سجين في العهد الديمقراطي – حسين الذكر

280

سجين في العهد الديمقراطي – حسين الذكر

شاهدته مصادفة ، ملامحه  قد تغيرت لكن ذاكرتي ، ما زالت تتقد في الأشياء الجميلة من عراق كله جميل لولا (القتلة ومجرمي وفاسدي  العهدين الديمقراطي والدكتاتوري بل كل العهود) ، حينما حدقت بعينيه اقتربت منه للتاكد من حدسي ، تجاهلني بخشية ، ثم اخذ يقلب ذاكرته  ويسترجع شريط حياته الأول ، اقتربنا من بعض ، ثم دون .. عناء وبلا مقدمات ، طفرت منه ومني دمعتان كانت كفيلة لإزاحة ما تكدس من ضيم العراق ، فتشابكنا حد البكاء ,.. سلمت عليه وسالته عن جميع افراد اسرته واخوته ، وسالني برغم مما فيه من عذابات غطت الجزء الأكبر من مساحات جسده وغيرت شكله الظاهر ، الا انه تذكر وسأل عن اهلي فردا فردا .. كان ذاك جارنا ، الذي هجر منذ أيام الطائفية .. ولم نعد نسمع او نعرف عنهم شيئا .. لكن حينما التقينا اخضر العراق في قلبينا من جديد برغم العتمة التي ما زالت جاثمة على الصدور .

 منذ ان احترقت مؤسسات القهر ودمرت رموز العهد الدكتاتوري .. ثم تعثرت بالنهوض مؤسسات العهد الديمقراطي ،كنا نتوقع ان الأمور تغيرت عما كانت عليه في السجون والاستخبارات والمخابرارت ومراكز الشرطة وغير ذاك مما كنا نطلق عليه بالمؤسسات القمعية . حتى ان بعضنا او اغلب الشعب يتصور ان زمن التعليق والتعذيب والظلم والرشوة والفساد قد ولى مع ذلك الاحتراق الكرنفالي ، كما يعتقد البعض ان عراقنا الجديد ، لا يظلم فيه احد والجميع تحت مظلة القانون وحماية الدستور الديمقراطي . قطعا هذا من محض الخيال او الاحلام الطوباوية  ، بل انه لا يتسق مع كل مشاهد الفساد والسرقات والظلم الذي لاح عامة الشعب في ظل سيطرة الجزء على مقدرات الدولة بكل مفاصلها ..

قبل أيام متنقلا بطرق عملي من باص الى باص اخر، أعيش عشق وجمال استماع قصص الناس واجوائهم واحوالهم ، وقد استرقت حديثا من شاب قريب كان يحدث صاحبه الذي التقاه في باص الكية ،  فساله عن احواله وامه وابيه فقال : ( ان امي وابي باسوأ حال وهما مريضان ويترعدان خوفا على اخي الأكبر الذي عمل سائقاً لشاحنة تنقل النفط لمدة محدودة جدا ، وقد القي القبض عليه ، جنوب العراق وتبين ان الشاحنة تهرب نفط ، وهو لم ينقل بها الا يومين فقط ، ومنذ سنة نلهث انا وامي وأبي وبعض اعماماي واقاربي لتخليصه دون فائدة ، فقد كان القاء القبض عليه بمثابة فرح وكرنفال ورزق للبعض من – جيش الفاسدين  والوسطاء … والمنتفعين .. والمعتاشين على مصائب العراقيين – الغريب ان القاضي حكم عليه ستة اشهر وهو متوقف اكثر من ذلك فلم يطلقوا سراحه حتى يسدد سعر النفط المنقول ، – تصور انهم غرمونا خمسة عشر مليون دينار – اضطررنا ان نبيع كل شيء لسدادها ، ولم يكتفوا بذلك بل حملونا أشياء أخرى … لا اظن امي وابي يتحملان هذه الورطة بالرغم من اطلاق سراح اخي ..

تصوروا ان هذا ليس من بطون التاريخ ولا من عمل المغول ولا تحت سجون الاحتلال ولا في مؤسسات الدكتاتورية البائدة ، لكن تبريره بسيط ونعده طبيعياً ينسجم مع تلك المرحلة ، المصيبة انه في عراقنا الديمقراطي الذي يرتع فيه اللصوص والقتلة والمجرمون والمسؤولون الذين يسرقون ملايين الملايين ولا يتوقفون يوماً واحداً .. اغلبهم يحكمون مع إيقاف التنفيذ او يطلق سراحهم بكفالة .. لان خلفهم من يسد عنهم ويحميهم وبافضل الأحوال يحمل خطاياهم .. فيما نحن الفقراء اصبحنا كمن قيل عنهم : ( ظلوا الما عدهم عشيرة ) والعشيرة هنا تعني القانون ومظلته والدستور وحمايته وشرف المسؤول ونزاهة الموظف من صغيرهم الى اعلى سدة حكمهم … التي اصبحوا فيها يستظلون ويرتعون .!( انا لله واان اليه راجعون ) … هذا فيض من غيض عراق جديد وديمقراطي  ..

مشاركة