ستمائة‭ ‬كيلومتر‭ ‬من‭ ‬الخرسانة‭ ‬والحذر‭:‬بغداد‭ ‬تراقب‭ ‬الحدود

الجدار‭ ‬بين‭ ‬العراق‭ ‬وسوريا‭:‬الأمن‭ ‬والسياسة‭ ‬يلتقيان‭ ‬عند‭ ‬المعابر

بغداد‭ – ‬عدنان‭ ‬ابوزيد

أقام‭ ‬العراق‭ ‬مشروع‭ ‬الجدار‭ ‬الخرساني‭ ‬على‭ ‬حدوده‭ ‬مع‭ ‬سوريا‭ ‬على‭ ‬امتداد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ستمئة‭ ‬كيلومتر،‭ ‬ليشكل‭ ‬منعطفاً‭ ‬جديداً‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬الحدود‭ ‬الدولية‭. ‬ويأتي‭ ‬المشروع‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬تعزيز‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬الثغرات‭ ‬الأمنية‭ ‬التي‭ ‬استغلها‭ ‬تنظيم‭ ‬داعش‭ ‬سابقاً‭ ‬لاختراق‭ ‬الحدود‭ ‬من‭ ‬دير‭ ‬الزور‭ ‬نحو‭ ‬الموصل،‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬العراق‭ ‬لدفع‭ ‬ثمن‭ ‬باهظ‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الخسائر‭ ‬البشرية‭ ‬والمادية‭.‬

وتسعى‭ ‬بغداد‭ ‬عبر‭ ‬هذا‭ ‬الجدار‭ ‬إلى‭ ‬مواجهة‭ ‬شبكات‭ ‬التهريب‭ ‬المعقدة‭ ‬والخلايا‭ ‬المسلحة‭ ‬النائمة،‭ ‬وتعزيز‭ ‬قدراتها‭ ‬على‭ ‬مراقبة‭ ‬الحدود‭ ‬بشكل‭ ‬متواصل‭.‬

وشُيد‭ ‬الجدار‭ ‬على‭ ‬ارتفاع‭ ‬ثلاثة‭ ‬أمتار،‭ ‬مدعوماً‭ ‬بخنادق‭ ‬ترابية‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬أربعة‭ ‬أمتار‭ ‬عمقاً‭ ‬وعرض‭ ‬سبعة‭ ‬أمتار،‭ ‬مع‭ ‬سواتر‭ ‬وأسلاك‭ ‬شائكة‭ ‬وأبراج‭ ‬مراقبة‭ ‬مزودة‭ ‬بكاميرات‭ ‬حرارية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬مفارز‭ ‬استطلاع‭ ‬تعمل‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬الساعة،‭ ‬ليشكّل‭ ‬منظومة‭ ‬دفاعية‭ ‬متعدّدة‭ ‬الطبقات‭ ‬تتجاوز‭ ‬مفهوم‭ ‬السور‭ ‬الأسمنتي‭ ‬التقليدي‭.‬

واستعجلت‭ ‬الحكومة‭ ‬العراقية‭ ‬تنفيذ‭ ‬المشروع‭ ‬منذ‭ ‬مطلع‭ ‬2024،‭ ‬مدفوعة‭ ‬بالتحوّلات‭ ‬في‭ ‬المشهد‭ ‬السوري‭ ‬وتبدّل‭ ‬موازين‭ ‬السيطرة‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬الشرق‭ ‬والشمال،‭ ‬ما‭ ‬أثار‭ ‬مخاوف‭ ‬من‭ ‬إعادة‭ ‬تشكّل‭ ‬طرق‭ ‬التسلل‭ ‬والتجارة‭ ‬غير‭ ‬المشروعة‭ ‬عبر‭ ‬البادية‭ ‬السورية‭.‬

