سلمان‭ ‬رشدي‭ ‬لا‭ ‬يريد‭ ‬العيش‭ ‬متخفياً‭ ‬بعد‭ ‬30‭ ‬عاماً‭ ‬على‭ ‬فتوى‭ ‬الخميني‭ ‬بقتله

448

باريس-(أ‭ ‬ف‭ ‬ب)‭ ‬‭ ‬يؤكد‭ ‬الكاتب‭ ‬سلمان‭ ‬رشدي‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يريد‭ ‬«العيش‭ ‬متخفّيا»‭ ‬وذلك‭ ‬مع‭ ‬الذكرى‭ ‬الثلاثين‭ ‬للفتوى‭ ‬بهدر‭ ‬دمه‭ ‬التي‭ ‬أصدرها‭ ‬بحقه‭ ‬مؤسس‭ ‬الجمهورية‭ ‬الإسلامية‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬روح‭ ‬الله‭ ‬الخميني‭ ‬بسبب‭ ‬كتابه‭ ‬«آيات‭ ‬شيطانية»‭. ‬وتغيرت‭ ‬حياة‭ ‬الكاتب‭ ‬في‭ ‬14‭ ‬شباط/فبراير‭ ‬1989‭ ‬عندما‭ ‬أمر‭ ‬الخميني‭ ‬بهدر‭ ‬دمه‭ ‬بعدما‭ ‬اعتبر‭ ‬أن‭ ‬روايته‭ ‬«آيات‭ ‬شيطانية»‭ ‬تسيء‭ ‬للإسلام‭ ‬عبر‭ ‬احتوائها‭ ‬ما‭ ‬يعتبر‭ ‬تجديفا‭. ‬وجددت‭ ‬طهران‭ ‬هذه‭ ‬الفتوى‭ ‬عاما‭ ‬بعد‭ ‬عام‭. ‬وقال‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ ‬خلال‭ ‬زيارة‭ ‬لباريس‭ ‬«لا‭ ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬أعيش‭ ‬متخفّيا»‭. ‬وقضى‭ ‬رشدي،‭ ‬الذي‭ ‬يعتبره‭ ‬البعض‭ ‬أعظم‭ ‬كاتب‭ ‬أنجبته‭ ‬الهند‭ ‬بعد‭ ‬روبندرونات‭ ‬طاغور،‭ ‬13‭ ‬عاما‭ ‬يعيش‭ ‬باسم‭ ‬مستعار‭ ‬وتحت‭ ‬حماية‭ ‬دائمة‭ ‬من‭ ‬الشرطة‭. ‬وقال‭ ‬في‭ ‬أيلول/سبتمبر‭ ‬«كنت‭ ‬أبلغ‭ ‬من‭ ‬العمر‭ ‬41‭ ‬عاما‭ ‬آنذاك،‭ ‬والآن‭ ‬أصبحت‭ ‬71‭. ‬لا‭ ‬بأس‭ ‬بالوضع‭ ‬الآن»‭. ‬وأضاف‭ ‬«نعيش‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬تتغير‭ ‬المواضيع‭ ‬فيه‭ ‬بشكل‭ ‬سريع‭ ‬للغاية‭. ‬وهذا‭ ‬موضوع‭ ‬قديم‭ ‬جدا‭. ‬هناك‭ ‬أمور‭ ‬عديدة‭ ‬أخرى‭ ‬ينبغي‭ ‬الخوف‭ ‬منها‭ ‬وأشخاص‭ ‬آخرون‭ ‬يجب‭ ‬قتلهم»‭. ‬وتوقف‭ ‬رشدي‭ ‬عن‭ ‬استخدام‭ ‬الاسم‭ ‬المستعار‭ ‬بعد‭ ‬11‭ ‬أيلول/سبتمبر‭ ‬2001‭ ‬بشهر،‭ ‬أي‭ ‬عقب‭ ‬ثلاث‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬إعلان‭ ‬طهران‭ ‬«انتهاء»‭ ‬التهديد‭ ‬له‭.‬

لكن‭ ‬عناصر‭ ‬شرطة‭ ‬مسلحين‭ ‬وبلباس‭ ‬مدني‭ ‬جلسوا‭ ‬خارج‭ ‬باب‭ ‬مقر‭ ‬دار‭ ‬النشر‭ ‬الفرنسية‭ ‬في‭ ‬باريس‭ ‬حيث‭ ‬أجرت‭ ‬وكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ ‬مقابلتها‭ ‬معه‭. ‬وانتشر‭ ‬عدد‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬العناصر‭ ‬في‭ ‬الباحة‭ ‬القريبة‭. ‬وفي‭ ‬وقت‭ ‬سابق،‭ ‬أكد‭ ‬رشدي‭ ‬الذي‭ ‬حضر‭ ‬معرضا‭ ‬للكتب‭ ‬في‭ ‬شرق‭ ‬فرنسا‭ ‬أنه‭ ‬يعيش‭ ‬«حياة‭ ‬طبيعية‭ ‬للغاية»‭ ‬في‭ ‬نيويورك،‭ ‬حيث‭ ‬أقام‭ ‬لنحو‭ ‬عقدين‭ ‬مضيفا‭ ‬«أركب‭ ‬قطار‭ ‬الأنفاق»‭.‬

وكان‭ ‬«آيات‭ ‬شيطانية»‭ ‬خامس‭ ‬كتاب‭ ‬يؤلفه‭ ‬رشدي‭. ‬وفي‭ ‬كتابه‭ ‬الأخير،‭ ‬وهو‭ ‬الـ18،‭ ‬تحت‭ ‬عنوان‭ ‬«البيت‭ ‬الذهبي»،‭ ‬يروي‭ ‬رشدي‭ ‬حكاية‭ ‬رجل‭ ‬من‭ ‬بومباي‭ ‬أعاد‭ ‬اكتشاف‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬نيويورك‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬للتخلص‭ ‬من‭ ‬ماضيه‭.‬

وقال‭ ‬إن‭ ‬سنوات‭ ‬الاحتجاجات‭ ‬المظلمة‭ ‬التي‭ ‬شهدت‭ ‬مخططات‭ ‬تفجير‭ ‬وقتل‭ ‬أحد‭ ‬مترجمي‭ ‬الكتاب‭ ‬وتعرض‭ ‬اثنين‭ ‬آخرين‭ ‬لعمليتي‭ ‬طعن‭ ‬وإطلاق‭ ‬نار‭ ‬«تبدو‭ ‬الآن‭ ‬كأنها‭ ‬أحداث‭ ‬وقعت‭ ‬منذ‭ ‬زمن‭ ‬طويل‭ ‬جدا»‭.‬

وأكد‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬فيها‭ ‬تأليف‭ ‬«آيات‭ ‬شيطانية»‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الإسلام‭ ‬يشكل‭ ‬موضوع‭ ‬نقاش‭. ‬وأضاف‭ ‬«من‭ ‬بين‭ ‬الأمور‭ ‬التي‭ ‬حدثت‭ ‬أن‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬الغرب‭ ‬باتوا‭ ‬يعرفون‭ ‬أكثر‭ ‬(عن‭ ‬الإسلام)‭ ‬من‭ ‬السابق»‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬أسيء‭ ‬فهم‭ ‬الكتاب‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬برأي‭ ‬رشدي‭ ‬الذي‭ ‬أصر‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬«في‭ ‬الحقيقة،‭ ‬رواية‭ ‬عن‭ ‬مهاجرين‭ ‬في‭ ‬لندن‭ ‬يتحدرون‭ ‬من‭ ‬جنوب‭ ‬آسيا»‭.‬

ويؤكد‭ ‬صديق‭ ‬رشدي،‭ ‬الكاتب‭ ‬البريطاني‭ ‬من‭ ‬أصل‭ ‬باكستاني‭ ‬حنيف‭ ‬قريشي،‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬شخص‭ ‬«لن‭ ‬يملك‭ ‬الجرأة‭ ‬اليوم‭ ‬لكتابة‭ ‬+آيات‭ ‬شيطانية+‭ ‬فما‭ ‬بالكم‭ ‬بنشره»‭.‬

لكن‭ ‬حتى‭ ‬قريشي،‭ ‬الذي‭ ‬ألف‭ ‬كتاب‭ ‬«الألبوم‭ ‬الأسود»‭ ‬الذي‭ ‬يروي‭ ‬كيف‭ ‬يدفع‭ ‬الشباب‭ ‬البريطانيون‭ ‬المسلمون‭ ‬أنفسهم‭ ‬إلى‭ ‬التطرف،‭ ‬أقر‭ ‬بأنه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يتوقع‭ ‬أن‭ ‬يثير‭ ‬كتاب‭ ‬رشدي‭ ‬الجدل‭ ‬عندما‭ ‬قرأ‭ ‬مسودته‭.‬

وقال‭ ‬«لم‭ ‬أنتبه‭ ‬لشيء‭ ‬فيه‭ ‬يمكنه‭ ‬إثارة‭ ‬حفيظة‭ ‬الأصوليين‭. ‬رأيته‭ ‬ككتاب‭ ‬عن‭ ‬الاضطراب‭ ‬العقلي‭ ‬والتجديد‭ ‬والتغيير»‭.‬

‭ ‬«منافسة‭ ‬على‭ ‬التعصّب»‭ ‬

لكن‭ ‬الغضب‭ ‬الذي‭ ‬أثاره‭ ‬شكل‭ ‬خطوة‭ ‬باتجاه‭ ‬تنامي‭ ‬الإسلام‭ ‬السياسي‭.‬

بدوره،‭ ‬أعرب‭ ‬المؤلف‭ ‬والصحافي‭ ‬الهندي‭ ‬سليل‭ ‬تريباثي‭ ‬من‭ ‬«نادي‭ ‬القلم‭ ‬الدولي»‭ ‬المدافع‭ ‬عن‭ ‬حقوق‭ ‬الكتّاب‭ ‬عن‭ ‬أمله‭ ‬بأن‭ ‬تملك‭ ‬دور‭ ‬النشر‭ ‬الرئيسية‭ ‬اليوم‭ ‬الشجاعة‭ ‬الكافية‭ ‬لنشر‭ ‬«آيات‭ ‬شيطانية»‭ ‬من‭ ‬جديد‭.‬

وقال‭ ‬«لم‭ ‬أفقد‭ ‬الأمل‭ ‬تماما،‭ ‬لكن‭ ‬لا‭ ‬شك‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬قضية‭ ‬رشدي‭ ‬أوجدت‭ ‬رقابة‭ ‬ذاتية‭. ‬بات‭ ‬ينظر‭ ‬إلى‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المواضيع‭ ‬الآن‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬محرمات»‭.‬

وأضاف‭ ‬«في‭ ‬الهند‭ ‬حيث‭ ‬النزعة‭ ‬القومية‭ ‬الهندوسية،‭ ‬يتحدث‭ ‬الناس‭ ‬بحذر‭ ‬كبير‭ ‬عن‭ ‬الآلهة‭ ‬الهندوس‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬معرفة‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يحدث‭ ‬لك‭. ‬تنامى‭ ‬تهديد‭ ‬العصابات‭ ‬بدرجة‭ ‬بات‭ ‬يشكل‭ ‬ظاهرة»‭.‬

وأشار‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬وكلاء‭ ‬يمارسون‭ ‬الترهيب‭ ‬اليوم‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬قيام‭ ‬الحكومات‭ ‬بهذه‭ ‬المهمة،‭ ‬مشيرا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يحتاج‭ ‬اليه‭ ‬رجال‭ ‬الدين‭ ‬لإثارة‭ ‬غضب‭ ‬الحشود‭ ‬هو‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬عدم‭ ‬إعجابهم‭ ‬بمنشور‭ ‬ما‭.‬

وحذر‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬«هذا‭ ‬واقع‭ ‬مخيف‭ ‬بالنسبة‭ ‬الى‭ ‬الكتاب‭. ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬هو‭ ‬منافسة‭ ‬على‭ ‬التعصّب»‭ ‬وفق‭ ‬قاعدة‭ ‬مفادها‭ ‬«إن‭ ‬كان‭ ‬بإمكان‭ ‬المسلمين‭ ‬منع‭ ‬نشر‭ ‬رسوم‭ ‬كاريكاتورية‭ ‬في‭ ‬الدنمارك،‭ ‬فلماذا‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬بإمكاننا‭ ‬في‭ ‬الهند‭ ‬وباكستان‭ ‬منع‭ ‬هذا‭ ‬الكاتب‭ ‬المسيحي‭ ‬أو‭ ‬الهندوسي‭ ‬من‭ ‬قول‭ ‬هذا‭ ‬وذاك؟»‭.‬

ويؤكد‭ ‬شون‭ ‬غالاغر‭ ‬من‭ ‬منظمة‭ ‬«مؤشر‭ ‬الرقابة»‭ ‬في‭ ‬لندن‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬لم‭ ‬يتقدم‭ ‬كثيرا‭ ‬منذ‭ ‬قضية‭ ‬رشدي‭.‬

وقال‭ ‬إن‭ ‬«المسائل‭ ‬التي‭ ‬نتعامل‭ ‬معها‭ ‬اليوم‭ ‬هي‭ ‬ذاتها‭. ‬النقاش‭ ‬بشأن‭ ‬قوانين‭ ‬التجديف‭ ‬هو‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬حديث‭ ‬دوري‭ ‬ضروري‭ ‬للغاية‭. ‬من‭ ‬المهم‭ ‬أن‭ ‬نحافظ‭ ‬على‭ ‬يقظتنا‭ ‬بشأن‭ ‬حرية‭ ‬التعبير‭ ‬وأن‭ ‬نجري‭ ‬هذه‭ ‬الحوارات‭ ‬الثقافية»‭.‬

أما‭ ‬رشدي،‭ ‬فرد‭ ‬بحدة‭ ‬على‭ ‬سؤال‭ ‬عما‭ ‬اذا‭ ‬كان‭ ‬نادما‭ ‬على‭ ‬تأليف‭ ‬الكتاب‭ ‬«لست‭ ‬نادما‭ ‬على‭ ‬شيء»‭.‬

مشاركة