
كلام أبيض
سرد الخام – جليل وادي
من بين الأشياء الكثيرة التي لفتت الانتباه أثناء متابعتي للسيل الهادر من تحليلات خبرائنا المحليين لمجريات النار المستعرة حولنا والتي وصلت شظاياها الى مدننا وان كانت محدودة ونتمنى ان لا تتسع أكثر من ذلك، ما لفتني كثرة استخدامهم لمصطلح (السرد)، فما ان تلتقي فضائية بمحلل (استراتيجي) الا وورد على لسانه هذا المصطلح، وكأن محللينا يسمعون به أول مرة، بينما لم يكن له حضورا في تحليلاتهم لأشهر وسنوات سابقة، فشاع المصطلح حتى صار يجري تداوله في أحاديث بعض المتابعين للشأن السياسي المحلي والدولي، اذ وظف سياسيا على غير استخداماته العادية في المجال الفني، بوصف السرد هو الروي او الحكي او القص، وكلها مترادفات لمعنى واحد، او الاستخدام الشعبي ذو الطابع السلبي في وصف الشخص كثير الكلام، فيُنصح الناس بتجنب مثل هؤلاء لأنهم (يسردون) بشكل غير اعتيادي .
كما لهذا المصطلح في بعض مناطقنا معنى يختلف عن معانيه المعجمية المعروفة والتي لا أعرف من أين وكيف أشتق، اذ تأتي كلمة سرد بمعنى التمزيق، ويذكرني هذا المعنى بحكاية أحد كبار السن من معارفي عندما سمع لغطا خارج بيته فاتجه نحو باب داره بعجالة، فرأى أولاده الأربعة يطاردون أحد الأشخاص، ومن دون ان يعرف سبب مطاردته وماذا فعل لهم وما الحكاية، نادى على أبنائه بعبارته التي اكتسبت شهرة واسعة في منطقتنا : (سردّوه سرد الخام)، أي مزقوه كما تمزق قطعة القماش، ولا أعرف بشكل لغوي دقيق وجه الشبه بين السرد بمعنى الحكي والسرد بمعنى التمزيق، ويذهب ظني ولا أحسبه صحيحا، ان وجه الشبه هو (الطول) ، أي طول التمزيق وطول الحكي، فالسرد بمعناه السلبي المتداول هو طول الكلام، وهكذا الأمر بالنسبة للقماش، فعندما نريد قطع القماش يدويا فنقطعه حتى نهايته سواء بالطول او العرض، ولا التقاء لهذا المعنى بالمعنى المعجمي سوى ان سرد الجلد يعني ثقبه بالمخرز .
ويقودني هذا الموضوع الى العدوان الأمريكي الاسرائيلي على ايران، اذ يستشف من مضمون تصريحات الطرفين ان كل منهما يسعى الى سرد الآخر سرد الخام، فسقوف التصريحات عالية جدا، بينما الحقيقة غائبة جدا ايضا، ولن تحصل من وسائل الاعلام الا التشويش او التضليل على الحقيقة، حتى لا يمكنك في هذا الفضاء المزدحم بالتقارير والتحليلات تمييز الوسيلة الاعلامية التي تتسم بالمصداقية عن غيرها، فكما المحللون منقسمون أيديولوجيا بشأن الصراع الدائر، كذلك غالبية الوسائل الاعلامية المهيمنة على سمائنا، فتشعر ان بعض العربيات تقف جهات اسرائيلية ورائها، وبعضها الآخر وكأن الايرانيون هم من يديرها، فاختلط الحابل بالنابل كما يُقال، بينما الحق بيّن والباطل بيّن.
وبالرغم من الوضوح الكبير بين معسكري الحق والباطل، الا ان بعض أنظمتنا العربية من تجهد في جعل الحق باطلا والباطل حقا، فتدعو الى ان يسرد من تضلل نفسها بأنه العدو (سرد الخام) ، مع انها تعرف الحقيقة، لكنها دائما ما تنحاز الى الأقوى الذي تتوقع حتمية انتصاره، وتحسب لنفسها بعضا من انتصاره ان حدث، وهناك من يعرف الحق جيدا كما يرى الشمس أمام ناظريه، لكنه ينأى بنفسه لكي لا يطوله شرار النار، وهذا أضعف الايمان، فهم في محنة عويصة، فالوقوف على الحياد يعني الامعان في ظلم المظلوم، والانحياز للمظلوم فيه كارثة على بلدانهم، وتنفيذ مطالب الظالم حرفيا يعني النفخ في شرارة الحرب الأهلية القابعة تحت الرماد، وهذا هو ما يجري في العراق ولبنان تحديدا.
الجميع يعرف تمام المعرفة من هو العدو الأول للعرب والمسلمين، ويرون بأعينهم من يحتل أرضهم، ويقتل بالجملة أطفالهم، ويستهدف المتطلع من بلدانهم، ويغتال من لا يتوافق مع هواه، ولا أبلغ من سياسة الاغتيال في لجم أفواه القيادات وزرع الجبن في نفوسهم، ومع كل التنازلات التي قدمها العرب على مدى سبعة عقود، لكنه يرفضها ويتملص منها، ويحتقر شرعيتها، وما السلام في قاموسه الا ذريعة زائفة، فليس في تفكيره سوى التسيّد على بلداننا، وسوقنا سوق العبيد، ولو كان يريد السلام حقا لوافق على حل الدولتين، ولما حدث ما حدث ويحدث الآن من موت ودمار في ايران ولبنان وقبلهما في غزة، على ما في هذا الحل من ظلم للفلسطينيين.
jwhj1963@yahoo.com

















