سلاح مسعور – عمار طاهر

371

سلاح مسعور – عمار طاهر

شاهدتها بأم عيني لم يخبرني عنها أحد.. تفترش الأرض، تضع راس وحيدها في حجرها.. تناجيه بكلمات باكية، وتمسح دموعها عن راسه.. ما تبقى منها شبح امرأة تنتظر قدوم الموت، ليخطف ابنها البكر.. ماقيها ذرفت كل ما فيها، فغدت محاجرها غائرة، وشفتاها ذابلة من فرط الانين والوجع.

ام مصطفى الزوجة الشابة جاهدت على مدى أعوام لتكحل ناظريها بالولد، سكنت المستشفيات، وانفقت كل مدخراتها على الأطباء، نذرت النذور، وسارت حافية نحو الاضرحة المقدسة، وعندما تحول الرجاء الى يأس.. رزقها الله بالبشرى، أغمى عليها من شدة الفرح.. كانت تضعه بين ضلوعها، تخشى عليه العين والحسد، ارسلته ذات صباح الى المدرسة.. فعاد اليها برصاصة طائشة، اخترقت الجمجمة، ونفذت الى الدماغ.

 عشرات الضحايا نودعهم الى المقابر مع كل مناسبة (سعيدة).. الأخ.. الأب.. الصديق.. ولا فرق بين عيد او جنازة او فوز المنتخب الوطني على أضعف الفرق، حيث يستخف المستهترون بحياة الناس من خلال إطلاقات مجنونة، تعبر عما في ذواتهم من قيم البداوة، رغم ادعائهم التحضر، في انفصام اجتماعي ظاهره المدنية، وباطنه كل عقد الانغلاق والتخلف والجهل، وكأن ارض السواد اشتقت حزنها من لون اديمها، فقدر لساكنيها الفراق حتى في لحظات العناق والبهجة.

شحنات الكراهية والعدائية يفصح عبرها هؤلاء المعتوهون عن نوازع الشر المكبوتة، فتسفر فوهات الأسلحة عما يعتريهم من هوس، تتساقط حمم عشوائية على المارة.. تصيب طفلا بريئا يلهو مع اقرانه، او كادحا يسعى وراء قوت يومه، او شيخا طاعنا سأم جدرانه الأربعة.. خرج يبحث عن الحياة، فصادف الموت الزؤام.

مجانية القتل توزعها بنادق ومسدسات لم تجد من يردعها او يقيد شرورها، بل ربما نلمس أحيانا تعاطفا رسميا معها عن طريق بعض منتسبي الأجهزة الأمنية، لتضحى ثقافة عامة يتشارك فيها الجميع، باحتفالات مسعورة تظهر اسوء ما في الانسان من تفاهة وعبث.

هذه العدمية في العقل الجمعي تسللت الى نائبة في البرلمان، يفترض ان تكون حامية للقانون، مدافعة عن المواطن، حيث تناقلت المواقع الالكترونية، وشبكات التواصل الاجتماعي، شريط فيديو يظهرها وهي ترمي بشكل عشوائي.. ولا نعرف ما هو موقف الجهات التنفيذية والتشريعية وإجراءاتها إزاء هذا المنظر المؤسف؟ هل نعيش في دولة حديثة يحكمها القانون ام في غابة يقتل فيها الشعب من قبل ممثلي الشعب؟

مصطفى رحل بلا حقائب الى جوار رب جليل ولا عزاء لوالدته الثكلى، تاركا العار يغلف صمتنا.. لا مبالاتنا.. عدم اكتراثنا بحياته التي سلبها أحمق فاقد رشده، اما نحن.. فبانتظار شهيد جديد، او رقم اخر يضاف الى احصائيات الدم المجاني لنرثيه بكلمات حزينة، وهو يلتحق بركب قافلة الموت في بلد ما يزال يعيش عصر التيه والانحطاط.

بغداد

مشاركة