سفر نحو الحق ولطائفه – ناصر محسن المعاضيدي

668

الموسيقا لغة الروح عند جلال الدين الرومي

سفر نحو الحق ولطائفه – ناصر محسن المعاضيدي

أسمه محمد ولقبه مولانا جلال الدين الرومي.

ولد في مدينة (بلخ) في السادس من ربيع الاول عام 604? واجداده جميعآ من أهل خراسان.

صار مولانا،  الثمل من شراب جلال اسم شمس وعظمته اللذين لا تفسير لهما،  لألاء كالشعلة. كان في شعلة هذا الاسم العظيم كأنه في حال احتراق وذوبان. وكانت قطرات الدمع،  التي أنداء روح مولانا،  تنهمل الواحدة تلو الأخرى من سماء عينيه النافذتين: الأنغام السماوية التي يصدرها الناي والرباب،  التي منبعها هيجانات القلب والروح،  تغمر مولانا بتفاصيلها وخفاياها.

وكان معين الدين بروانه،  المريد الكبير لمولانا،  قد لجأ الى الموسيقا من أجل أن يخفف معاناة مراده العظيم. ذلك لأن هذا المريض المتألم كان يبحث في لغة الموسيقا البليغة عن مفـــتاح للخلاص من آلام الفراق،  ودواء شبيه بالمعجزة لهذا الداء الدوي.

ألم يقل: ان الموسيقا هي اللغة الفصيحة لأسرار أعماق الروح والقلب عند الانسان؟.

كان علاء الدين ولد يرى قطرات الدمع المنهلة من زوايا عيني مولانا على عارضه بعين مملوءة بالأسى،  وكان الفضاء مفعمآ بأنغام الرباب والناي المثيرة المؤثرة،  مفعمآ بالهيجانات والاشراقات التي تجعل كل مشاهد وسامع يقرأ الكلمات المقدسة في كتب القرون في محل الوحدة والأبدية والعشق في أنغام حلم الخانقاه،  أو يتذكر هذه الكلمات.

شاهد علاء الدين أن مولانا غارق في خطوات الماضي وأحلامه اللذيذة.

كان يبحث عن أصله،  حتى انك تستطيع أن تقول انه كان يريد أن يزيل عهود الفراق بقطرات الدمع من ساحة الخانقاه. كأنه كان يفكر بعالم الوصال.

نعم،  ان متألم قونية الكبير،  بجريرة أنه أسلم قلبه للعشق أكثر من اللزوم،  نال منه الألم. وكان يبحث عن العلاج. وفي أي شيء يوجد هذا العلاج؟

كان مولانا ينشد في الخانقاه أحر الأشعار العشيقة وأشدها لذعا،  وكانت سيماؤه تدعو كل راء الى المشاركة في الآلام والحرق:

العاشقون قتلى أحياء القلوب                        وهم محترقون بنار عشق الحبيب

وليس للعاشقين وتر ولا عود                       وأنين العشق هو لحن داوود

فيا من لست عاشقآ،  حرام عليك                    الحياة،  لأنك تبددها وتهملها

الأنغام المشوقة للناي والرباب لم تلب الأمنيات الروحية لمولانا،  ولم ترضه كما ينبغي. وعند هذه النقطة،  طلب معين الدين بروانه،  وزير كيقباذ السلجوقي ومريد مولانا،  من الحاضرين في الخانقاه أن يبدؤوا بالرقص،  وينهمكوا بالتهييج والاثارة بصحبة الذكر الجلي.                   كأن أرواح المشاركين المرفوفة أخذت في الطيران مع أصداء عزف العازفين وغناء المنشدين في فضاء الخانقاه،  فبدأ القفز والوثب والرقص. انتهى زمان الصحو،  وكانت الأرواح تنطلق الى مكان كان محلا لتجلي ضروب المحبة والعشق الصافية. وكان للقلوب هيجان آخر. كانت عشرات كوانين النور تكسر بشعاعها الملكوتي صفائح الفضاء. واختلطت مظاهر اللياقة والعظمة  بمظاهر الهيام والغرام،  وانشغلت الشخصيات المختلفة بالرقص. كان هؤلاء،  من أجل مولانا،  يريدون أن يكونوا في حال من الهيجان والسرور،  أن يكونوا مانحين للهدوء والراحة والمتعة والاثارة. كانوا يريدون،  كأنهم عشرات من الأسماء،  أن ينغمسوا في بحر لا نهاية له من السرور والبهجة،  ويصفقوا ويرقصوا. وأمام هذا المشهد الموقظ المنشط،  نهض مولانا من مكانه،  وهمس: هذه الأنغام الثملة،  وهذا الدوران،  جديرة بحفلات الأنس السماوية،  والتركيب الملكوتي للألحان والدوران الذي ينطوي على نكات عرفانية ودقائق صوفية كان يحث مولانا على الرقص والانسجام والتناغم. وشمس صبح الأمل التي تشع من بعيد حررت مولانا الذي كان قد أسر في يد سلطان الهجران:

عندما وعت الذات ذاتها                            تصورت العالم على نحو جلي                فهي تنهض،  تثور،  تطير،  تضيء،  تعطي        تحترق،  تتقد،  تقتل،  تموت،  تشرق

سعة الأيام ساحة تجوالها                           والسماء موجة من غبار طريقها

عندما نهض مولانا،  الذي هو خادم خانقاه الخلق،  للدوران والرقص بدا الأمر كأن الخانقاه خلع من مكانه وأخذ في الهيجان. كل شيء صار تحت تأثير الدوران والرقص. وكانت العواطف قد وجدت مجالآ لمظاهرها،  وحررت الناس للحظات من قبضة غموم الحياة وغصصها ووطأتها. وكان مولانا يرقص،  ويريد أن يشق سقف الفلك،  ويقدم تصميمآ جديدآ يهدم بنيان الفراق،  ويمحو من قاموس البشر محوا تامآ كلمة (( وداع)) للحظات،  ويحول الحياة الى شريط نور وصفاء ووصال ملكوتي.

قوت الروح

الدوران والسماع،  وفق مقولة الشاعر والعارف الكبير والشهير في ايران الحكيم سنائي،  سفر نحو الحق ولطائف الحق وعوائد الفتح ومعاني الكشف،  وهو قوت للروح وحياة القلب. كأن المشاركين في حفل أنس خانقاه مولانا كانوا يسمعون ألحان الروح،  أو يدركون سروره وبهجته. وكان سالكو طريق منزلة الشفق يتخطون في السحاب. وفي تلك اللحظات الساحرة،  غابت عن الوجود كل ضروب الغيبة والنميمة والعجب وحب الرياسة،  أو أسدل عليها ستار النسيان. وكأن الحجب قد رفعت أيضا من أمام الأعين،  وأخذ الجميع في الطيران في فضاء الاستغناء،  وأزيلت كل الصور والآثار من القلوب،  لكي تظهر الصور الحقيقية. عدد ممن كانوا يدورون وقعوا على الأرض منهكين عاجزين عن الامساك بأزمة القلوب. كانت آيات العشق،  آيات الالهام،  ترى وتسمع حقيقة. كل شيء كان يدور،  حتى الخانقاه. كان هذا البرنامج الأصيل فنا شرقيآ،  وكان مصممه شمسآ التبريزي،  وهو ينسي السالك ما يمر في خاطره،  فينشط وينهمك في الرقص،  ويشاهد أن جذب لطيفة العشق يحرك الكائنات.

مر محمود القونوي بقرب مولانا دائرآ وسأل:

– يا مولانا،  في أية حال أنت؟ – فسمع هذه الاجابة:

لا أسمع فقط صدى الطبيعة،  بل أسمع الصدى المتناغم للمجرات،  وأنا مفعم بكليتي محبة واخلاصآ.

– أأنت حزين أم مسرور؟

علمتني عظمة العشق الدوران حول نفسي،  والغم والفرح سيان عندي،  هما عندي شيء واحد. وبالصبر أتحمل صعوبات الفراق كلها. في كل انسان يتوارى نوع خاص من العظمة والجلال.

رقص محمود القونوي،  الذي كان عندئذ في ابتداء أمره،  ومرة أخرى قرب نفسه من مولانا،  وقال:

– أرى أن الدائرين والمغنين قد نال منهم التعب،  من مواصلتهم السماع فأدركهم.

– انت ترى ظاهر الامر،  وهؤلاء يتضرعون تضرع العشاق. ولأنك لا تؤدي صلاة الاشراق توجه نحو صلاة العشاق،  واعلم أن التعب ليس له طريق الى الروح والجسد.

شقاوات الناس

وهذا أيضا في أثناء السماع.

– هل هذا العالم واقعي: الدوران واستماع السماع ؟ – أيقول بهذا عاقل أو أن مولانا يعتقد ذلك وأفتى به؟ – ما أعجب الكفر،  ما أعجب شقاوات الناس.!

فأجابة مولانا:

–  ان من الواجب أن يغدو المرء متجاهلا مثل هذا العقل ويجب عليه – ازاء – ان يتشبث بالجنون.

– وقد جربت العقل الموغل في التفكير،  ومن بعد هذا سوف أجعل نفسي مجنونآ. تحتم العظمة الروحية أن يغدو الانسان مجلى للجمال،  وللأنوار السماوية،  وللألحان الخالدة. وان الرياضات ومجاهدة الشهوات تصقل وجود الانسان وتهذبه.

والدوران والسماع يحرران حقيقة الانسان من القيود البشرية،  والأنغام العذاب هي مخاطبات واشارات الهية،  وسيحدث في النهاية في يوم من الأيام،  أن يكون مذهب العشق حاكمآ على القلوب والأرواح ،  ويستولي هذا المنشور المقدس،  الذي توارت فيه كل البدائع وآيات الجمال،  على العالم كله.

