سلطة المكان والمشروع السردي

محمود جنداري.. قراءة في الأعمال الكاملة

سلطة المكان والمشروع السردي

احمد الحاج جاسم العبيدي

“ليست هناك قضية مقدسة تستحق التضحية… فالإنسان أكبر من كل القضايا التي تسمى مقدسة وإن كانت هناك قضية تستحق هذا الاسم، فلأنها ترتبط بالإنسان”.

 (محمود جنداري، الانتظار: الأعمال الكاملة، 16)

سعى جنداري من أول قصة كتبها الى تأسيس مشروع سردي يقف على ارضية مغايرة ويستلهم معنى الحداثة في الكتابة وعملية القص، فكان أن أوجد مجموعة من الأواصر الفنية بين تشكيل الشخصيات والمشاهد، وبين المكان الايكلوجي بمعادلة تجريبية من خلال صراع خفي بين الشخصيات القليلة في المشهد الدرامي من جهة، وبين المكان حتى يعطي الأخير سلطة متخيلة تطفو على حساب الواقع.

ولد محمود جنداري جمعة خليفة الجميلي في قرية اجميلة – مدينة الشرقاط على ضفاف نهر دجلة عام 1944 وفيها كانت ريعان صباه ولعبه مع اقرانه وتجواله بين الحقول الخضراء وهضابها وساحاتها. كان والده يمتهن الزراعة ويمتلك اراضي زراعية خصبة على ضفاف نهر دجلة، وكونه من القلائل الذين يجيدون القراءة والكتابة في منطقة تتوسط بادية الجزيرة وتشكل مفترق طرق لثلاث محافظات؛ نينوى وصلاح الدين وكركوك، فقد تم اختياره رئيساً للجمعيات الفلاحية في قضاء الشرقاط، وكان لديه اصرار على أن يدخل جميع أولاده في المدرسة، وأن يوصلهم الى أعلى المراتب، وقد تحققت أمنيته فقد قدر أن تبوأ الجميع مواقع متقدمة في مجال اختصاصهم.

عندما بلغ محمود السادسة من العمر كان لا بد من الدخول في المدرسة الإبتدائية في مدينته ليتلقى فيها مفردات الأجرومية الأولى، ثم انتقل للإكمال دراسته في المدرسة المتوسطة الوحيدة في مدينته، حتى تخرج فيها بعد ثلاث سنوات من الدراسة والتحضير وحل المسائل والواجبات على ضوء الفانوس الضئيل وبتشجيع من والديه وأقرباءه. كان خلال مدة الدراسة الأولى والمتوسطة دائم النزوع لمطالعة الكتب الخارجية، والتجوال بين تلال وأودية أول عاصمة آشورية قامت على ضفاف نهر دجلة، كما كان دائم التأمل في زقورتها ومعابدها وسورها وأبوابها، كما هيئة له فرصة اللقاء بالعديد من البعثات التنقيبية التي عملت في المدينة وتبادل معهم المعلومات التاريخية والحضارية عن المدينة.

انتقل الى مدينة الموصل ليكمل دراسته في اعدادية الصناعة ليتخرج فيها عام 62/ 1963 حصل بموجبها على وظيفة في ادارة المنتوجات النفطية في بغداد ليلتقي بالقاص عبد الستار ناصر الذي سبقه في الوظيفة في نفس المؤسسة.

الغربة ورحلة النص

كانت بغداد في تلك المدة تعيش مرحلة المبدعين الرواد، كما كانت رياح التغيير وصيحات الخروج عن التقاليد الكلاسيكية السائدة في الأدب والفن، في الشعر كان بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وياسر طافة وعبد الوهاب البياتي وبلند الحيدري ؛ وفي السرد من الروائيين غائب طعمة فرمان وفؤاد التكرلي ومهدي عيسى الصقر؛ ومن القصاصين جمعة اللامي ومحمد خضير وجليل القيسي ومحي الدين زنكنة، كان سعيهم يتمثل في ايجاد وشيجة يتم بموجبها نقل الحادثة في عالم الواقع الى عالم غرائبي يحمل الدهشة والاعجاب من قبل المتلقي الذي راح هو أيضا يبحث عن كل جديد في عالم الشعر والرواية والقصة، وعلى حد تعبير القاص والروائي حميد المختار فإن قصص هذا الجيل مسكونة بهاجس النزعة التجريبية وبمؤثرات فكرية متمردة رافضة، تكشف في سياقها عن تأثر واضح بالاتجاهات والمذاهب الأوربية، كالوجودية والعبثية، وملامح القصة الفرنسية الجديدة التي حدد ملامحها كل من كلود سيمون، وآلان روب غريبيه، وناتالي ساروت، وكلود أولييه، وميشال بوتور … ثم لم يفتأ جنداري ان انظم الى هذا الجيل بسرعة بدأها في قصته الأولى “النافورة” التي نشرها في مجلة العمال عام 1964 وانتهاء بصدور مجموعته الأولى “أعوام الضمأ” الصادرة عن مطبعة الغري في النجف  عام 1968.