واعتبر‭ ‬الخبراء‭ ‬العسكريون‭ ‬أن‭ ‬الجدار‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬حاجز‭ ‬مادي،‭ ‬بل‭ ‬استراتيجية‭ ‬أمنية‭ ‬متكاملة‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬تقليص‭ ‬قدرة‭ ‬التنظيمات‭ ‬المسلحة‭ ‬على‭ ‬التحرك‭ ‬بحرية،‭ ‬وخلق‭ ‬منطقة‭ ‬عازلة‭ ‬تقلّل‭ ‬من‭ ‬التهديدات‭ ‬المباشرة‭ ‬على‭ ‬المدن‭ ‬الحدودية‭ ‬والمراكز‭ ‬الحيوية‭.‬

وتفاعل‭ ‬الشارع‭ ‬العراقي‭ ‬مع‭ ‬المشروع‭ ‬بين‭ ‬التفاؤل‭ ‬بالحماية‭ ‬الإضافية‭ ‬والقلق‭ ‬من‭ ‬تبعات‭ ‬الإجراءات‭ ‬الصارمة‭ ‬على‭ ‬التنقل‭ ‬والتجارة،‭ ‬واحتمال‭ ‬مطالبة‭ ‬دول‭ ‬أخرى‭ ‬مثل‭ ‬ايران‭ ‬والكويت،‭ ‬ببناء‭ ‬جدران‭ ‬على‭ ‬حدودها‭ ‬مع‭ ‬العراق‭. ‬وتمخضت‭ ‬القراءات‭ ‬عن‭ ‬ضرورة‭ ‬دمج‭ ‬هذا‭ ‬الحاجز‭ ‬مع‭ ‬جهود‭ ‬استخباراتية‭ ‬وسياسية‭ ‬لتثبيت‭ ‬الاستقرار،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬استمرار‭ ‬التحولات‭ ‬الإقليمية‭ ‬وارتفاع‭ ‬احتمالات‭ ‬النفوذ‭ ‬المتبادل‭ ‬بين‭ ‬الجماعات‭ ‬المسلحة‭ ‬والحدود‭ ‬العراقية‭.‬

البداية

واستعرض‭ ‬العراق‭ ‬منذ‭ ‬خمسينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬تطورات‭ ‬حدوده‭ ‬الغربية‭ ‬مع‭ ‬سوريا،‭ ‬بدءًا‭ ‬من‭ ‬اتفاقيات‭ ‬دمشق‭ ‬وبغداد‭ ‬الثنائية‭ ‬عام‭ ‬1957‭ ‬والتي‭ ‬حاولت‭ ‬ترسيم‭ ‬خطوط‭ ‬الحدود‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬شاسعة‭ ‬وصحراوية‭.‬

وظهرت‭ ‬الحاجة‭ ‬لتثبيت‭ ‬هذه‭ ‬الحدود‭ ‬رسميًا‭ ‬مع‭ ‬تصاعد‭ ‬التوترات‭ ‬الأمنية‭ ‬في‭ ‬الثمانينيات‭ ‬بسبب‭ ‬النزاعات‭ ‬الإقليمية‭ ‬والتهريب‭ ‬عبر‭ ‬الصحراء‭ ‬الممتدة‭ ‬بين‭ ‬الأنبار‭ ‬والبادية‭ ‬السورية‭.‬

وبدأت‭ ‬المحاولات‭ ‬الأولى‭ ‬لبناء‭ ‬حواجز‭ ‬طبيعية‭ ‬وخنادق‭ ‬قصيرة‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬مثل‭ ‬القائم‭ ‬والوليد،‭ ‬خاصة‭ ‬بعد‭ ‬ظهور‭ ‬التنظيمات‭ ‬المسلحة‭ ‬العابرة‭ ‬للحدود‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭.‬

وخلال‭ ‬التطورات‭ ‬المتلاحقة‭ ‬للحدود‭ ‬خلال‭ ‬العقد‭ ‬الأخير،‭ ‬كانت‭ ‬الأنبار‭ ‬ونينوى‭ ‬مركزًا‭ ‬لأنشطة‭ ‬تنظيم‭ ‬داعش‭ ‬خلال‭ ‬2013‑2017،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أجبر‭ ‬بغداد‭ ‬على‭ ‬اتخاذ‭ ‬خطوات‭ ‬تحصينية‭ ‬أولية‭.‬

