سحر‭ ‬الوثائق‭ ‬التاريخية‭ ‬والسرية- د. نزار محمود

نعتمد‭ ‬في‭ ‬حياتنا‭ ‬بصورة‭ ‬عامة،‭ ‬وبالخصوص،‭ ‬على‭ ‬الأدلة‭ ‬المادية‭ ‬الملموسة‭ ‬من‭ ‬مخطوطات‭ ‬ووثائق‭ ‬ورسائل‭ ‬وكتب‭ ‬ونقوشات‭ ‬ورسومات‭ ‬ومنحوتات‭ ‬وغيرها،‭ ‬للكشف‭ ‬عن‭ ‬حقيقة‭ ‬ما‭ ‬واتخاذ‭ ‬موقف‭ ‬أزاءها‭. ‬وبالطبع،‭ ‬نقوم‭ ‬بتعزيز‭ ‬ذلك‭ ‬بالتأكد‭ ‬من‭ ‬كون‭ ‬هذا‭ ‬الدليل‭ ‬صحيح‭ ‬في‭ ‬كيانه‭ ‬المادي‭ ‬وزمن‭ ‬إنشائه‭ ‬وغير‭ ‬مزور‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬المسألة‭ ‬لا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تنتهي‭ ‬عند‭ ‬ذلك،‭ ‬فهناك‭ ‬آلاف‭ ‬الأدلة‭ ‬المادية‭ ‬غير‭ ‬المزورة‭ ‬في‭ ‬كيانها‭ ‬لكنها‭ ‬مزورة‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬جاء‭ ‬فيها‭ ‬أو‭ ‬تحمل‭ ‬لأشخاص‭ ‬أو‭ ‬جهات‭ ‬بيانات‭ ‬ومعلومات‭ ‬غير‭ ‬صحيحة‭ ‬وحتى‭ ‬مضللة‭ ‬عن‭ ‬عمد‭ ‬أو‭ ‬دون‭ ‬عمد‭.‬

وهكذا‭ ‬يتباهى‭ ‬ويستند‭ ‬باحث‭ ‬هنا‭ ‬ودارس‭ ‬هناك‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يطرحه‭ ‬ويبني‭ ‬تحليله‭ ‬واستنتاجه‭ ‬عليه‭ ‬إنما‭ ‬هو‭ ‬معزز‭ ‬بوثيقة‭ ‬تاريخية‭ ‬أو‭ ‬سرية،‭ ‬قد‭ ‬سمح‭ ‬بالاطلاع‭ ‬عليها‭ ‬بعد‭ ‬فترة‭ ‬ما،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬تم‭ ‬الحصول‭ ‬عليها‭ ‬بطريقة‭ ‬ما،‭ ‬وغالباً‭ ‬ما‭ ‬يقوم‭ ‬بعرض‭ ‬صورة‭ ‬عنها‭ ‬مذيلة‭ ‬برقم‭ ‬حفظها‭ (‬أرشفتها‭) ‬باحدى‭ ‬المكتبات‭ ‬العالمية‭ ‬أو‭ ‬دار‭ ‬المخطوطات‭ ‬الفلانية‭. ‬إنها‭ ‬بالتأكيد‭ ‬إشكالية‭ ‬كبيرة،‭ ‬وخطيرة‭ ‬أحياناً‭. ‬فليس‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬مكتوب‭ ‬صحيح،‭ ‬وليس‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬تراه‭ ‬العين‭ ‬وتلمسه‭ ‬اليد‭ ‬حقيقة‭ ‬لا‭ ‬جدال‭ ‬فيها‭!‬

هذه‭ ‬الإشكالية‭ ‬نعيشها‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬مواقفنا‭ ‬من‭ ‬كتب‭ ‬دينية‭ ‬في‭ ‬سلامتها‭ ‬أو‭ ‬تحريفها،‭ ‬وكذلك‭ ‬في‭ ‬مؤلفات‭ ‬نسبت‭ ‬الى‭ ‬أشخاص‭ ‬معينيين‭ ‬ليست‭ ‬لهم‭ ‬علاقة‭ ‬بها‭.‬

وهكذا‭ ‬احتوت‭ ‬مئات‭ ‬المكتبات‭ ‬ودور‭ ‬المخطوطات‭ ‬وكذلك‭ ‬المتاحف‭ ‬آلافاً‭ ‬من‭ ‬المواد‭ ‬التي‭ ‬اعتمدناها‭ ‬أدلة‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬بعضها‭ ‬يعين‭ ‬على‭ ‬الوقوف‭ ‬على‭ ‬الحقائق‭.‬