وعلى مدى عشر سنوات مضت تمكن جنداري من انجاز مجموعته القصصية الثانية “الحصار” صدرت عن دار الحرية للطباعة في بغداد عام 1978? ثم اعقبها بمجموعته الثالثة “حالات” صدرت عن دار الشؤون الثقافية والنشر التابعة لوزارة الثقافة والاعلام العراقية عام 1984? لينتقل بعدها لكتابة الرواية وبعد خمس سنوات من الكتابة ابصرت النور روايته اليتيمة “الحافات” صدرت عن دار الشؤون الثقافية العامة التابعة لوزارة الثقافة والاعلام في بغداد عام 1989? وتعد من الروايات القصيرة (Novella) عالج فيها جنداري حالات اليأس والقنوط التي يعيشها المواطن العراقي في ظل الحرب الطويلة التي استمرت لثمان سنوات فعلية، ولكن تأثيرها النفسي ما زال قائما حتى يومنا هذا، وقد سعى جنداري في روايته الى ايجاد صلة وثيقة بين الحالات العاطفية للنفس البشرية، وبين المكان وانعكاساته على سلوك شخصية بطل القصة المشار اليه بضمير المتكلم/ أنا، لذلك سعى الى تدوير العنوان الى فصول الرواية “حافة النهر، حافة البحر، حافة الموت، حافة الحرب، حافة اليأس” عبر نظام اتصالي سيسيو ثقافي.

كتب مجموعته القصصية الرابعة بعنوان “احتمالات” وارسلها للطبع في القاهرة ولكنها ضاعت ولم تبصر النور الى يومنا هذا كحال العديد من مقالاته وكتاباته على أثر القاء القبض عليه من قبل المخابرات بتاريخ 21/1/1990 وايداعه السجن بتهمة بالاشتراك بمحاولة انقلاب فاشلة ضد السلطان، وقد احتجز في جهاز المخابرات في الغرفة الحمراء وتعرض للتعذيب الجسدي مدة من الزمن، ثم ارسل الى محكمة الثورة في بغداد – وعلى أثر عدم اعترافه بالتهمة الموجهة اليه – فقد حكمت عليه المحكمة بالسجن المؤبد مع مصادرة أمواله المنقولة وغير المنقولة. وعلى أية حال، فقد كانت حالته أفضل من الروائي والقاص والتشكيلي حسن مطلك الجبوري الذي فقد رأسه في نفس المحكمة وهو في مقتبل شبابه وترك خلفه روايتين (دابادا) و( قوة الضحك في أورا)، وكذلك مجموعتين من القصص القصيرة (الحب هو الركض على حائط) و(أبجد حسن هوّز)، وكتاب مذكرات بعنوان (كتاب الحب .. ظَلالهن على الأرض) كشاهد عيان على ظلم الأنظمة الحاكمة واستبدادية السلطان.

محاكمة جنداري

بعد سنتين من اعتقاله أعيدت محاكمة جنداري مرة ثانية واسقطت التهم الموجهة ضده وافرج عنه بكفالة ضامنة واخذ تعهد خطي بالإبلاغ عن أي فرد او جهة تحاول المساس بكرسي السلطان، ولكن حاشية السلطان كان لهم رأي آخر، فجنداري لديه محبرة نضاحة وقلم مفعم بالمفردات وسيؤرخ في يوم ما لحظات التعذيب ومساوئ الدكتاتورية والأنظمة الاستبدادية والسلطوية، فكان الحل هو حقنه بمادة سامة بطيئة المفعول خوفا من هذه المحبرة، وان كانت الحاشية لا تعلم بأن ما سقته لجنداري لم يكن سما زعافا، بقدر ما تجرع كأس الخلود الذي سعى اليه جلجامش قبل خمسة الآف عام وكان حظه منه أن علم بحقيقة الخلود من خلال الأدب والفن والعمران، وكانت النتيجة أن رحل جنداري الجسد، وبقي جنداري الرمز حاضرا بيننا يروي لنا حكايته وينشر لنا مؤلفاته تباعاً.

انجز مجموعته القصصية “مساطب الآلهة” في بداية تسعينات القرن الماضي وارسلها للنشر في دار الشؤون الثقافية العامة، ولكنها لم تنشر بنفس العنوان بعد أن تم الاعتراض من قبل المراقب الفكري وتم تغيير العنوان الى “عصر المدن” وصدرت عام 1992 بعد أن تم حذف الكثير منها، ولكن اصرار جنداري دعاه للسفر الى الأردن واصدارها بنفس العنوان كاملة فصدرت عن دار أزمنة للنشر في عمان عام 1996? أي بعد سنة من رحيله.