وبيّن‭ ‬خبراء‭ ‬أمنيون‭ ‬أن‭ ‬الجدار‭ ‬السابق‭ ‬على‭ ‬الحدود‭ ‬مع‭ ‬تركيا،‭ ‬والذي‭ ‬امتد‭ ‬لمسافة‭ ‬قصيرة‭ ‬في‭ ‬أقصى‭ ‬الشمال،‭ ‬شكل‭ ‬تجربة‭ ‬أولية‭ ‬للتقييم‭ ‬الهندسي‭ ‬والتقني،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يُعتبر‭ ‬مشروعًا‭ ‬شاملاً‭ ‬أو‭ ‬فعالاً‭ ‬بالكامل‭.‬

‭ ‬تفاصيل‭ ‬المشروع‭ ‬الهندسية‭  ‬ويمتد‭ ‬الجدار‭ ‬العازل‭ ‬الحالي‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬615‭ ‬كيلومترًا،‭ ‬ووصل‭ ‬العمل‭ ‬المنجز‭ ‬حتى‭ ‬مطلع‭ ‬2025‭ ‬إلى‭ ‬400‭ ‬كيلومتر‭ .‬

وقال‭ ‬مدير‭ ‬مديرية‭ ‬الإعلام‭ ‬والتوجيه‭ ‬المعنوي‭ ‬في‭ ‬وزارة‭ ‬الدفاع‭ ‬العراقية‭ ‬اللواء‭ ‬تحسين‭ ‬الخفاجي،‭ ‬أن‭ ‬المشروع‭ ‬يشمل‭ ‬خنادق‭ ‬بعرض‭ ‬وعمق‭ ‬يقارب‭ ‬الثلاثة‭ ‬أمتار،‭ ‬وأسلاك‭ ‬شائكة‭ ‬مزدوجة،‭ ‬وأبراج‭ ‬مراقبة‭ ‬مزودة‭ ‬بكاميرات‭ ‬حرارية‭ ‬وأجهزة‭ ‬رصد‭ ‬ليلية،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬وحدات‭ ‬حرس‭ ‬الحدود‭ ‬المنتشرة‭ ‬بشكل‭ ‬دوري‭.‬

وتم‭ ‬إدراج‭ ‬تقنيات‭ ‬مراقبة‭ ‬حديثة،‭ ‬منها‭ ‬975‭ ‬كاميرا‭ ‬حرارية،‭ ‬وشيدت‭ ‬تركيا‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬مشروع‭ ‬“أنظمة‭ ‬أمن‭ ‬الحدود‭ ‬الفيزيائية”،‭ ‬حاجزاً‭ ‬أمنياً‭ ‬على‭ ‬حدود‭ ‬مختلفة‭ ‬من‭ ‬أراضيها،‭ ‬حيث‭ ‬أنجزت‭ ‬نحو‭ ‬25‭ ‬كيلومتراً‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬الحواجز‭ ‬تجاه‭ ‬الحدود‭ ‬العراقية،‭ ‬مع‭ ‬استمرار‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬المقاطع‭ ‬الأخرى‭.‬

وأكد‭ ‬الخبير‭ ‬في‭ ‬الشأن‭ ‬الأمني،‭ ‬فاضل‭ ‬أبو‭ ‬رغيف،‭ ‬أن‭ ‬الجدار‭ ‬العازل‭ ‬على‭ ‬الحدود‭ ‬العراقية‭ ‬السورية‭ ‬‮«‬ليس‭ ‬وليد‭ ‬اللحظة،‭ ‬إنما‭ ‬هو‭ ‬نتاج‭ ‬تراكمات‭ ‬وجهود‭ ‬بُذلت‭ ‬لسنوات‭ ‬طوال‮»‬‭.‬

وحول‭ ‬احتمال‭ ‬دول‭ ‬أخرى‭ ‬مجاورة‭ ‬للعراق‭ ‬الى‭ ‬المطالبة‭ ‬بجدران‭ ‬امنية‭ ‬مماثلة،‭ ‬قال‭ ‬ان‭ ‬لكل‭ ‬دولة‭ ‬استراتيجيتها‭ ‬الأمنية،

