سر‭ ‬الانجذاب‭ ‬الإيراني‭ ‬لمصر

فاتح‭ ‬عبد‭ ‬السلام

التفاهمات‭ ‬الإيرانية‭ ‬المصرية‭ ‬بدت‭ ‬على‭ ‬أوضح‭ ‬صورها،‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬تطورات‭ ‬مفاوضات‭ ‬الملف‭ ‬النووي‭ ‬الايراني،‭ ‬والاجتماع‭ ‬الثلاثي‭ ‬بين‭ ‬وزيري‭ ‬خارجية‭ ‬إيران‭ ‬ومصر‭ ‬ومدير‭ ‬عام‭ ‬الوكالة‭ ‬للدولية‭ ‬للطاقة‭ ‬النووية‭ ‬في‭ ‬القاهرة،‭ ‬علامة‭ ‬مهمة‭ ‬في‭ ‬تطور‭ ‬تلك‭ ‬التفاهمات‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تفضي‭ ‬الى‭ ‬انهاء‭ ‬اكثر‭ ‬من‭ ‬أربعة‭ ‬عقود‭ ‬من‭ ‬العداء‭ ‬منذ‭ ‬اغتيال‭ ‬الرئيس‭ ‬المصري‭ ‬الأسبق‭ ‬محمد‭ ‬أنور‭ ‬السادات‭.‬

في‭ ‬العمق‭ ‬هناك‭ ‬أمور‭ ‬عدة‭ ‬تريد‭ ‬مصر‭ ‬وإيران‭ ‬تسويتها‭ ‬لا‭ ‬تخص‭ ‬شارع‭ ‬الاسطنبولي‭ ‬الذي‭ ‬يظهر‭ ‬كواجهة‭ ‬للخصومة‭ ‬في‭ ‬توصيف‭ ‬اعلامي‭ ‬وتعبوي‭ ‬ساذج‭ ‬لما‭ ‬يجري‭ ‬على‭ ‬الواقع‭. ‬

كان‭ ‬امن‭ ‬الخليج‭ ‬يتصدر‭ ‬المشاغل‭ ‬المصرية‭ ‬نحو‭ ‬إيران‭ ‬بحكم‭ ‬العلاقة‭ ‬الأساسية‭ ‬للقاهرة‭ ‬مع‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬وخاصة‭ ‬السعودية‭. ‬غير‭ ‬ان‭ ‬المتغيرات‭ ‬كثيرة‭ ‬ومتسارعة،‭ ‬وان‭ ‬ملف‭ ‬حماية‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية‭ ‬والخليج‭ ‬العربي‭ ‬خاصة‭ ‬باتت‭ ‬بيد‭ ‬الاساطيل‭ ‬الامريكية‭ ‬والغربية،‭ ‬وليس‭ ‬هناك‭ ‬حاجة‭ ‬فورية‭ ‬وعاجلة‭ ‬لتدخل‭ ‬مصري‭ ‬بطلب‭ ‬خليجي‭. ‬كما‭ ‬ان‭ ‬الانفراج‭ ‬الكبير‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬الإيرانية‭ ‬السعودية‭ ‬خفف‭ ‬كثيرا‭ ‬من‭ ‬الاحتقان‭ ‬الإيراني‭ ‬المصري‭ ‬وجعل‭ ‬التفاهمات‭ ‬اكثر‭ ‬سهولة‭.‬

‭ ‬مصدر‭ ‬إيراني‭ ‬قال‭ ‬لي‭ ‬ذات‭ ‬مرة‭ ‬ان‭ ‬القيادة‭ ‬الإيرانية‭ ‬مرتاحة‭ ‬كثيرا‭ ‬للمواقف‭ ‬المصرية‭ ‬من‭ ‬أزمات‭ ‬المنطقة،‭ ‬فمصر‭ ‬لم‭ ‬تتدخل‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬أيام‭ ‬وجود‭ ‬حليف‭ ‬ايران‭ ‬بشار‭ ‬الأسد،‭ ‬وابقت‭ ‬على‭ ‬صلات‭ ‬معينة‭ ‬مع‭ ‬نظامه‭ ‬ولم‭ ‬تطالب‭ ‬بإسقاطه،‭ ‬بل‭ ‬سارعت‭ ‬الى‭ ‬إيجاد‭ ‬السبل‭ ‬لإعادة‭ ‬تأهيله‭ ‬عبر‭ ‬الجامعة‭ ‬العربية،‭ ‬وهو‭ ‬الامر‭ ‬الذي‭ ‬قرأه‭ ‬بشار‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬خاطئ‭ ‬بكل‭ ‬غرور‭ ‬وضحالة‭. ‬وقبل‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬تظهر‭ ‬مصر‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬موقف‭ ‬يضايق‭ ‬النفوذ‭ ‬الإيراني‭ ‬فيه‭ ‬بعد‭ ‬الاحتلال‭ ‬الامريكي‭.‬

‭ ‬كما‭ ‬انّ‭ ‬الازمات‭ ‬الخليجية‭ ‬التي‭ ‬نشبت‭ ‬مع‭ ‬ايران‭ ‬ومنها‭ ‬ما‭ ‬حصل‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬لم‭ ‬تدخل‭ ‬مصر‭ ‬طرفا‭ ‬فيها،‭ ‬ولعل‭ ‬الاختبار‭ ‬الأكبر‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬اليمن،‭ ‬البلاد‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تفارقها‭ ‬العين‭ ‬المصرية‭ ‬منذ‭ ‬حكم‭ ‬عبدالناصر،‭ ‬اذ‭ ‬لم‭ ‬تقبل‭ ‬مصر‭ ‬بزج‭ ‬جيشها‭ ‬في‭ ‬التحالف‭ ‬العربي‭ ‬الذي‭ ‬قادته‭ ‬السعودية‭ ‬ضد‭ ‬المحور‭ ‬الإيراني‭ ‬وبقيادة‭ ‬الحوثيين‭ ‬هناك‭ ‬طوال‭ ‬سنوات‭ ‬الحرب‭.‬

ولا‭ ‬يخفى‭ ‬على‭ ‬المراقب‭ ‬ان‭ ‬الدعم‭ ‬السعودي‭ ‬خف‭ ‬كثيرا‭ ‬لمصر،‭ ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬بابا‭ ‬مفتوحا‭ ‬على‭ ‬مصراعيه‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬الشهور‭ ‬الذهبية‭ ‬التي‭ ‬عاشها‭ ‬الحكم‭ ‬المصري‭ ‬مع‭ ‬منح‭ ‬الملك‭ ‬السعودي‭ ‬الراحل‭ ‬عبدالله‭ ‬بن‭ ‬عبدالعزيز‭. ‬وان‭ ‬مصر‭ ‬تعرف‭ ‬كيف‭ ‬تراجع‭ ‬وتناور‭ ‬،‭ ‬وتقدم‭ ‬خطوة‭ ‬هنا‭ ‬وتلغي‭ ‬خطوة‭ ‬هناك‭.‬

‭ ‬ثمّة‭ ‬مسافات‭ ‬حيادية‭ ‬تحركت‭ ‬فيها‭ ‬مصر‭ ‬وجذبت‭ ‬انتباه‭ ‬وتقدير‭ ‬ايران،‭ ‬وهذا‭ ‬الامر‭ ‬جعل‭ ‬الاتصالات‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭ ‬سهلة‭ ‬ومتطورة‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬وقد‭ ‬تصل‭ ‬الى‭ ‬مستوى‭ ‬أعلى‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬جرى‭ ‬الاتفاق‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬الملف‭ ‬النووي،‭ ‬أمّا‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬انهيار‭ ‬المفاوضات‭ ‬وتصعيد‭ ‬واشنطن‭ ‬ضد‭ ‬طهران،‭ ‬فإنّ‭ ‬المصريين‭ ‬لن‭ ‬يكونوا‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬القرب‭ ‬من‭ ‬ايران‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬تحديدا،‭ ‬ولن‭ ‬يسيروا‭ ‬عكس‭ ‬التيار‭. 

fatihabdulsalam@hotmail.com

رئيس‭ ‬التحرير‭-‬الطبعة‭ ‬الدولية