الجدار بين العراق وسوريا:الأمن والسياسة يلتقيان عند المعابر

بغداد – عدنان ابوزيد
أقام العراق مشروع الجدار الخرساني على حدوده مع سوريا على امتداد أكثر من ستمئة كيلومتر، ليشكل منعطفاً جديداً في إدارة الحدود الدولية. ويأتي المشروع في سياق تعزيز السيطرة على الثغرات الأمنية التي استغلها تنظيم داعش سابقاً لاختراق الحدود من دير الزور نحو الموصل، ما دفع العراق لدفع ثمن باهظ من حيث الخسائر البشرية والمادية.
وتسعى بغداد عبر هذا الجدار إلى مواجهة شبكات التهريب المعقدة والخلايا المسلحة النائمة، وتعزيز قدراتها على مراقبة الحدود بشكل متواصل.
وشُيد الجدار على ارتفاع ثلاثة أمتار، مدعوماً بخنادق ترابية تصل إلى أربعة أمتار عمقاً وعرض سبعة أمتار، مع سواتر وأسلاك شائكة وأبراج مراقبة مزودة بكاميرات حرارية، إلى جانب مفارز استطلاع تعمل على مدار الساعة، ليشكّل منظومة دفاعية متعدّدة الطبقات تتجاوز مفهوم السور الأسمنتي التقليدي.
واستعجلت الحكومة العراقية تنفيذ المشروع منذ مطلع 2024، مدفوعة بالتحوّلات في المشهد السوري وتبدّل موازين السيطرة في مناطق الشرق والشمال، ما أثار مخاوف من إعادة تشكّل طرق التسلل والتجارة غير المشروعة عبر البادية السورية.
واعتبر الخبراء العسكريون أن الجدار ليس مجرد حاجز مادي، بل استراتيجية أمنية متكاملة تهدف إلى تقليص قدرة التنظيمات المسلحة على التحرك بحرية، وخلق منطقة عازلة تقلّل من التهديدات المباشرة على المدن الحدودية والمراكز الحيوية.
وتفاعل الشارع العراقي مع المشروع بين التفاؤل بالحماية الإضافية والقلق من تبعات الإجراءات الصارمة على التنقل والتجارة، واحتمال مطالبة دول أخرى مثل ايران والكويت، ببناء جدران على حدودها مع العراق. وتمخضت القراءات عن ضرورة دمج هذا الحاجز مع جهود استخباراتية وسياسية لتثبيت الاستقرار، خاصة في ظل استمرار التحولات الإقليمية وارتفاع احتمالات النفوذ المتبادل بين الجماعات المسلحة والحدود العراقية.
البداية
واستعرض العراق منذ خمسينيات القرن الماضي تطورات حدوده الغربية مع سوريا، بدءًا من اتفاقيات دمشق وبغداد الثنائية عام 1957 والتي حاولت ترسيم خطوط الحدود في مناطق شاسعة وصحراوية.
وظهرت الحاجة لتثبيت هذه الحدود رسميًا مع تصاعد التوترات الأمنية في الثمانينيات بسبب النزاعات الإقليمية والتهريب عبر الصحراء الممتدة بين الأنبار والبادية السورية.
وبدأت المحاولات الأولى لبناء حواجز طبيعية وخنادق قصيرة في المناطق الاستراتيجية مثل القائم والوليد، خاصة بعد ظهور التنظيمات المسلحة العابرة للحدود في السنوات الأخيرة.
وخلال التطورات المتلاحقة للحدود خلال العقد الأخير، كانت الأنبار ونينوى مركزًا لأنشطة تنظيم داعش خلال 2013‑2017، وهو ما أجبر بغداد على اتخاذ خطوات تحصينية أولية.
وبيّن خبراء أمنيون أن الجدار السابق على الحدود مع تركيا، والذي امتد لمسافة قصيرة في أقصى الشمال، شكل تجربة أولية للتقييم الهندسي والتقني، على الرغم من أنه لم يُعتبر مشروعًا شاملاً أو فعالاً بالكامل.
تفاصيل المشروع الهندسية ويمتد الجدار العازل الحالي على نحو 615 كيلومترًا، ووصل العمل المنجز حتى مطلع 2025 إلى 400 كيلومتر .
وقال مدير مديرية الإعلام والتوجيه المعنوي في وزارة الدفاع العراقية اللواء تحسين الخفاجي، أن المشروع يشمل خنادق بعرض وعمق يقارب الثلاثة أمتار، وأسلاك شائكة مزدوجة، وأبراج مراقبة مزودة بكاميرات حرارية وأجهزة رصد ليلية، إضافة إلى وحدات حرس الحدود المنتشرة بشكل دوري.