وان‭ ‬العراق‭ ‬يتجاوب‭ ‬مع‭ ‬أي‭ ‬مقترح‭ ‬بما‭ ‬يتناسب‭ ‬ومصلحته‭ ‬الأمنية،‭ ‬وفي‭ ‬حال‭ ‬تعارضها‭ ‬مع‭ ‬ذلك‭ ‬فان‭ ‬سوف‭ ‬يرفض‭ ‬التعاون‭.‬

وقال‭ ‬أبو‭ ‬رغيف‭ ‬إن‭ ‬الشروع‭ ‬ببناء‭ ‬هذا‭ ‬الجدار‭ ‬بدأ‭ ‬قبل‭ ‬سنوات‭ ‬ويمتد‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬مناطق‭ ‬غرب‭ ‬نينوى‭ ‬بـ125‭ ‬كيلومترا،‭ ‬نظرا‭ ‬لكون‭ ‬تلك‭ ‬المنطقة‭ ‬‮«‬ساخنة‭ ‬وشهدت‭ ‬أعمالا‭ ‬إرهابية‮»‬‭.‬

وكشف‭ ‬أبو‭ ‬رغيف‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬المشروع‭ ‬يتضمن‭ ‬أجهزة‭ ‬مراقبة‭ ‬جوية‭ ‬عبر‭ ‬طائرات‭ ‬مسيرة،‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬التحليق‭ ‬لساعات‭ ‬طويلة‭ ‬لمراقبة‭ ‬القطاعات‭ ‬الحساسة‭.‬

ويدعم‭ ‬هذه‭ ‬الجوانب‭ ‬الأمنية،‭ ‬تنسيق‭ ‬استخباراتي‭ ‬مستمر‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬الساعة،‭ ‬يشمل‭ ‬رصد‭ ‬التحركات‭ ‬المشبوهة‭ ‬والخلايا‭ ‬النائمة،‭ ‬وضربات‭ ‬جوية‭ ‬محددة‭ ‬ضد‭ ‬أهداف‭ ‬يُشتبه‭ ‬بأنها‭ ‬تابعة‭ ‬لداعش،‭ ‬وفق‭ ‬العقيد‭ ‬عباس‭ ‬البهادلي،‭ ‬المتحدث‭ ‬باسم‭ ‬وزارة‭ ‬الداخلية‭ ‬العراقية‭.‬

وأكد‭ ‬أبو‭ ‬رغيف‭ ‬أن‭ ‬الهدف‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬النظام‭ ‬الأمني‭ ‬المتكامل‭ ‬هو‭ ‬ضمان‭ ‬عدم‭ ‬تسلل‭ ‬بقايا‭ ‬التنظيم،‭ ‬ودرء‭ ‬الجماعات‭ ‬الإرهابية،‭ ‬ومنع‭ ‬جماعات‭ ‬الجريمة‭ ‬المنظمة‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالمخدرات‭ ‬وما‭ ‬شابه‭ ‬ذلك‭.‬

واعتبر‭ ‬أبو‭ ‬رغيف‭ ‬ان‭ ‬الحكومة‭ ‬العراقية‭ ‬تمارس‭ ‬‮«‬التحوّط‭ ‬الإستراتيجي‮»‬،‭ ‬عبر‭ ‬تحصين‭ ‬جبهتها،‭ ‬وهذا‭ ‬الامر‭ ‬سوف‭ ‬ينعكس‭ ‬على‭ ‬العلاقات‭ ‬مع‭ ‬دول‭ ‬الجوار‭ ‬التي‭ ‬سوف‭ ‬تضع‭ ‬ثقتها‭ ‬في‭ ‬الجانب‭ ‬العراقي،‭ ‬ما‭ ‬يدفع‭ ‬العلاقات‭ ‬السياسة‭ ‬والتجارية‭ ‬الى‭ ‬آفاق‭ ‬اكثر‭ ‬ثقة‭.‬

