلى حسن قراءة المرحلة واستخلاص ما ينبغي استخلاصه في أفق تعزيز القدرات الذاتية لمواجهة رهانات مرحلة ما بعد كوفيد 19، خصوصا وكما سبقت الإشارة توجد بعض النزوعات لتبخيس عمل الأحزاب السياسية كما نشأت في الفترة الماضية بعض التعبيرات الجديدة التي يراد من قبل البعض أن تكون بديلا للأحزاب السياسية، وإذا تأملنا جليا الانحسار الذي تعرفه الديمقراطية التمثيلية عالميا سيتبين لنا حجم التحدي الوجودي المحيط بالأحزاب السياسية.
رؤية حزب العدالة لمستقبل الاقتصاد الوطني؟
الحزب يعكف اليوم على بلورة جواب لهذا السؤال من خلال العمل الذي يقوم به منتدى التنمية للخبراء والأطر وكذا مؤسسة عبد الكريم الخطيب للفكر والدراسات. أظهرت مواجهة تفشي انتشار تفشي فيروس كورونا أن التواصل مثله مثل الدواء من أجل تطبيق قواعد الحجر الصحي..هل فعلا المغرب يعد البلد الاستثنائي الذي كان سباقا في اتخاذ عدة تدابير استباقية جعلته لا يشبه بلدان تفشى فيها الوباء بشكل خطير؟
شهدت جهات سياسية وإعلامية خارجية للمغرب بتميز مقاربته القائمة على الاستباقية والنجاعة، كما لا تخطئ العين المنصفة الحرصَ التواصلي للحكومة والأجهزة التابعة لها في تنوير الرأي العام بكل القضايا والمستجدات المرتبطة بالوباء، يشهد على ذلك العمل الهام لقنوات الإعلام العمومي وإذاعاته، والندوات الصحافية اليومية وغيرها من أشكال التواصل، ويبقى تواصل الحكومة مع الرأي العام عبر الجلسات العمومية للبرلمان أحد نقط القوة التواصلية التي تحسب للمقاربة المغربية.
أما كون المغرب استثناء في الاستباقية فهذا مما لا شك فيه، قد لا يكون الاستثناء الوحيد لكنه يكاد يكون وحيدا، وإذا لم تعترف لنا بذلك بعض الجهات فحسبنا أن نقول لها ما قاله الشاعر البوصيري في قصيدة البردة:
قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد
وينكر الفم طعم الماء من سقم



















