سرد بعين الكاميرا-تجربة البحريني مهدي عبدالله – فيصل عبدالحسن

تجربة البحريني مهدي عبد الله

سرد بعين الكاميرا

فيصل عبد الحسن

حملت قصص القاص البحريني مهدي عبد الله في مجموعته القصصية” تجربة ” مشاهد حية من حياة المجتمع البحريني، ومن النادر أن نجد الحياة القصيرة المفعمة بالفرح والأمل بالغد والضاجة بالأحلام لدى كتاب القصة اليوم، كما كتبها هذا القاص في هذه المجموعة.

 أربع وعشرون قصة قصيرة يستطيع القارىء فيها متابعة  بناء كل قصة من خلال ثلاثة أنواع من القص، القص التحليلي الاجتماعي، التحليل النفسي، والخيال الفنتازي، واستخدم القاص في سرده بنيات نصية تحيل القارىء الى ما يعيشه كفرد ضمن مجتمع له تقاليده وفوبياه وميثلوجياه، ومن هذه البنيات، اليوميات، والمنللوجات ــ ما يدور في نفوس الأبطال من أفكار ورؤى ــ ودايالوجات ” حوارات ” المعبرة عن مواقف الأبطال في كل قصة.  ففي قصة “عصفورتان وقفص” وهي من قصص التحليل الاجتماعي يضع القاص بطلته ازاء اختيار الزوج المناسب، فيسرد الكاتب قصة عن تقدم رجل لخطبة فتاة، وهو يملك جميع مواصفات الزوج المطلوب، فهو وسيم ويحمل شهادة الهندسة، وغني، ويكبرها بسنوات قليلة، لكنه كان متزوجاً، وهو يحب زوجته الأولى ولا يريد تطليقها، وهو يعترف لها بكل هذا، ويرجو منها ان توافق على خطبته وزواجه منها، والقاص يجعل بطلته تقلب الرأي بين أهلها واقربائها، وصديقاتها لتصل إلى القرار الصائب، فهل ترفض الخطيب أم توافق عليه وترضى بمقاسمته مع زوجة أخرى؟  والقارىء سيدهش من قرار الموافقة الذي تتخذه الفتاة، ولكن هذه الموافقة بالرغم من اتفاقها مع ما يحدث في مجتعاتنا العربية من ضغوط على الفتيات بسبب الفرص القليلة للحصول على زوج مناسب، فتصير موافقة الفتاة كأنها رفض، أو هي موافقة مشبوهة، مبنية على ظروف قاهرة لا يمكن ردها.

فنتازيا

  ومن القصص الأخرى ” زوبعة ” التي ناقشت العلاقة بين الزوج والزوجة في السنوات الأولى من حياتهما الزوجية، التي تتميز بكثرة المشاكل وعدم الأنسجام بين الزوجين بسبب تربية الأطفال، ومواجهة صعوبات الحياة، و” جمر الفؤاد” و” الفارس والحصان ” التي تحكي قصة اجتماع مجلس إدارة شركة تتعرض للأفلاس، ويركز السرد والحوارات التي تدور حول الفساد في الشركة، الذي تسبب في الأفلاس وأضطرار مجلس الشركة لأتخاذ قرارات صعبة لتفادي الأفلاس التام وأغلاق الشركة.

  وفي ” ووجدت نفسي ” تعامل القاص مع النوع الثاني من بنيات النص في مجموعته، فقد اعتمد على التحليل النفسي لأبطاله، فبطل هذه القصة يقول للقارىء عبر منللوج طويل يمتد إلى نهاية القصة ” ضائع أنا لا مستقبل لي ولا حاضر.  الألوان كلها داكنة والدنيا بأكملها ضيقة.  ” ولكن الايقاع يختلف عند نهاية القصة، ويتحول إلى منللوج متفائل ” ذات ليلة وجدت نفسي متأبطاً ذراع عروستي، كنت أرتدي بدلة سوداء ذات ثمن باهظ، وأبتسم ابتسامة عريضة والناس من حولي يباركون ويتمنون لنا حياة مليئة بالسعادة والتوفيق” ولكن ذلك الشعور المؤقت بالسعادة وأنفراج الأزمة يتبخر حين نعرف أن الشرطة تبحث عن المتحدث لأنه سرق مالاً ليغير من احواله.

  بينما تنتمي قصص أخرى في المجموعة إلى البنية الفنتازية، كقصة ” المجنون ” فقد تابع السارد موت منصور، الذي عرفه الناس فرداً ناجحاً استطاع خلال فترة قصيرة أن ينجح في تجارته، ويبني مشروعه الناجح، لكنه يذهب إلى مصير مجهول عندما يصادق شيخاً ساحراً يسلبه أمواله وعقله، فيخسر كل شيء، ويفقد حتى عقله، وبعد ذلك يموت شريداً في الشوارع، لقد سردت الواقعة من خلال ما رواه الناس عن بطله، بأستخدام تقنية الخبر القصير، والسارد يجمع تلك الأخبار القصيرة لينقل لنا من خلال تراكمها مأساة ” منصور المجــــــنون ” وذلك من خــــــلال سرد فاجعة موته وعودته للحيـــــاة.

عين الكاميرا

قصص اخرى ك” الغصن التائه” و” الدرس” و” الليل يبتسم ” و” المكافأة ” و” خيط الشمعة ” و” المعركة ” و”زيارة طارئة ” وهي قصص مزجت البنى النصية السابقة لتعبر عن حياة الناس في البحرين، وقد تناول فيها الكاتب الشريحة الكبرى من الناس في هذا البلد، فتناول احلام الشباب، وبحثهم عن التجربة وحلمهم بالفتاة المناسبة، بينما حلم المتزوجون بتوفير الحياة السعيدة لآسرهم وجاهدوا في تقريب وجهات نظرهم ووجهات نظر شريكاتهم في الحياة، وقد استطاع القاص مهدي عبد الله في قصصه ” أشواك التين” و” فلس واحد ” الذي يحكي فيها قصة الخيانة الزوجية من طرف الزوج، ومواجهة الزوجة له بالصفح بالرغم من ألامها النفسية، وقصة ” ثمن الموت ” و” خفقات قلب ” التي يروي فيها قصصاً عن الخدم الأسيويين في البحرين، وتعاطف معهم في شجونهم ومعاناتهم من بعض مخدوميهم، وقصة” يوميات شاب ” و” اللحظات العصيبة “.

  قصص مجموعة ” تجربة “** قدمت نماذج حية من المجتمع البحريني، والقاص بنى قصصاً سردية بلغة بسيطة مؤدية، مقتصدة، ونابعة حبكتها ومادتها القصصية من سرد واقعي وسينوغرافيا مؤثرة” تأثيث بصري مؤثر” من واقع البحرين الحالي والسينوغرافيا الوصفية أو مايسمي بالسرد بعين الكاميرا، وهي تقنية تشارك بدور كبير في أكمال السرد الحكائي في كل قصة.

  **  ” تجربة ” مجموعة قصصية/ صادرة عن المؤسسة العربية / البحرين / 136 صفحة من القطع الكبير.    *كاتب عراقي مقيم في المغرب

مشاركة