الأهداف‭ ‬الأمنية‭  ‬وقال‭ ‬أبو‭ ‬رغيف‭ ‬ان‭ ‬أهداف‭ ‬الجدار‭ ‬الأمنية،‭ ‬تبلغ‭ ‬ثلاثة‭ ‬مستويات‭: ‬أولًا،‭ ‬منع‭ ‬التسلل‭ ‬عبر‭ ‬الحدود،‭ ‬سواء‭ ‬لأغراض‭ ‬إرهابية‭ ‬أو‭ ‬تهريب‭ ‬المخدرات،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬الكبتاغون‭ ‬الذي‭ ‬أصبح‭ ‬تجارة‭ ‬مربحة‭ ‬للشبكات‭ ‬الإجرامية،‭ ‬وثانيًا‭ ‬ملاحقة‭ ‬خلايا‭ ‬داعش‭ ‬النائمة‭ ‬ومنع‭ ‬عودتها،‭ ‬و‭ ‬ثالثًا‭ ‬تعزيز‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬معابر‭ ‬غير‭ ‬رسمية‭ ‬قد‭ ‬يستخدمها‭ ‬المتطرفون‭ ‬أو‭ ‬المهربون‭.‬

وذكر‭ ‬أن‭ ‬فاعلية‭ ‬الجدار‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالتنسيق‭ ‬المستمر‭ ‬مع‭ ‬سوريا،‭ ‬لأن‭ ‬التضاريس‭ ‬الصحراوية‭ ‬الشاسعة‭ ‬توفر‭ ‬مسارات‭ ‬محتملة‭ ‬للتسلل‭. ‬وقال‭ ‬ان‭ ‬استراتيجية‭ ‬الحكومة‭ ‬العراقية‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬خطة‭ ‬متعددة‭ ‬الطبقات‭ ‬تشمل‭ ‬الجيش،‭ ‬حرس‭ ‬الحدود،‭ ‬لضمان‭ ‬ردع‭ ‬أي‭ ‬تهديد‭ ‬على‭ ‬الحدود‭.‬

الأبعاد‭ ‬السياسية‭ ‬والدبلوماسية

ولا‭ ‬يبدو‭ ‬الجدار‭ ‬مشروعًا‭ ‬أمنيًا‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬أداة‭ ‬سياسية‭ ‬استراتيجية،‭ ‬فبعد‭ ‬سقوط‭ ‬نظام‭ ‬بشار‭ ‬الأسد‭ ‬في‭ ‬ديسمبر‭ ‬2024،‭ ‬كان‭ ‬على‭ ‬بغداد‭ ‬موازنة‭ ‬احتياجات‭ ‬الأمن‭ ‬مع‭ ‬فرص‭ ‬إعادة‭ ‬العلاقات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والدبلوماسية‭ ‬مع‭ ‬دمشق‭. ‬وافتتاح‭ ‬معبر‭ ‬القائم‭ ‬في‭ ‬14‭ ‬يونيو‭ ‬2025‭ ‬أمام‭ ‬حركة‭ ‬الركاب‭ ‬والشحن‭ ‬يعكس‭ ‬هذه‭ ‬الرؤية،‭ ‬حيث‭ ‬يُتيح‭ ‬التبادل‭ ‬التجاري‭ ‬والاقتصادي‭ ‬دون‭ ‬المساس‭ ‬بالأمن‭ ‬الحدودي‭.‬

وزار‭ ‬وزير‭ ‬الخارجية‭ ‬السوري‭ ‬أسعد‭ ‬الشيباني‭ ‬بغداد،‭ ‬كما‭ ‬زار‭ ‬الوفد‭ ‬العراقي‭ ‬الاستخباراتي،‭ ‬دمشق‭ ‬لدراسة‭ ‬استعادة‭ ‬خطوط‭ ‬أنابيب‭ ‬النفط‭ ‬القديمة،‭ ‬وتعزيز‭ ‬التعاون‭ ‬في‭ ‬مكافحة‭ ‬الإرهاب‭.‬

وترى‭ ‬آراء‭ ‬أن‭ ‬الجدار‭ ‬يمثل‭ ‬بطاقة‭ ‬تفاوضية‭ ‬لبغداد،‭ ‬يرسل‭ ‬رسالة‭ ‬بأنها‭ ‬حريصة‭ ‬على‭ ‬أمنها،‭ ‬لكنه‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬مستعدة‭ ‬للتعاون‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والدبلوماسي‭.‬

