سلام أحمد مستاء من حاضر لا ينتج غالبًا إلا القبح :

403

سلام أحمد مستاء من حاضر لا ينتج غالبًا إلا القبح :

اللوحة كلمة ولغة يمكن تفكيك بنيتها

خالد ديريك

ظهرت موهبته الفنية باكرًا في منطقة تعج بالاخضرار والجمال، السهول والوديان، التلال والجبال وأناس طيبين وشجر الزيتون الكثيف، هناك تشكل مصدر إلهامه وإبداعه الأول وجسد كل هذا في أعماله طوال مسيرته الفنية، فيما بعد أصبحت للغربة مكان ونصيب جعلت ريشته تنطق حزنا وألما من إقامة تشبه جبرية من جهة ومن احتلال موطنه الأول من جهة أخرى، تاليًا محاولًا فضح القبح والظلم من خلال ترجمة أفكار تدور في خلده تعكس مأساة واقعه ومحيطه بأسلوب تعبيري تجريدي جميل.

عندما يصافح ريشته، ينسى كل ما حوله، يتيه عشقا أمام لوحة قد تمتد عامًا، يثابر دائمًا إلى تطوير نفسه، سبق أن كل له أسلوب فني خاص به لكنه فضل الغور في فضاءات أرحب دون قيود. إنه عاشق للحرية!

بدأت مسيرة ضيفنا الفنية كَفنان محترف في  2001ومنذ ذلك حين أقام وشارك في عشرات المعارض الفردية والجماعية في الوطن وسويسرا ودول أخرى. وهو عضو اتحاد الفنانين التشكيليين السويسريين. خبير الترميم السابق لدى المتحف الوطني بحلب.

لديه ديوانين شعريين الأول “سرير العتمة :2004 ومراءاة المتخيل 2006”

سلام أحمد فنان تشكيلي من مواليد مدينة عفرين بمحافظة حلب ـ سوريا 1970يحمل إجازة في الفلسفة ودبلوم التربية وعلم النفس، ومقيم في سويسرا.

نص الحوار ….

{ تعرفَ على ميوله الفنية في وقت مبكر:

– بدايتي الفنية بدأت عندما كنت طفلًا، حينها رسمت كثيرًا بأدوات بسيطة كالقلم الرصاص والدفتر المدرسي.

فيما بعد، رفدته بيئة موطن الطفولة بالنسغ الإبداعي:

كنت أحب كثيرًا الطبيعة، الجبال المزينة بالشجر الزيتون الكثيف، وديان وسهول منطقة عفرين، بالمجمل طبيعة عفرين هي مصدر ورافد عميق لي، كذلك الإنسان الطيب فيها، النساء بأزيائهن الملونة بالأزرق والبنفسجي.

للعفرين حيث مسقط رأسه، لها مكانة خاصة في وجدانه ودفتر ذكرياته، وعزف منفرد على مساحة لوحاته:

عفرين تسكنني، لا أعتقد أن أي أحد قادر أن يخرج مدينة النساء الساحرات والرجال البسطاء الطيبين من الذاكرة! هذه المدينة العظيمة يوجد بين أبنائها رابط عميق من الحب الأمومي، فأنا لا أستطيع مقاومة موسيقاها الملحمية، رقصها، عيون أناسها الواسعة، إنها مدينة تتعدى الزمن، تشكلت عبر تاريخ يسجله أبناءها.

{ عن مدى تجسيد الأفكار الفلسفية في أعماله، يجيب قائلاً:

– الفلسفة هي حكمة ومحبة، العمل الذي لا أشعر به لا أستطيع تقبله، ولا أستطيع الرسم إن لم أجد نفسي محبًا لما أفعله… أن لم أجد فيه غاية ومعنى وجودي.

 لا أستطيع أن أفهم الرسم من خلال الفلسفة، أفهم وأعي دائمًا أن الوجوه تعبر عن فلسفة الخير الذي يتضاءل أمام مساحة الشر والقبح والابتذال، عن عدم وجود العدل، وأننا نخادع ذواتنا حينما نعتقد بانتصار الخير، الواقع يشير إلى عكس ذلك، السؤال: هل يجب أن نتوقف عن المحاولة؟ الإجابة، علينا أن نجعل العالم مكانًا أقل شرًا عبر الحفاظ على حرية التعبير والإيمان على الأقل بقيم تجمع البشر وهي جعل العالم أقل استغلالًا وشرًا، الفن هو أحد أدوات هذا الفهم.

{ مدة إنجاز لوحة لديه قد تمتد عامًا والسبب بالاختصار في الكلمات التالية:

ليس لدي مدة معينة، بعض اللوحات تستغرق أشهر أو سنة ثم أعود إليها لأضع لمسات كانت مفتقدة لدي في تلك اللحظة، بعضها يخرج منتهيًا.  الأمر لا يكون كأي منجز مادي بل الإبداع أحيانًا يتوقف لمدة طويلة أن لم يجد الفنان ما يبحث عنه.

 في حضرة الريشة والألوان، يغيب العالم كليًا عند الفنان سلام أحمد وكأنه لم يكن:

لا أفكر بشيء أمام القماشة البيضاء، لا أضع حتى فكرة ما، كل ما أفعله هو ترك اللون يأخذ حياته المحدودة على سطح اللوحة، الفكرة تغيب كما العالم كما الناقد كما وجودي الفيزيائي، العالم يتوقف على مساحة العمل الذي يولد شيئًا فشيئًا، أحيانا أتحرك قلقًا أو أنظر من بعيد إلى العمل وأشعر بالغضب والخيبة لأنني لم أستطع الوصول إلى نتيجة ترضي ما أبحث عنه،  ليس دائمًا تتحقق المعادلة الناجحة التي ترضيني، كثير من اللوحات ألغيتها  فالمعايير تختلف وما نريد الوصول إليه أحيانًا يحتاج لحالة من الصمت واستعادة لمواقف وحالات عشناها ونشعر أننا لا زلنا أسرى لها.