وتم إدراج تقنيات مراقبة حديثة، منها 975 كاميرا حرارية، وشيدت تركيا في إطار مشروع “أنظمة أمن الحدود الفيزيائية”، حاجزاً أمنياً على حدود مختلفة من أراضيها، حيث أنجزت نحو 25 كيلومتراً فقط من الحواجز تجاه الحدود العراقية، مع استمرار العمل على المقاطع الأخرى.
وأكد الخبير في الشأن الأمني، فاضل أبو رغيف، أن الجدار العازل على الحدود العراقية السورية «ليس وليد اللحظة، إنما هو نتاج تراكمات وجهود بُذلت لسنوات طوال».
وحول احتمال دول أخرى مجاورة للعراق الى المطالبة بجدران امنية مماثلة، قال ان لكل دولة استراتيجيتها الأمنية،
وان العراق يتجاوب مع أي مقترح بما يتناسب ومصلحته الأمنية، وفي حال تعارضها مع ذلك فان سوف يرفض التعاون.
وقال أبو رغيف إن الشروع ببناء هذا الجدار بدأ قبل سنوات ويمتد إلى ما بعد مناطق غرب نينوى بـ125 كيلومترا، نظرا لكون تلك المنطقة «ساخنة وشهدت أعمالا إرهابية».
وكشف أبو رغيف عن أن المشروع يتضمن أجهزة مراقبة جوية عبر طائرات مسيرة، قادرة على التحليق لساعات طويلة لمراقبة القطاعات الحساسة.
ويدعم هذه الجوانب الأمنية، تنسيق استخباراتي مستمر على مدار الساعة، يشمل رصد التحركات المشبوهة والخلايا النائمة، وضربات جوية محددة ضد أهداف يُشتبه بأنها تابعة لداعش، وفق العقيد عباس البهادلي، المتحدث باسم وزارة الداخلية العراقية.
وأكد أبو رغيف أن الهدف من هذا النظام الأمني المتكامل هو ضمان عدم تسلل بقايا التنظيم، ودرء الجماعات الإرهابية، ومنع جماعات الجريمة المنظمة المتعلقة بالمخدرات وما شابه ذلك.
واعتبر أبو رغيف ان الحكومة العراقية تمارس «التحوّط الإستراتيجي»، عبر تحصين جبهتها، وهذا الامر سوف ينعكس على العلاقات مع دول الجوار التي سوف تضع ثقتها في الجانب العراقي، ما يدفع العلاقات السياسة والتجارية الى آفاق اكثر ثقة.
الأهداف الأمنية وقال أبو رغيف ان أهداف الجدار الأمنية، تبلغ ثلاثة مستويات: أولًا، منع التسلل عبر الحدود، سواء لأغراض إرهابية أو تهريب المخدرات، لا سيما الكبتاغون الذي أصبح تجارة مربحة للشبكات الإجرامية، وثانيًا ملاحقة خلايا داعش النائمة ومنع عودتها، و ثالثًا تعزيز السيطرة على معابر غير رسمية قد يستخدمها المتطرفون أو المهربون.
وذكر أن فاعلية الجدار مرتبطة بالتنسيق المستمر مع سوريا، لأن التضاريس الصحراوية الشاسعة توفر مسارات محتملة للتسلل. وقال ان استراتيجية الحكومة العراقية تعتمد على خطة متعددة الطبقات تشمل الجيش، حرس الحدود، لضمان ردع أي تهديد على الحدود.
الأبعاد السياسية والدبلوماسية
ولا يبدو الجدار مشروعًا أمنيًا فقط، بل أداة سياسية استراتيجية، فبعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، كان على بغداد موازنة احتياجات الأمن مع فرص إعادة العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية مع دمشق. وافتتاح معبر القائم في 14 يونيو 2025 أمام حركة الركاب والشحن يعكس هذه الرؤية، حيث يُتيح التبادل التجاري والاقتصادي دون المساس بالأمن الحدودي.
وزار وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني بغداد، كما زار الوفد العراقي الاستخباراتي، دمشق لدراسة استعادة خطوط أنابيب النفط القديمة، وتعزيز التعاون في مكافحة الإرهاب.
وترى آراء أن الجدار يمثل بطاقة تفاوضية لبغداد، يرسل رسالة بأنها حريصة على أمنها، لكنه في الوقت نفسه مستعدة للتعاون الاقتصادي والدبلوماسي.