حسابات‭ ‬إقليمية

وقال‭ ‬د‭. ‬غازي‭ ‬فيصل‭ ‬حسين،‭ ‬أستاذ‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية،‭ ‬إن‭ ‬مشروع‭ ‬الجدار‭ ‬العازل‭ ‬بين‭ ‬العراق‭ ‬وسورية‭ ‬يشكّل‭ ‬منظومة‭ ‬أهداف‭ ‬استراتيجية‭ ‬ذات‭ ‬طابع‭ ‬أمني‭ ‬وسياسي‭ ‬عميق،‭ ‬نظراً‭ ‬لطبيعة‭ ‬الحدود‭ ‬المشتركة‭ ‬الممتدة‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬600‭ ‬كيلومتر‭ ‬وما‭ ‬ارتبط‭ ‬بها‭ ‬تاريخياً‭ ‬من‭ ‬تحديات‭ ‬الإرهاب‭ ‬وتهريب‭ ‬السلاح‭ ‬والجريمة‭ ‬المنظمة،‭ ‬لاسيما‭ ‬تجارة‭ ‬المخدرات‭ ‬والأسلحة‭. ‬وأضاف‭ ‬أن‭ ‬العراق‭ ‬يسعى‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬إلى‭ ‬إحكام‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬حدوده‭ ‬الغربية‭ ‬التي‭ ‬تحولت‭ ‬في‭ ‬فترات‭ ‬سابقة‭ ‬إلى‭ ‬ملاذ‭ ‬لعناصر‭ ‬تنظيم‭ ‬داعش،‭ ‬ما‭ ‬جعلها‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬النقاط‭ ‬تهديداً‭ ‬للأمن‭ ‬الوطني‭ ‬العراقي‭ ‬وللاستقرار‭ ‬الإقليمي‭.‬

‭ ‬وبيّن‭ ‬أن‭ ‬تصميم‭ ‬الجدار،‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬سواتر‭ ‬ترابية‭ ‬وخنادق‭ ‬وأسوار‭ ‬معدنية‭ ‬وأبراج‭ ‬مراقبة،‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬تعزيز‭ ‬قدرات‭ ‬الاستطلاع‭ ‬ومنع‭ ‬عمليات‭ ‬التسلل،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬دعم‭ ‬جاهزية‭ ‬قوات‭ ‬حرس‭ ‬الحدود‭ ‬وتخفيف‭ ‬العبء‭ ‬عن‭ ‬القوات‭ ‬العسكرية‭.‬

وتابع‭ ‬أن‭ ‬البعد‭ ‬السياسي‭ ‬للمشروع‭ ‬يتجلى‭ ‬في‭ ‬رغبة‭ ‬الدولة‭ ‬العراقية‭ ‬بتأكيد‭ ‬سيادتها‭ ‬وإظهار‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬ضبط‭ ‬حدودها،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬التباينات‭ ‬القائمة‭ ‬بين‭ ‬الحكومة‭ ‬السورية‭ ‬والقوى‭ ‬المحلية‭ ‬في‭ ‬شرق‭ ‬الفرات‭.‬

وأشار‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الجدار‭ ‬يرتبط‭ ‬أيضاً‭ ‬بحسابات‭ ‬إقليمية‭ ‬تمس‭ ‬مصالح‭ ‬قوى‭ ‬فاعلة‭ ‬مثل‭ ‬إيران‭ ‬وتركيا،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بمسارات‭ ‬الإمداد‭ ‬ونفوذ‭ ‬الجماعات‭ ‬المسلحة‭ ‬في‭ ‬المثلث‭ ‬الحدودي‭.‬

وقال‭ ‬إن‭ ‬البعد‭ ‬الاقتصادي‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬أهمية،‭ ‬إذ‭ ‬يُتوقّع‭ ‬أن‭ ‬يسهم‭ ‬الجدار‭ ‬في‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬نشاط‭ ‬شبكات‭ ‬التهريب،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬تهريب‭ ‬النفط‭ ