سعد البزاز كان حاضراً.. شُكراً – ياسر الوزني

سعد البزاز كان حاضراً.. شُكراً – ياسر الوزني

من الصعوبة بمكان أن تُطفيء شمعة وأنتَ تكتب عن النور وتتجاهل جسراً وفي نيتك العبور فيا أيها المعتاش على سُخف الكلام نظفْ عقلك من البثوروالأوهام وقلْ مايُبصرهُ قلبكَ حقاً وأزرعْ في ضميركَ  بذرةً الأيمان  .. قبل ستةِ أعوامٍ على ما أتذكر نشرتْ لي صحيفة الزمان مقالاً تضمنَ عرضاً من حوارٍشيق بين الدكتورعلي الوردي والأستاذ سعد البزاز أستخلصتهُ من  كتابهِ المعنون (علي الوردي في الطبيعة البشرية: محاولة في فهم ما جرى)..كانت تلكَ المرة الأولى التي مررتُ  فيها على أسم السيد البزاز(مع الاحترام للألقاب) وهذه المرة الثانية التي أذكرهُ فيها (بوصفه الأنساني) وسوف يستنتج القاريء الكريم أن الغاية معروفة المقاصد واضحة ُالمعالم مكشوفةً لأصحابِ النيات الطيبة الذين يؤمنون بالحديث الثابت عن رسول الله (ص) من لايشكر الناس لايشكر الله ..ومن يرغب التوضيح أقول بأني ألتقيت أحدى السيدات مصادفةً فأعطيتها وعداً أن أُشاركها الكتابة فقط عن قصةٍ إنسانيةٍ وَرَدَتْ على لسانها ولم أُلزمُ نَفسي بوعدِ نشر المقال بأعتبار ذلكَ  خارج أرادتي وأعتبرتُ  قولها (الله يهدي رئيس التحرير علينا) موافقةً منها لما تمَ الأتفاقُ عليه .

