سلالته الريح عنوانهُ المطر – بشرى البستاني

شعر موسى حوامدة

سلالته الريح عنوانهُ المطر – بشرى البستاني

تظل حاجة الانسان للشعر والفنون بالرغم من كل مايُقال عن موتهما، تتزايد باطراد مع ضراوة هيمنة المادة على الحياة وجشع الساعين اليها، أقول هذا مخالِفةً الرأي القائل بضمور الفن كلياً مع تغوّل التطور المادي المهيمن على حياتنا والذي يفوق إرادتنا وإرادة كل القيم الإنسانية الخيرة. فالفنُّ عبر مسيرته الجمالية يسعى دؤوبا من أجل إحلال التوازن في حياةٍ ليس لها أن تستقيم بالاحتكارات المادية وانغلاقها واستلاباتها التي أرهقت الإنسان، مما يدفعه بكل الطرق المتاحة الى الانفتاح والتعددية من خلال العمل على كسر تلك الهيمنة بالكشف عما ألحقت بالانسانية من اعتداءات وخطايا، فأولى طرائق مقاومة الباطل هي تعرية خطاياه .

لقد واظبت نصوص الشاعر موسى حوامدة عبر دواوينه التسعة على الاخلاص لنصه الداخلي الذي لا يمكن لقرائه مهما بلغت درجة استشرافهم من الذكاء أن يدركوا تفاصيله كما يعيشه هو / ذاته الشاعرة ، وكما يعاني جزئياته وسريّته التي تستلمها المخيلة ،وتلعب بها لعبتها الماهرة وتقوم بتركيبها تركيبا مغايرا للأصول ، بل قد يكون متنافراً معها، فهو لا يكشف في كثير من الأحيان عن إشاراته الواقعية ، ولا يرتبط معها بعلاقات سببية، كون حرية الفن التي هي أم الإبداع تُلغي السببية وتكسر قوانينها وتبدد تراتبيتها،فلا سببية في الشعر ولا تعليل ولا تفاصيل، مما يمنح اللغة الشعرية وإيحاءاتها هيمنةً تامة على المشهد. ويدرك حوامدة أن هذه اللعبة الفنية يجب أن توازي باقتدارها لعبة الموت والحياة التي لا مفرَّ منها والتي تدور حولها أسئلة الفنون جميعا..فهو نفسه القائل:

“لا أملك هروباً من اللعبة ..”

لكنه مع إعلانه عن هذا العجز الوجودي يؤكد من خلال نصه الشعري إدراكه العميقَ لقوانين اللعبة الصعبة ومأساويتها وحاجة الإنسان لمهارةٍ فنية وعمقِ رؤيا في التعامل مع مقدّراتها. إن أهمية الشعر المعاصر والفنون الراهنة لا يكمن جوهرها في الأشكال قدر ما يكمن في رؤيتها الكلية لمعضلة الكون وإشكالية الوجود والموجودات معاً ،بدءاً من مأساة الإنسان ومكابدة ما يحيط به من مخاطر وأزمات تحيقُ بالطبيعة وما حولها وما عليها من إنسانٍ وأشياء ،وهو في سموّه بتلك الرؤيا كان يحتاج للغةٍ مؤازرةٍ ورؤيةٍ تعينه على احتواء الأزمة ، فكانت اللغةُ العربية بالرغم مما يكتنف أهلها وموطنها من عوامل  السلب ،جاهزةً للتحدي بما امتلكت من ثراءٍ وعمقٍ تاريخي وتراثي ، فقد آزرت الشعرَ، لأنها الشعرُ في بدئها وزهوها وتألقها.. اللغة العربية هي الأمةُ وهي الشعرُ،ذلك السفرُ الذي حفظ لها أيامها ومكارمها، به نهضت وبأجمل من روعته نزل قرآنها، وبها دُوّنت معارفها وحكمتها ووقائعها ،وبها كُتبَ زمنُها بكل تقلباته، لقد آزرت اللغةُ العربيةُ الشعرَ العربيَّ المعاصرَ في تصديه لصلادة المادة وثقلها وكارثية حوادثها وفداحة الجرم الذي ألحقته بالإنسان ، فراحت بدورها تتفتح وتستنهض طاقاتها الكامنة في القدرة على تجاوز حدودها المعيارية وقوانينها الدلالية القارة في المعاجم ، فاتسعت مرونتها لانفراط العلاقات بين الدوال ومدلولاتها وتعددت الدلالاتُ وتشظت وأوكلت المنهجياتُ الحديثة أمرَ تلك الدلالات للقراءة والقارئ، مما وسّع آفاقَ النصوص وآفاقَ قراءتها معا، وأنتجت بثرائها وقدرتها على الترميز تشكيلاتٍ جمالية جديدة ،وتداخلت العلاقاتُ بين عناصر الطبيعة والإنسان والحيوان والأشياء داخل التشكيل الشعري، مما منح كلَّ شيء نبضاً ودفئا ومشاعرَ وأحاسيس جديدة وسعة أفق، وكأنها بهذه العملية الفذة تعوّض الحياة عن الدفء والحنوّ الذي تفقده كلّ يوم بالقتل والحرق والسلب والعدوان.

