سلطة النفط وشبقية السلطة في رواية دكة مكة

589

سلطة النفط وشبقية السلطة في رواية دكة مكة

نور كريم الطائي

عن دار جيكور لبنان بيروت و دار مكتبة الأهلية العراق البصرة ، صدرت رواية (دكة مكة ) للروائي البصري المغترب ( زيد عمران) وهي رواية جريئة جداً ومتفردة بعض الشيء في سرديتها واسلوبها الروائي ، فالمؤلف استند على قصة واقعية جرت في السعودية بين عام 1950 و1975 مسلطاً الضوء على أبشع الصور التي تخص قضية العبودية ، وقد لجأ المؤلف الى الرمزية في تسمية شخوص روايته ، رغم انها كانت واضحة الدلالة (ال سفود) الرواية تنطلق من ثيمة مركزية قائمة على بناء السرد المتمركز حول الشخصية الرئيسة الطفلة ذات الثمان سنوات ( ماكينزي) والتي يتم خطفها من أهلها لتكون عبدة عند العائلة المالكة في مكة وتباع قرب مكة بيت الله كما يباع بقية العبيد والاماء ، على دكة مكة ، الرواية تعرية واضحة لنفوذ السلطة المتجسدة بحاكمية البترول وشبقية السلطة والجرائم تحت عنوان (القدسية ) والشرعية ، التي يمنحها وعاظ السلاطين لرجالات البلاط الملكي (الفاسد) الرواية تعرية واضحة للبنى الاجتماعية التي تحيط بتلك الاجواء الواقعية التي تعيش فيها شخوص الرواية ، تلك الشخوص الساعية لافتراش الانوثة وانتاج سلطة متفردة قائمة على الغاء الاخر واستعباده تحت طائلة (نصوص شرعية) يتم تأويلها سلطويا من وعاظ السلاطين ، الرواية تقدم لقطات فوتوغرافية ومشاهد سينمائية ووثائق دامغة بطريقة تداخل فنون الحكي فيها والافادات ، وهي براعة تحسب للروائي زيد عمران ، والذي يسير بالمسرى السردي وفق مستويين مهميين ، احدهما ، على لسان ماكينزي الطفلة ، والاخر يظهر في صفحات الاخر وهو الراوي الاخر ( الطبيب البديل) عن الطبيب الهندي المقتول، الراوي يحصل هنا على وفق المشاهدات والتسجيل ، وتدوين الملاحظات وبعض الاحيان يتم التقاط تلك المشاهدات (فوتوغرافية ) وهو ما برع به الكاتب بتصوير سردي حساس لكم الابعاد النفسية لشخصيات روايته وهي تتعايش وفق ضدين متناقضين ، احدهم يؤمن بعلو السلطة ونفوذها على كل شيء والاخر يتظاهر بالغباء من اجل ان يعيش حياة العبودية (بأقل الخسائر) وفي خضم كل هذا تبقى حكاية ماكينزي عالقة في ذهن أي متلق لتلك الرواية ، بداية من عملية اختطافها حتى بيعها على دكة مكة ، واغتصابها العنيف وصولا الى قطع لسانها وتشويه وجهها بالاسيد عن طريق طليقة الامير(فاطمة) بسبب غيرة الاخيرة القاتلة من جمال ماكينزي وحتى مشهد الختام المتمثل بموت ماكينزي في لندن عن طريق (حقنة سم بطيء) لتموت وهي بنظر اهلها الذين لم يروها (لازالت جميلة) فضلت ان تبقى صورتها طفلة جميلة بنظر اهلها ، على ان تريهم وجهها القبيح ولسانها المقطوع ورحمها المزال قهرا ، وفي معرض التعرية التي تقدمها الرواية والانتقادية لمجتمع السلطة الذكورية للعائلة الحاكمة ، وبعد ان تم تجهيز ماكينزي ليمارس الامير ملذاته المريضة معها ، وهي لازالت طفلة ترتعب من كل شيء توجه