كنتُ أجلسُ على (مصطبة) في أحدى الكليات الأهلية بأنتظارعودة الموظف المختص إذ حضرتْ إحدى السيدات الأنيقات وهي تقاربني العُمر وبدأت السلام ثم جلست على (مصطبة ) أخرى قربي ويبدو أنها كانت تنتظرشخصاً جاءت معه .. رن جرس هاتفي الجوال وكان المتصل صديق يسألني عن كيفية نشرأعلان في صحيفة بعد ضياع مستمسكاته الشخصية فأخبرته عن إمكانية نشرها في (الزمان) وأنتهت المكالمة .. يبدوأن تلكَ السيدة أستمعت الى ظاهرالمكالمة فسألتني ؟ هل تعمل حضرتك في جريدة (الزمان) ؟ قلت لها أنا أكتبُ فيها فقط ! جيد جداً.. هكذا كان ردها. ثم أسترسلت القول .. البزاز له فضلٌ عليّ لا أنساه . قلت لها مَنْ تقصدين .؟ أجابت رُبما الأستاذ سعد لايتذكرني بعد مرور مايقاربُ الأربعينَ عاماً على لقائي معه  ولكن هذا هو حالُ المحسنين فهم لايحصونَ أعمالهم ولا من أحسنوا لهم ..الله يتكفل بردِ المعروف وهو المجزِي. .لم تكمل القصة وبدأت حديثاً عن العلاقات الحالية في مجتمعنا ..ثم عن زوجها الأستاذ الجامعي الذي توفي في حادثٍ سير وعن راتبهُ التقاعدي ..ثم فاجأتني بسؤالْ.. هل تستطيع أن تنشرما أقولهُ لكَ عن قصة دراستي في لندن وساعدني فيها الأستاذ كثيراً ؟ وهل تعطيني وعداً ؟ قلت لها  أنتِ تطلبين مني وعد دون أن أفهم من أنتِ ؟ وماهي القصة ! أليس من الأجدر أن أفهم أولاً ! قالت صحيح .. ثم أعتذرتْ لكنها أستهلتَ حكايتها … أنا الدكتورة ساجدة وأكتفت بهذا التعريف ..رشحتني دائرتي لدراسة اللغة العبرية في لندن وكانت مدة الدراسة سنتين وستة أشهر (لم تقل سنتان ونصف) يومها كان الأستاذ البزاز في ملحقية العراق الثقافية ..وعند وصولي  لندن أصبتُ بمرض ألتهاب الأذن الوسطى الأمرالذي طرحني الفراش حيث فقدت السيطرة على توازني  مع دوارشديد كلما حاولتُ النهوضَ  .. لم أكنْ قدمتُ أوراقَ دراستي بعد.. عندها قررتُ العودة الى أهلي في العراق مع ألم وحزن عميقين .. وصل الخبرالى الأستاذ سعد وحضرَ الى حيثُ أسكنْ ورفضَ كُلَ أعذاري قائلاً هذه فرصتك في الحياة.. أستثمريها وأنا سوف أساعدك بكل طاقتي لأن عودتك ستترتبُ عليها آثاراً أدارية ونفسية .. بصراحة أقتنعتُ لكني لم أتصورأن بإمكانهِ تقديم كل التسهيلات التي كانت في قسم منها مستحيل فمابين تقديم الأوراق والعلاج الطبي وتحضير مستلزمات الدراسة وأموراً أخرى كثيرة  لكن الله جل جلاله ساعدني إذ سخر لي هذا الأنسان فكان كل شيء يجري على أصوله وأنا في مقام الذي لايصدق كيف تجري الأمور..كان يتدخل حتى في مكان السكن وأجورهُ وفي بعض الأحيان توصيل الطعام .عاملني كأختٍ صغيرة يحنوعليها مع أني كنت اظن سوف يخيب لعدم أمكانيتي التواصل مع الدراسة وهو يُصرُ على عكسهِ .. ورغم أن وضعي المادي كان جيداً الى حد ما لكنه أفترضَ أن مدة الدراسة سوف تأخذ فترةً تزيدُ على المدة المحددة لي وقال لي بالحرف الواحد حتى لو أعترضتْ دائرتكُ على تمديد فترة الدراسة أنا سوف أتحمل مصاريفُ بقاءكِ حتى نيل الشهادة الدراسية  ..بصراحة أنا لم أسمع عنهُ سوى أنه عون لكل العراقيين   ..المهم  بحمد من الله أستعدتُ صحتي وتمكنتُ من أنهاء جزءٍ حزين من حياتي ..صحيح أني تاخرت ُمايقارب 3 أشهرعن المدة المقررة لكني بعد ذلك أكملتُ الدراسة بفضل الله ومساعدة الأستاذ في تجاوز أزمتي ..كنتُ أنهي متطلبات الدراسة بين اليسروالصعوبة لكنه كان يشجعني قائلاً (خلص مابقي شي) …الحمد لله عدتُ للعراق وحصلت على موافقة دائرتي بتمديد مدة الدراسة ..وقبل عودتي ودعني الأستاذ سعد مع الأمنيات وهدية لازلت أحتفظُ بها …الى هذا الحد من كلامها توقعت أنها قاربت على نهايته لذلك قررتُ مع نفسي أن أُعطيها وعداً كما طلبت مني وتاهتْ أفكاري ثم أنشغلتْ في البحث عن عنوانٍ أضعَهُ للمقال ..هي أنتبهت أني أفَكرُ في موضوع آخر فسألتني (هاي شبيك صافن) هل أنت مستغرب أو متأثر ؟ قلت لها في الأثنين لأنك تذكرين الرجلَ بخيرعلى قصةٍ لربما ضاعت منهُ ذِكراها ..أجابت بنبرة أقوى : أستاذ أسمعني .. ناكر الجميل هو أسوأ مخلوق على وجه الأرض …ثم واجهتني بكلام أصعب ..ربما أنتَ واحدٌ من الناس قد واجهك موقف عسير مثلي وعليكَ أن تتذكرمن أعانك وساعدك حينذاك  فتدعوا له بالخير والأحسان  مهما طال الزمن ..قلت لها صحيح .. أنتِ سحبت ذاكرتي الى عام 1983 حينما تعطلت عجلتي في ساعة متأخرة وليل قارس عند منطقة العباسية بين الكوفة والحلة وسخر الله لي حينذاك سائق (تركتور) فأوصلني الى الحلة وزادَ علي من فضله إذْ رفضَ أن يأخذ فلسا واحداً ولازلتُ أتذكرُ ملامحه ..تذكرت ذاك الموقف فأستحضرتُ قول رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم( ومن أتى إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له حتى يعلم أن قد كافأتموه)

عند باب الكلية قلت لها هل نتفق على عنوان المقال قالت (هذا شغلك)..بصراحة انا كنت قد أنتهيت منه فقلت لها (سعدالبزاز كان حاضراً ..شكراً)  قالت ( حلو.. عفية عليك)

طلبت مني رقم هاتفي ..ثم قالت :  نسيت أن اسالك عن أسمك؟ قلت لها فلان الفلاني وهذا رقم هاتفي …كَبَسَتْ على أرقام هاتفها وكنت أنتظرمنها  missed call  لكنها فأجاتني  :سوف أتصل بك قبل سفري ..مع السلامة .

 ها أنا ياسيدتي الدكتورة ساجدة قد وفيتُ بعهدي … وأسأل الله أن يحفظ كل المحسنين والمحسنات والآمرين بالمعروف والآمرات والناهين عن المنكروالناهيات.

مشاركة