شعر معاصر

تؤكد الفنونُ وفي طليعتها الشعرُ المعاصرُ للقارئ أن الشعر فنُّ الفنون ؛لأن بنيته تقوم على اللغة التي تعدّ الأكثرَ تداولاً في سلسلة آليات التواصل، ولأن الفنون جميعها تسعى للوصول إلى مستوى الشعرية ،فضلا عن كونه القادر على احتوائها بفضاءاته الرحبة ،تشكيلا ودلالة وبهاءً وموسيقى، وكسراً لقيود الفكر التي اصطنعها عصرُ التقنية الذي أودى بالانسان وبقيمه وبمشروعه الجمالي والحضاري معاً، فكان أن فتح الشعرُ أبوابه لاستضافة الفنون الأخرى رسماً وغناءً ونحتاً ومونتاجاً وغيرها من الفنون، مما زاده ثراءً وتلوينا.

إن قارئ شعر موسى حوامدة يتلمس بلا شك ما يكمن وراءه من مرجعيات فلسفية ، فهو القائل بثقة، “الشعر شقيقُ الفلسفة” بدونها يغدو سطحيا ،وقد يتحول لمقال مباشر .

خطر الانسحاب

إن عودة الشعر لوعي الفلسفة ادراكٌ منه لخطر انسحاب القيم من الحياة وغياب حكمة التأمل والتأني، وهيمنة خطر التقنيات التي تهدد الانسان وجهده الحضاري، فماذا بقي الآن بعد أن تحولت التقنية الى فكر كوني استنفد طاقته القصوى، فكرٍ نسي الانسان وأمنه الروحي وحاجاته الأساسية ،بل صار يهدده ويجتاح أرضه وعمرانه بالنيران سعياً وراء لغة الحساب والهيمنة والذرائع. إن عصر التقنية لا يتمثل خطره بتراكم منتوجه الآلي والصناعي حسب، بل يكمن دماره في تسليع الانسان وتوظيفه خادماً للتقنية والأموال بينما الأصلُ أن يحدث العكسُ تماماً، فالتقنية كما يؤكد هيدجر “وضعٌ أنطولوجي” يحكم الواقعَ ويلقي بثقله على المؤسسات التي وجدت لإسعاد الانسانية وتنظيم حياتها ،لكنها انقلبت وبالاً عليها يوم انتصر الفكر الحسابي والسلوك الاحتكاري على القيم ،وغاب السؤال وهيمن هاجسُ المصلحة على القيمة ،وغابت فاعلية اللغة لتصبح واسطة ذرائعية لنقل الفكرة وخدمة المعلومة،والحرص المادي، منفصلة عن جماليات القيم والتشكيل معاً، من هنا أشاعوا موت الشعر الذي تُضِرُّ فاعليتُه بمصالحهم ،لأن لغته لا ترتوي إلا بالقيم وسموها، وبمشاعر الدفء والحنوّ وكرامة الإنسان. مع الشعر تكلَّمَ الفكرُ لاول مرة بوصف اللغة بيت الوجود حين حاور الشعراءُ عصورَهم بكيفياتهم الخاصة وليس بمنطق واحدٍ كما تريدُ العولمة.  