حسابات إقليمية
وقال د. غازي فيصل حسين، أستاذ العلاقات الدولية، إن مشروع الجدار العازل بين العراق وسورية يشكّل منظومة أهداف استراتيجية ذات طابع أمني وسياسي عميق، نظراً لطبيعة الحدود المشتركة الممتدة لأكثر من 600 كيلومتر وما ارتبط بها تاريخياً من تحديات الإرهاب وتهريب السلاح والجريمة المنظمة، لاسيما تجارة المخدرات والأسلحة. وأضاف أن العراق يسعى من خلال هذا المشروع إلى إحكام السيطرة على حدوده الغربية التي تحولت في فترات سابقة إلى ملاذ لعناصر تنظيم داعش، ما جعلها واحدة من أكثر النقاط تهديداً للأمن الوطني العراقي وللاستقرار الإقليمي.
وبيّن أن تصميم الجدار، القائم على سواتر ترابية وخنادق وأسوار معدنية وأبراج مراقبة، من شأنه تعزيز قدرات الاستطلاع ومنع عمليات التسلل، فضلاً عن دعم جاهزية قوات حرس الحدود وتخفيف العبء عن القوات العسكرية.
وتابع أن البعد السياسي للمشروع يتجلى في رغبة الدولة العراقية بتأكيد سيادتها وإظهار قدرتها على ضبط حدودها، في ظل التباينات القائمة بين الحكومة السورية والقوى المحلية في شرق الفرات.
وأشار إلى أن الجدار يرتبط أيضاً بحسابات إقليمية تمس مصالح قوى فاعلة مثل إيران وتركيا، ولا سيما فيما يتعلق بمسارات الإمداد ونفوذ الجماعات المسلحة في المثلث الحدودي.
وقال إن البعد الاقتصادي لا يقل أهمية، إذ يُتوقّع أن يسهم الجدار في الحد من نشاط شبكات التهريب، لا سيما تهريب النفط والمخدرات والمواد المدعومة، الأمر الذي سينعكس إيجاباً على الإيرادات الحكومية.
وأضاف أن تعزيز الاستقرار الأمني قد يمهّد الطريق لمشاريع الربط الكهربائي وتطوير مشاريع النقل وفتح المجال أمام الاستثمارات الاقتصادية.
وتابع حسين أن الجدار العازل يتجاوز وظيفته المباشرة كحاجز أمني، ليصبح جزءاً من خريطة جديدة لإعادة تشكيل التوازنات السياسية والاقتصادية في الشرق الأوسط، بما يحمله من دلالات أمنية وإقليمية عميقة.
الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية
وللجدار تأثير اقتصادي واجتماعي على المجتمعات الحدودية، خصوصًا في محافظتي الأنبار ونينوى، اذن انه سوف
يغير أنماط حياة السكان المحليين، من حرية التنقل والتجارة التقليدية إلى الاعتماد على معابر رسمية ومنظومة مراقبة.
وتشير التقديرات الى تكلفة المشروع المالية والبشرية بالآلاف من العمال والموارد اللوجستية، بما في ذلك الخرسانة، النقل، وصيانة الأنظمة التقنية، ومثل هذه الاستثمارات تمثل تكلفة ثقيلة، لكنها في نظر السلطات العراقية استثمار في استقرار طويل الأمد، وقد تفتح أبوابًا جديدة للتنمية الحدودية.
التجارب الدولية وللدول تجارب في بناء الجدران والتحصينات الحدودية فقد بنت تركيا جدارًا مع سوريا بطول يفوق 800 كيلومتر، والأردن أقام سياجًا بطول 375 كيلومترًا، وإسرائيل أقامت جدرانًا حدودية لتعزيز الأمن ومنع التهريب.
وواضح أن العراق يسير ضمن نهج إقليمي متزايد نحو التحصينات الحدودية، ليس فقط لمواجهة النزاعات المسلحة، بل أيضًا كآلية استباقية لضمان الأمن الاقتصادي والسياسي.
وشيدت تركيا في إطار مشروع “أنظمة أمن الحدود الفيزيائية”، حاجزاً أمنياً على حدود مختلفة من أراضيها، حيث أنجزت نحو 25 كيلومتراً فقط من الحواجز تجاه الحدود العراقية، مع استمرار العمل على المقاطع الأخرى.
الأطواق الأمنية
وقال مخلد حازم، الخبير الأمني، إن أي عمليات تسرب أو تهريب عبر الأراضي العراقية–السورية كانت تمثل في فترات سابقة إحدى أخطر نقاط الاضطراب، موضحاً أن تلك الحدود شكّلت مرتعاً لعبور بقايا عناصر داعش إلى الداخل العراقي، فضلاً عن حصولهم على دعم لوجستي عبر المسالك الرخوة.
وأضاف أن بعض القطاعات الحدودية استُخدمت أيضاً في عمليات تهريب المخدرات وتهريب البشر، مشيراً إلى أن المنطقة الممتدة من اتجاه فيشخابور حتى جبل سنجار، والتي كانت تحت سيطرة قوات سورية الديمقراطية، ظلت تمثل عقدة رخوة غير ممسوكة أمنياً وبعيدة عن نطاق سيطرة القوات الاتحادية.