توفي جنداري أثناء زيارته لوالده في الشرقاط ليطبع قبلة على جبينه ويودعه بعد يوم واحد من حصول الموافقة على سفره للأردن لمتابعة صدور مجموعته القصصية في دار أزمنة يوم الرابع عشر من تموز عام 1995? وكأنما أبت روحه مفارقة جسده الّا في موطن الخلق الأول ومراتع الصبا، وبذلك رحل جنداري وهو في ذروة عطائه الأدبي، وكان حلمه أن يكمل مشروعه السردي المغاير، ولكن دائما القدر له كلمة ويقف موقف الآمر ولا اعتراض عليه.

جنداري: المشروع السردي وتجريب الواقع

سعى جنداري من أول قصة كتبها الى تأسيس مشروع سردي يقف على ارضية مغايرة ويستلهم معنى الحداثة في الكتابة وعملية القص، فكان أن أوجد مجموعة من الأواصر الفنية بين تشكيل الشخصيات والمشاهد، وبين المكان الايكلوجي بمعادلة تجريبية من خلال صراع خفي بين الشخصيات القليلة في المشهد الدرامي من جهة، وبين المكان حتى يعطي الأخير سلطة متخيلة تطفو على حساب الواقع.  في مجموعته الأولى “أعوام الضمأ” شكلت التمهيد لهذا المشروع، كانت عبارة عن سياق فكري لرؤية جنداري للحياة والانسان: “ليست هناك قضية مقدسة تستحق التضحية… فالانسان أكبر من كل القضايا التي تسمى مقدسة وإن كانت هناك قضية تستحق هذا الاسم، فلأنها ترتبط بالإنسان” (الانتظار: الأعمال الكاملة، 16)? جاءت هذه الرؤيا على أثر الجدال الحاد بين الماركسيين والرأسماليين والقوميين وغرق العالم في المادية على حساب الروح الانسانية ومحاولة خلق توازن بين ماهو مادي وما هو روحي، ثم حبه الشديد لأمه وتعلقه بها (لقد ملأت قلمي الآن من دموع أمنا الحبيبة، وها أنا ذا أكتب اليك…) وهي البعيدة عنه والذي تفصله عنها (أربعمئة من الكيلو مترات، وأربع ساعات من الزمن البليد..) (الانتظار: 19)? والوسيلة الوحيدة للتواصل هي الرسائل. وفي قصته “الذي مات” يبدأها بالساعة الجدارية العتيقة منذ عشرين عاما، ثم ينتقل بجملة استفهامية (- منذ متى وهذه الساعة معلقة فوق الجدار.. ومنذ متى أصبحت دقاتها ترعبني؟)، ثم يختم بمشهد متخيل (لقد مات الفضل أيضاً، والتقى بالقاتل والضحية هناك… ولكانت أيامه القليلات مغسولة بدماء بشار الذي مات) (37).

كانت من بين أولى صيحات جنداري هو الخروج عن تقليد الحوار الذي تجده متداخل في السياق بدون ذكر الشخصيات الوارد على لسانها، وكأنها حوار مع المجهول ولكنه حوار فكري ينير طريق الشخصية ويخدم المشروع الجنداري من خلال التعبير عن رؤيته التي سبق وأن أشرنا اليها:

  • سترى الدماء.
  • سيكبر الحزام الأبيض.
  • لن تعرف طريقك.. الباصات كلها محزومة من الوسط.
  • الوباء يحصد العظام..
  • النفير سيظل معلناً في قاع النهر.
  • جمجمة واحدة لا تغري الحيــــــــــــتان.

(الذي مات: 36).

            الحبكة القصصية التقليدية (The Plot) المقدمة والتعقيد والذروة ثم الانحدار والحل عبر حدث (Event) زمني متواصل من البداية الى النهاية، ولكن جنداري كان له رأي مغاير فقد صاغ نصوصه من خلال مجموعة من الانتقالات السردية للشخصيات والمكان والحدث والصراع، حتى يجد المتلقي نهاية وكأنها لا تنتمي للبداية ظاهريا، ثم مجموعة من المشاهد المتباعدة زمكانياً المتصلة نصياً.

في مجموعته الأخيرة “مصاطب الآلهة” بدأ جنداري في صياغة مشروعه السردي المغاير عبر التوظيف النصي للأسطورة بشكل تداولي مبني على التجريب ومطاوعة المفردات اللغوية والتقنيات السردية وصبها في قالب رمزي قائم على ثنائيات متداخلة في مابينها دلالياً، ومتكاملة تداولياً عبر آلية سردية غارقة في المفردة، وسابحة في قاموس موسوعي مبتكر ينهل من معينه المعرفي.

لذلك نجد أن عملية فهم واستيعاب نصوصه الأخيرة باتت نصوص تجريبية مبتكرة وعصية على الكثير من المتلقين وبحاجة إلى مرجعية معرفية لفهم النص واستيعاب الفكرة، وبذلك يستحق جنداري أن يطلق عليه رائد التجريب في القصة القصيرة.

مشاركة