بقراءتي لشعر موسى حوامدة وجدتُني لا أتفق مع من يرون أن شعره يرتكز على ايديولوجية محددة ،لأن رؤاه أوسعُ من التقيد بحدود الايديولوجيا ، كما لا أتفق مع القائلين إن كلّ شعره يتأرجح بين الرؤى والدلالات ولا يستقر على إحداها ،فحيناً يثبتُ وأخرى ينقض، متناسين أن سمة الاستقرار لا تتسق وحركية الفن، إذ ليس من وظائف الفن طرحُ مواقف حاسمة إلا من قضية الإنسان وحياة الإنسان وكرامة الإنسان، لكني أراه بوعيه الذي استوعب معضلاتِ العصر وانكسارات الانسان،وكوارث النضال الفلسطيني شعراً إشكالياً يعمل على خلخلة المسلمات والصدام مع الثوابت القارة وإزاحة سكونية المفاهيم وإضفاء الحياة على مالا حياة له ليمنحهه من خلال فاعلية الشعرية حياةً وأبعاداً جديدة ، ويطرح الأسئلة تلو الأسئلة ،لكن بعيداً عن المباشرة، وطارحُ الاسئلة لا يتأرجح قدر ما يبحث ويستقصي ويتساءل ويعمل بإصرار على توسيع فضاء النص وإثراء دلالاته. وشعرٌ كهذا لا يرهق قارئه كما قيل،لأن الإرهاق لا يتأتى من الغموض بل هو ناتج الإبهام المقفل على الدلالة ،لا يعطي مفاتيجه ،أما الغموض الذي يتسم به الشعر الأصيل، فهوسمةٌ جماليةٌ لا ترهق بل تثيروتتساءل، والإثارة تدفع المتأمل إلى المثابرة من أجل العمل على كشف غلالة الغموض ليضيء الجمال المضمر وراء التشكيل الغامض حين يتضح ويبين. إن الإبهام يضرُّ بالفن وبالمتلقي معاً، بينما يُضفي الغموضُ دهشة الفن وبهاءه على النص والمتلقي كليهما ،ويدفع القارئ الجاد لإضاءة الغامض وكشف أسراره بأدوات معرفية ،فالفن يتمُّ إنتاجه ذاتيا، لكنَّ الناقد يعمل على إعادة الذاتي الفردي للجماعي وللمعرفي معا.

 أشدُّ على قلم موسى حوامدة وهو يؤكد أنْ “ليستْ ميتةً هذه القصيدة” وأقول له، لن تموتَ هذه القصيدةُ أبداً،مادامت القدسُ بالرغم من شراسة العدوان وحقده قبلةَ كلِّ ثوار العالم ونبلائه، ونورَ عيونِ العرب والمسلمين ،ولأن مَنْ كانت سلالته الريح فلا شك أن عنوانه المطر:

كثيرةٌ أشجارُ الكلامِ الجارح

كثيرةٌ حِكمُ العجوزِ الطيب

كثيرةٌ تأويلاتُ القصيدة

والشاعرُ إذ يعبر حاجزَ الخطابة

يرى روحه مغمورةً بأشجارٍ كثيرة وحطابين مذهولين

عن سماع رواياتِ التقهقر..

أرغبُ كما يرغبُ الجريحُ

بضمادٍ وإبرةِ بنج

أرغبُ كما يرغبُ طائرٌ

بقبضة ريحٍ يحملها بين جناحيه أرغبُ كما يرغبُ الجبل ..

بزحزحة الشمس قليلاً

ومبادلة السماء

بوظيفة التسكع مع صديقاتهِ النجمات..

…………….

قاطعُ الطريق صار سنبلة

 ديوان موسى حوامدة/ موتى يجرون السماء

مشاركة