وأوضح أن بناء ثلاثة أطواق من الخنادق والأسلاك الشائكة والكتل الخرسانية المجهزة بالكاميرات على طول الشريط الحدودي جاء لمعالجة تلك الثغرات وتثبيت واقع أمني أكثر صلابة.
وتابع أن مرحلة ما بعد عام 2017، رغم أنها شهدت الانتصار العسكري على داعش، إلا أنها بقيت محاطة بواقع أمني غير مستقر بفعل نشاط بقايا التنظيم. وأكد أن “الأهم من النصر هو الحفاظ عليه”، وأن ما تبقى من عصابات داعش كان يستمد جزءاً من قدرته على التحرك من خارج الحدود، ما جعل إجراءات الضبط الحدودي ضرورة لا بد منها.
وقال إن الواقع الأمني اليوم يفرض معادلة جديدة مبنية على خطط محدثة لملاحقة خلايا التنظيم، تُستخدم فيها تقنيات استخبارية أرضية وجوية، مثل تفعيل طائرات الرصد والاستمكان الجوي والطائرات المسيّرة، إضافة إلى طائرات C5 التي دخلت الخدمة لمراقبة الحدود، ولا سيما في المناطق الخارجة عن سيطرة الشرطة الاتحادية، مثل فيشخابور وجبل سنجار، وهي مناطق لطالما استغلّتها العصابات في تنفيذ تحركات قريبة من خطوط التماس.
وأضاف أن المرحلة القادمة تتطلب تعزيز العمل الاستخباري بصورة أوسع في المناطق الممتدة بين حدود إقليم كردستان ومحافظة كركوك، عبر نشر قوات مشتركة لضبطها وإحكام السيطرة عليها، إلى جانب تنفيذ كمائن في المسارات التي تُستخدم للتسلل نحو ديالى وكركوك وصلاح الدين، لأن ترك تلك الرقعة بلا وجود أمني يمنح العصابات حرية اختيار الوقت والمكان لتنفيذ عمليات مباغتة.
وتابع أن الحاجة ملحة اليوم إلى تنفيذ عمليات استباقية تمنع حركة بقايا عناصر داعش، رغم أنهم لم يعودوا يمثلون خطراً كما في السابق بعد سقوط مشروع “التمكين” الذي كانوا يطمحون إليه.
وأكد أن هذه التطورات تمثل إنجازاً للمنظومة الأمنية والاستخبارية والشرطوية في ضبط الشريط الحدودي، مشيداً بقدرات قوات شرطة الحدود والقوات العسكرية المدرعة التي تشكل الخط الثاني بعد قيادة قوات الحدود، بالإضافة إلى منظومة الأطواق الأمنية التي جرى اعتمادها لحماية المنطقة ومنع أي اختراق محتمل.
بناء الثقة
والمرجح ان الجدار سوف ينجح في منع التسلل والتهريب لكنه يعتمد على التعاون المستمر مع دمشق، والقدرة على إدارة الأنظمة التقنية والأمنية، وفاعلية القوات على الأرض، فيما تؤكد تحليلات خبراء الأمن والسياسة أن مشروع الجدار المقام على الحدود العراقية–السورية لا يُختزل في وظيفته التحصينية وحدها، بل يتحول إلى أداة يمكن أن تعيد بناء مستويات الثقة بين بغداد ودمشق في مرحلة شديدة الحساسية.
وتوضح القراءة الاستراتيجية أن العراق، عبر هذا الجدار، يبعث برسالة مفادها قدرته على ضبط حدوده دون أن يعني ذلك الانغلاق أو قطع شرايين التواصل الاقتصادي.
وتشير التقديرات إلى أن هذه الخطوة قد تفتح الباب أمام تفاهمات أمنية مشتركة تعالج الملفات العالقة وتخفف من مخاطر تسلل الجماعات المسلحة عبر المناطق الرخوة.
وتلفت تحليلات إلى أن ضبط الحدود يهيئ بيئة آمنة تساعد على عودة الحركة التجارية وتنشيط مشاريع الربط الكهربائي والنقل بين البلدين.
وتبرز لدى المراقبين قناعة بأن تعزيز الأمن الحدودي يشكل حجر الأساس لأي تعاون اقتصادي محتمل في المستقبل.
وتذهب بعض الآراء إلى أن نجاح هذا النموذج سوف يشجع على ترتيبات إقليمية مماثلة لضبط الحدود في مناطق أخرى.
وتخلص هذه المقاربات إلى أن الجدار، رغم صلابته المادية، يحمل دلالات سياسية مرنة تُظهر رغبة العراق في تحقيق التوازن بين الأمن والانفتاح والتنمية.



