{ فقد اختار التعبيرية التجريدية مدرسة له لأنه وجد نفسه فيها:

التعبيرية مدرسة مهمة كما التجريد، في طبيعتي أجد نفسي تعبيريًا وأحيانًا أتوقف لاختزل التفاصيل، الأمر يتوقف على الإحساس والشعور العفوي لقوى داخلية تدفعني للعمل وتحدي المساحة البيضاء دون خطة مسبقة.

 ينوه أنه كان له أسلوب خاص به ولكنه ابتعد عما أسماه بالأسر، يوضح قالاً:

لا أريد التقوقع في أسر أسلوب أكرر فيه ذاتي عشرات المرات، الفنان ليس جامدًا عليه البحث عن فضاءات وإمكانات جديدة، لدي أسلوبي الخاص منذ زمن طويل لكنني في لحظة ما توقفت لأعمل بحرية بعيدًا عن قفص صنعته كوني فنانًا يعني أن أرسم ما أحب وما أريد وما أنا شغوف به.

مستاء من حاضر لا ينتج غالبًا إلا القبح!  لا يهمه التكريم بقدر الاشتغال على ذاته وتطوير فنه، مؤمن برسالة الفن الخالد:

الفن سيبقى السر الذي يتركه الفنان، والإنسان لا يندثر ولا ينتهي على العكس قد يعاد اكتشافه لضرورة فهمه مرة أخرى، لا أستطيع القول إنني أحتاج إلى التكريم ولا يهمني كثيرًا بقدر اشتغالي على ذاتي فأنا أعمل لذاتي أولًا، هناك حاجة في داخلي للتعبير.  نحن الشعراء والفنانون وأي مبدع آخر سنبدع حتى لو لم نستطع العيش من خلال الفن… حتى لو عشنا وحيدين بلا صديق وبلا معين. الفنان الحقيقي يعمل دون أن ينتظر من هذا الزمن الذي ينتج القبح أكثر من الجمال، والدمار أكثر من الإنسانية. أحيانًا نشعر أن المرضى في الخارج أكثر خطرًا وجنونًا من في المصح العقلي، والكراهية باتت كالصحراء التي تتمدد بشكل مخيف.

الإنتاج الشعري…

عنوانا الديوانين ” سرير العتمة   2004 ومراءاة المتخيل 2006″ جاءا كتعبير عن النص السابح في فضاء الحرية:

ديوان ” سرير العتمة” هو الحياة السرية التي نعيشها ونقيض ما في الخارج المخادع والمبهرج أنه أشبه بقناع نضعه لنضحك في الخفاء. الديوان الثاني ” مراءاة المتخيل” فهو اللحظة التي نحاول أن نصنع عالمًا مختلفًا يوازي الخيال بإبداعيته… بقوة بصيرته ونكتشف بعدها أن الخيال أصدق وأقوى في رؤياه أمام تصدع ما خلقناه.

يعتقد بإمكانية أن يصبح الفنان شاعرًا ويأتي بالأمثلة:

المبدع قد يكون حالة استثنائية عندما تكون لديه القدرة على التخيل والتعبير، الفنان الذي يمتلك موهبة قادر على كتابة الشعر ورسم اللوحة بالكلمات، لدينا الكثير من الشعراء الفنانين، مثلًا، جبران خليل جبران وغونتر غراس الروائي الألماني، نيتشه كفيلسوف وموسيقي وغيرهم…

النص لوحة بلا لون واللوحة كلمة ولغة يمكن تفكيك بنيتها بامتلاكنا مفاتيح متاهتها.  لا يشعر بالاغتراب بقدر شعوره بالغبن والألم العميقين:

” حين تحاول أن تخلق جسرًا ثقافيًا ولغة بصرية وحوارًا بين ثقافتين وتكتشف أن كل ما تبنيه يتوقف على حكم بالإقامة الجبرية (الإقامة السويسرية) بحيث لا تستطيع التغيير هذا الروتين الشبيه بالتدرج اللا إنساني من حيث القيمة بحيث تكون أمام خيارين أما أن تكون آلة بلا روح أو فنانًا وتغير شكل وظرف إقامتك، يتحدد بأن تكون أحدهما سجينًا أو آلة.

{ يتابع: الأمر لا يتعلق بالاندماج فحياتي هنا (في سويسرا) وطبيعة تفكيري تتماشى وطبيعة الثقافة الغربية، العيش في الغرب يتيح مساحة من الحرية لا تتاح في مجتمعاتنا القائمة على المحرم والمقدس.  معاني بعض المفردات والأسماء لدى الفنان التشكيلي سلام أحمد:

الحب: معنى الوجود. الصدق: مرآة محطمة. التجاعيد: الزمن الذي نرى رماده. الغربة: بشر يؤلمنا وجودهم. المدن: غاية. السفر: اكتشاف. الطبيعة: أمنا التي تركناها وحيدة.

الليل: سر خبيء. عفرين: حياة. سوريا: وطن لم يتكون بعد. سويسرا: سجن كبير وحزين. الهوية: تآلف المتناقض.

ختامًا، أشكر الشاعر خالد ديريك على هذه البادرة الطيبة خدمة للثقافة والفن كما أتمنى له دوام التقـــدم في مسيرته الشعرية.

مشاركة