وقف مولانا.. وتوقف الدوارون عن الدوران،  وظل محمود القونوي يسأل بانتظام:

– ما المقصود والهدف من السماع والدوران فيه.. أي ضرب من العبادة والطاعة هذا؟ في اعتقادي، هذا نوع من عبادة الأصنام،  عبادة شمس.. أنتم تعتقدون أنكم تسمعون في السماع صدى صافيآ له عظمة الطبيعة،  والمخالفون المتشددون يزأرون،  وهم كالنار والريح في تنور الانتقام.

– هذه ليست هدفآ… عندما شاهدت أن الناس،  خاصة أكثر أهل قونية ومناطق أخر،  ليسوا ميالين الى الذهاب نحو الحق،  كما يجب ويكونون في النهاية محرومين من الأسرار الالهية،  اضكراب الى سلوك طريق اللطافة والسماع والشعر الموزون،  المناسبة لطبائع الناس وأمزجتهم،  وغذيتهم بهذه المعاني سرا،  ومن المؤسف أن جماعة من الحقودين في قونية يسأمون سماعنا الممتع،  ويعيبونه،  ولا يرضون بهذه الملاذ والمسرات. وأرى أن أناس الأعصر الآتية سيكونون أصحاب تذوق وتحسس للجمال،  وأن عالم العشق سيشمل العالم كله،  وسيغدو الناس كلهم عاشقين لكلامنا،  ويرسلون أدعيتهم لنا،  بمحبة واشتياق.

 سأل محمود القونوي: ما الذي يدفع مولانا الى السماع والدوران؟ –  وأية بدعة هذه التي تعدونها حلالآ؟

– عندما تطفح كأس الروح بعشق المعشوق،  يضطر العاشق الى التوجه الى السماع والرقص والشعر من أجل بيان الأسرار،  من أجل بيان آهات ألم الفراق،  أو أصداء الهيجانات وحرق القلب وأشواقه. وأنا أعرف هذه الثلاثة جيدآ. ان مركز ثقل الانسان هو العشق،  وكل مظاهر الآلالم النفسية تصدر عن هذا المنبع،  وهناك منشأ العقائد الالهية. وأنا اليوم،  بفعل الدوران في الخانقاه،  أحس بأنني قد تحررت روحآ وجسدآ من آلام الفراق. وأحس بأنك،  يا محمود القونوي،  عندما  تخرج من هنا ستذهب الى المجاميع والمحافيل المختلفة،  وستلومني أنا وأصحابي. ستسخر من هذا المشهد المستحسن،  الذي سيكون وسيلة للاتصال بالأبدية،  وستعيب وتنتقد هيجاننا وتحرقنا وجيشاننا الباطني. أنت من أهل الجدال والحجاج ولا تدري أن الانسان غير قادر على مواجهة الآلام والصعوبات. أنت لا تعلم القوة الرمزية التي تربط العارف والسالك بالحقيقة. أنت لا تعلم الكيفية التي عليها مظاهر جمال الكائنات وما مصادرها. أنت خلقت من أجل المستقبل،  ونحن نحب هذه اللحظة،  لأننا نجتاز الماضي والمستقبل بمساعدة العشق. سلم بأنه من دون العشق تساق البشرية الاضمحلال و التلاشي. هذه الهيجانات والانفعالات عند الانسان يجب أن تجد مجالآ لتظهرها وانكشافها. الآلام والغصص التي تنشأ عن الهجر والفراق لابد من تسكينها. لا بد من ازالة ضروب الصدأ والرين عن مرايا القلوب. ولكن كيف يكون ذلك؟ ابتغاء تصفية الروح لا بد من السماع والدوران. السماع والدوران وسيلة،  لا هدف:

اذهب وأزل الصدأ عن وجهه                    ثم بعد ذلك تأمل ذلك النور

ان الدوران والسماع علاج للآلام الروحية،  ويقضيان على الشهوات الحيوانية.

ومادام الانسان غير مغتم الخاطر،  وغير ممتلئ القلب بالألم،  لن يفهم ما اقوله. وفي تلك العهود،  عهود قوة الظاهر ومقامات القيل والقال في المدرسة،  عندما كنت أقرأ       كتب أرسطو،  قرأت أن أرسطو كان يعتقد بأن الفنون كلها،  أي الموسيقا والرقص والشعر،  وسيلة لتسكين الخلجانات والاضطرابات الروحية،  وتشغل العواطف بنفسها،  وتسوقها الى النشاط والروحة والدعة. وأنت في قرارة نفسك تسخر من علم أرسطو،  ومن قولي وعملي،  وليكن الأمر كذلك،  ليس هذا مهما،  وكل يختار طريقه،  ونستمر على ذلك،  لكنه يجب أن تعلم بأننا نسمع هذه الأنغام بأذن الروح،  فقد أنشد سنائي:

أن أنين الناي لا يخلو من ألم                  وان الاشتياق لا يخلو من وجه أصفر

فمن دون لسان،  أخبر الأذن                    ومن دون بيان،  أخبر العقل

فمن نفسه تظل الشعل تنطلق.

               وما العجب في أن يضرم الناي نارآ؟!

مشاركة