كم‭ ‬كنا،‭ ‬وما‭ ‬زلنا،‭ ‬نتمتع‭ ‬بحكايات‭ ‬ألف‭ ‬ليلة‭ ‬وليلة‭ ‬التي‭ ‬طبعت‭ ‬عشرات‭ ‬المرات‭ ‬وبملايين‭ ‬النسخ،‭ ‬وهي‭ ‬مقبولة‭ ‬لدينا‭ ‬بأن‭ ‬شهرزاد‭ ‬الراوية‭ ‬الجميلة‭ ‬قد‭ ‬حكت‭ ‬ذلك،‭ ‬لكن‭ ‬كم‭ ‬منا‭ ‬أثبت‭ ‬صحة‭ ‬ما‭ ‬روته‭ ‬شهرزاد؟‭!‬

أليس‭ ‬الأدب‭ ‬في‭ ‬خياله‭ ‬والشعر‭ ‬في‭ ‬سحره‭ ‬والفن‭ ‬في‭ ‬إبداعه،‭ ‬والسياسة‭ ‬في‭ ‬أحابيلها‭ ‬بالقادرة‭ ‬على‭ ‬انتاج‭ ‬أدلة‭ ‬مادية‭ ‬ملموسة‭ ‬في‭ ‬كتب‭ ‬ومخطوطات‭ ‬وعلى‭ ‬أوراق‭ ‬شجر‭ ‬أو‭ ‬حجر‭ ‬أو‭ ‬جلود‭ ‬حيوانات،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تعكس‭ ‬الحقيقة؟‭!‬

وهنا‭ ‬لن‭ ‬أتكلم‭ ‬عن‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬للتقنيات‭ ‬الحديثة‭ ‬في‭ ‬رقمنتها‭ ‬وذكائها‭ ‬الإصطناعي‭ ‬

من‭ ‬امكانيات‭ ‬“سحرية”‭ ‬في‭ ‬إضحاكنا‭ ‬وإبكائنا،‭ ‬وفي‭ ‬سوقنا‭ ‬يميناً‭ ‬أو‭ ‬شمالاً‭!‬

أختتم‭ ‬المقال‭ ‬بما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تقوم‭ ‬به،‭ ‬أو‭ ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬قامت‭ ‬به،‭ ‬دوائر‭ ‬أمنية‭ ‬واستخباراتية‭ ‬في‭ ‬استخداماتها‭ ‬لروايات‭ ‬الوثائق‭ ‬التاريخية‭ ‬والسرية‭ ‬في‭ ‬صنع‭ ‬رأي‭ ‬عام‭ ‬هنا،‭ ‬أو‭ ‬زرع‭ ‬فتنة‭ ‬هناك؟‭! ‬يكفي‭ ‬أن‭ ‬نقع‭ ‬على‭ ‬مذكرة‭ ‬سفير،‭ ‬لا‭ ‬ندري‭ ‬سلامة‭ ‬رأيه‭ ‬أو‭ ‬مبتغاه،‭ ‬فنلعن‭ ‬نظاماً‭ ‬ونخون‭ ‬أبرياء‭!! ‬

إن‭ ‬كثيراً‭ ‬من‭ ‬فرقاء‭ ‬العقيدة‭ ‬والرأي‭ ‬بمتلكون‭ ‬من‭ ‬الأدلة‭ ‬المادية‭ ‬ما‭ ‬يحاججون‭ ‬به،‭ ‬فترانا‭ ‬نعيش‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬ينطبق‭ ‬عليه‭ ‬قوله‭ ‬تعالى‭:‬

كل‭ ‬قوم‭ ‬بما‭ ‬لديهم‭ ‬فرحون‭ ‬حذاري‭ ‬حذاري‭ ‬من‭ ‬التعامل‭ ‬الأعمى‭ ‬أو‭ ‬المتعجل‭ ‬مع‭ ‬الوثائق‭ ‬التاريخية‭ ‬والسرية‭!!‬

كم‭ ‬أرجو‭ ‬ممن‭ ‬يجد‭ ‬أهمية‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المقال‭ ‬من‭ ‬مقصد‭ ‬أن‭ ‬يغنيه‭ ‬بإضافات‭ ‬وإضافات‭!‬

برلين،‭ ‬10‭.‬03‭.‬2025