نعيمة ( المسؤولة عن قسم السراري بقصر الامير) نصائحها للطفلة ماكينزي وهي تصف عقول الرجال: ( الرجال يا مكة عقولهم ليس في رؤوسهم،وانما في رؤوس قضبانهم. الرجل يفعل كل شيء من أجل هذه اللحمة الصغيرة المتدلية بين فخذيه. يخوض حروب،يسرق، يقتل، يخون، ويفعل كل الجرائم التي لا يمكن ان تخطر لك على بال، من أجل هذا الشيء: انا هنا بسببه، وانت كذلك، وكل هذا القطيع من النساء اللاتي ترينهم هنا. يتحول الرجل الى وحش مفترس، ما دامت تلك اللحمة منتصبة، وما هي إلا ثوان حتى ترتخي وتعود متدلية،كلسان كلب يلهث، وينتهي كل شيء، فيعود الرجل كائنا ضعيفا هادئا أبله/ص53). على كم السرد الايروسي الموجود بهذه الرواية الا انه يمثل تعرية وانتقادية واضحة لرجالات البلاد المهووسيين بالجنس واغتصاب النساء بحجج واهية يدعون انها (شرعية) وهي انتقادية واضحة تنتقل من نقد العائلة المالكة وحسب الى نقد المجتمع العربي و(الاسلامي) الذي يسوغ لنفسه بعض المبررات ليقنع اوهامه في اذلال النساء ، ان زيد عمران يعمد الى وصف دقيق للأمكنة في هذه الرواية وكانه ينقل ذلك من سجل ملاحظات (ماكينزي) او ينقل ما تراه عينيه لصور فوتوغرافية صورتها ماكينزي بعد ان منحها البريطانيين تلك الكاميرا لتنقل ما يدور في قصر الامير من ظلم وتعسف للعبيد والنساء الجواري ، فقد جاء في ص 19 ( يشتمل الطابق الاول على مكتب الامير وقاعات استقبال وقاعات رياضية وترفيهية كقاعة البلياردو التي تعد تحفة فنية بحد ذاتها ، مصنوعة من خشب السبستان المكسيكي الذي يفوق سعره سعر الذهب ويضم ايضا مسرحا مبطنا بخشب الدالبريجيا الفاخر من مدغشفر اما الارضية والجدران فقد بنيت كلها من الرخام الحر) الامير في هذه الرواية لم يرو ظمأه زيجاته (الاميرات) بل كان عاشقا للاماء والسراري والخادمات ، والرواية هنا صورت المعاناة الحقيقية لتلك الاماء وما يمرن به من مأساة حقيقية ، مع العبيد المخصيين ، الذين يخشون على الاميرات منهم ، فيعمدون لخصي كل عبيدهم ، فالعبيد كانوا بلا رأي وهم مجرد منفذون للاوامر ، لا يجرئون على قول أي كلمة تذكر ، الرواية جاءت باسلوب شيق ومهم وفاضح لاساليب الامراء وواضح من هم المعنيون بهذه الرواية ، ومنذ العتبة الاولى (عنوان الرواية) وصولا الى التسميات المرمزة في الرواية ، وشبق الامراء الجنسي الباحثين عن اللذة باذلال الاخرين ، فهؤلاء لم يكونوا يباشروا أي شيء بانفسهم سوى (النوم والاكل) وما عدا ذلك فكل شيء يتم بواسطة العبيد والاماء والخادمات وكل هذا الاسترخاء والغنى الفاحش المفرط جراء سلطة النفط التي يتمتع بها امراء البلاط، انها رواية بحقيقة الامر صادمة تعتمد على الوثائقية بسردها كثيراً ، والتصوير السردي الممتع والمتقن باسلوب ابداعي كبير من الروائي هو من جعل الرواية بهذا التشويق والمهارة الادهاشية في ترتيب احداثها والسير بها تراتبيا منذ بداية الرواية في صفحاتها الاولى وحتى خاتمة الرواية بموت الطفلة النقية ماكينزي.

مشاركة