سقط الجُلَّنار الساسانية – بهاء حسن 

585

سقط الجُلَّنار الساسانية – بهاء حسن

طلب الرزق بالكد والتجارة ، من الامور التي ندب إليها الشرع ، وعدت النصوص الدينية أن تسعة أجزاء البركة والنماء في التجارة وشُبّه المُتجِر بالحلال والكاد على عياله بمن يواجه أزيز الرصاص في ارض المعركة في سبيل الله .

ولكن للأسف الشديد، هناك فئة كما يقول الله عز وجل في كتابه (وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون ) تطلب الرزق بإحتراف التسول ، رغم أنها تملك من مقومات الحياة ما يكفى لسد احتياجاتها, لكنها تعودت « التسول », وترفض أن تعيش حياة كريمة من مجهودها ومالها. وعد في الفقه الإسلامي إن أحد الذنوب الكبيرة هو السؤال والاستجداء والطلب من الناس من دون حاجة، لذلك وقد ورد في روايات متعددة النهي عن هذا العمل بشدة، ففي الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: ” لا تحل الصدقة لغني “.

وورد في حديث آخر عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: ” من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من جمرة جهنم ” وكذلك ورد في الأحاديث الشريفة ” أنه لا تقبل شهادة من يسأل الناس بكفه “

إذن الاسلام ذم السؤال المادي من دون حاجة ملحة وفي قباله مدح وشجع على الشحاذة العلمية المعنوية بشدة ، لذا سمى نجيب محفوظ رؤيته وروايته وكان بطلها عمر الحمزاوي بالشحاذة لأنها تبحث وتسأل عن الرؤية الكونية للوجود والسعادة وكشف مجهولات الحياة .

ذكرتني أحداث فيلم المتسول الصادر 1983 الذي يحكي قصة الفتى الريفي حسنين البرطوشي -بطولة عادل إمام –  الذي عمل شحاذاً مع عصابة شحاذين  بما حصل معي ومع غيري اليوم وفي كل يوم ، ذهبت لمراجعة طبيب دخل الى صالة الانتظار شابٌ ، رمقته من بعيد فكانت علائم الصحة والقوة بادية على محياه ، كأنه شمشون الجبار ( يدعي العلماء الإسرائيليون إن حفرياتهم في منطقة تلال يهودا قرب القدس قادتهم إلى العثور على خاتم حجري أثري، يبدو أن نقوشه تحكي القصة الواردة في توراة التناخ، وتفيد أن شمشون قتل بيديه المجردتين أسدًا اعترض طريقه) فلما دخل علينا تحول الى إنسان مشلول اليدين ، تخط رجلاه الارض ، ينوء برقبته ، قد ثقل لسانه ، وهو يقسم أن لا يملك قوت عشاءه  فضلا عن يومه . فانهالت القلوب الايمانية  الرحيمة والطيبة العراقية المعهود ، عليه بالعطايا خرج الدكتور وطرده وقال : أُقسِم صادقاً أني أعرفه سليما ، معافى في بدنه، ولكنه تعود الشحذ والاستجداء . بينا نحن كذلك دخلت أمرأة ، وتطلب المساعدة أيضا ، وحين أخذت الرزق المقسوم خرجت أرادت أن تدخل صاحبتها همست في أذنها أني خرجت للتو ولم أبق لك نصيباً ، إفترقتا وبعدهما دخل الرابع كأن قوته شمشون الجبار في فلسطين، و هرقل ابن الأميرة إلكمين والملك زيوس.

تدخل سريع

ذكرتني هذه الحالات بما قرأته في جريدة الاهرام المصرية قبل أيام ما حدث فى أحد شوارع طنطا بمحافظة الغربية ، حينما  ( قام فريق التدخل السريع، التابع للشئون الاجتماعية هناك, بإنقاذ مسن مشرد، فقد اكتشف فريق التدخل السريع أن الرجل الثمانيني يمتلك معاشا شهريا (نحو 6 آلاف جنيه =381.91 دولار أمريكي ) يكفيه للحياة الكريمة، والسكن اللائق).الرجل الثمانينى هذا اعتاد « التسول », ويسكن الشارع لكى يمارس هذه الآفة بشكل يومى, وحينما تم اكتشاف أمره اختفى من الشارع. ليس معنى ذلك أن كل محتاج نضعه تحت «خانة» التسول ، ونرفض مساعدته, لأنه يُعد ظلما للكثير ممن يستحقون المساعدة، والمساندة، والدعم.

فإن البعض ألحت به الحاجة إلى التسول ، فكثرة الشحاذة عندنا سببها الفقر والجوع، فهل فكر سائسو الاقتصاد العراقي ومن بيدهم أزمة الامور بهذه الطبقة المعدمة في ظل إرتفاع سعر صرف الدولار الذي يلقي بظلاله على ارتفاع ثمن المواد اللازمة للحياة ؟؟ عن هذه المعاناة نفّس أحدهم عن حاجته شعرا :

يا رب إني قاعد كما ترى

وزوجتي قاعدة كما ترى!

والبطن مني جائع كما ترى

فما ترى يا ربنا فيما ترى؟

وأدبنا حافل بقصص هؤلاء وقف سائل على باب قوم فقال: تصدقُوا علي فإني جائع. قالوا: لم نَخبزْ بعدُ. قال: فكفّ سَويق؟ قالوا: ما اشترينا بعدُ. قال: فشربة ماء فإني عطشانْ. قالوا: ما أتانا السقاء بعدُ. قال: فيسيرُ دُهن أضعُه على رأسي. قالوا: ومِنْ أين لنا الدهنُ؟ فشتمهم وقال : فما قعودُكم ها هُنا؟! قومُوا وسلُوا معي.

ووقف سائل على باب دار فقال: تصدَّقوا علي. فقالت جاريةٌ من الدار: ما عندنَا شيءٌ نعطيكَ، وسِتى في المأتم. فقال السائلُ: أي مأتم أعظمُ من مأتمكُم إذا لم يكن عندكم شيءٌ؟؟ (نثر الدر ج1 ص 432)

أقول لكل ذلك؛ نحتاج قوات أمنية كشرطة الاداب للتأكد من هويات المتسولين والتدقيق فى أمر كل حالة على حدة،  بحيث تتم مساعدة كل المستحقين، وكشف زيف «المتسولين»? الذين يرتضون تلك المهانة.

بقي أن أقول : أن عنوان المقال مرادف للفظ  الشحاذة ولا علاقة له بالمملكة التي حكمت إيران.

– بغداد

مشاركة