سقوط الهلال .. قراءة في كتاب Halvmånens fall

فاروق الدباغ

 

 

ليس سقوط الهلال في عنوان الكتاب سقوطًا للدين، بل سقوطٌ للعقل الذي تراجع تحت ظله.

هكذا يمكن تلخيص الأطروحة الجريئة التي يقدّمها عالم الاجتماع الهولندي رود كوبمانس (Ruud Koopmans) في كتابه Halvmånens fall، والذي أثار ضجيجًا واسعًا لأنه توجه إلى سؤال حساس: هل أصبحت الأصولية الدينية عاملًا معيقًا أمام تحوّل المجتمعات الإسلامية نحو الحداثة؟

كوبمانس لا يهاجم الدين كمعتقد، بل يواجه الجمود المؤسسي والفكري الذي حوّل الدين إلى قيد على العقل. عبر بيانات ومقارنات ميدانية، يرسم صورة تُظهر أن الفجوة بين كثير من المجتمعات الإسلامية والغرب ليست اقتصادية فحسب، بل مرتبطة ببنية معرفية وثقافية تقاوم النقد والتغيير.

في الوقت نفسه، يظهر الكتاب انحيازًا اختياريًا. فقد وصف المؤلف بإسهاب الاضطهاد السني للعلويين في تركيا، وأبدى تعاطفًا إنسانيًا — ربما مدفوعًا بوصل عاطفي، على سبيل المثال الشخصي — لكنه أغفل مثلًا ما يتعرض له السنّة في بعض مناطق العراق واليمن وسوريا من سياسات مذهبية قمعية تبنّاها فاعلون يتبنون خطابًا شيعيًا أو علويًا متطرّفًا. هذا الصمت الانتقائي يذكّرنا بضرورة اتّساق النقد: إن الوقوف مع المقهور لا يجوز أن يتحول إلى غياب النقد عندما يكون المقهورُ في معسكرٍ آخر.

وأضيف هنا رأيًا لا غبار عليه: معرقلات الاندماج في السويد لا تُقوّض فقط بسياساتٍ أو بأزمات اقتصادية، بل أيضًا بمنابرٍ ومنصاتٍ تغذي العنف والكراهية وتروّج للمعلومات المضللة. هذه المنابر تتخذ أشكالًا عدّة: مؤذنون وأئمة يدعون إلى تكييف الشريعة بطريقة تشرعن العنف ضد المرأة وتبرر “تأديبها” من قبل الزوج، وقنوات إعلامية وصفحات سوشيال ميديا تبث رسائل التحريض ضد المجتمع السويدي ومؤسساته. أخطر ما في الأمر أن بعض الذين قادوا حملات تضليل واضحة عام 2022 قد غادروا البلاد إلى دول مثل أستراليا ومصر واليونان، وما زالوا من هناك يمارسون التحريض يوميًا وباللغة العربية، مستفيدين من حصانة جواز السفر السويدي الذي يوفّر لهم حرية الحركة والحماية القانونية. أسماء مثل George Toma وZainab Al-Taif أمثلة على هذا النمط: مواطنون يحملون جنسية دولة حرة يقومون باستغلالها لتقويض قيمها.

لذلك، المطلوب اليوم أكثر من مجرد نقاش فكري: علينا مواجهة بنية التضليل نفسها. هذا يتضمن إجراءات متوازية وثنائية المسار:
أولاً، سياسات واضحة لحماية المجتمع من خطاب الكراهية والتحريض — دون المساس بحرية التعبير — عبر تطبيق القوانين على المنابر الرقمية والتعاون مع مزوّدي المنصات لوقف محتوى الدعوة للعنف والمعلومات المضللة.
ثانيًا، عمل مجتمعي مستمر: دعم قيادات دينية معتدلة، برامج تعليمية للمساجد والمدارس، ودعم منابر محلية باللغة العربية تقدم خطابًا مواطنياً يؤكد القيم الديمقراطية وحقوق الإنسان.
ثالثًا، شفافية في التعامل مع حالات الاستغلال: إذا كان مواطن يحمل جنسية البلد يستخدمها لنشر التحريض، فالتعامل القانوني والرقابي يجب أن يكون واضحًا وعلنيًا — ليست العقوبات هدفها العقاب فحسب، بل حماية السلام الاجتماعي.

التهديد الحقيقي لا يكمن في الاختلاف الفكري أو النقد المشروع، بل في من يستغل الحرية ليقوّضها. الديمقراطية تَحتمل الخطأ والعبور والتصحيح، لكنها لا تحتمل الخيانة المنظمة باسم الحقوق.
نحن بحاجة إلى مزيج من القانون، التربية المدنية، والعمل الإعلامي المضاد الذي يكشف شبكات التضليل ويواجهها بالحجة والوقائع.

Halvmånens fall ليس كتابًا ضد الإسلام، بل ضد الجمود باسم الإسلام. إنه مرآة قاسية، لكنها تحتم علينا مهمة أكبر: ألا نسمح لمن يحملون جنسية الحرية ان يستخدموها كسلاح لقتل معنى الحرية نفسها.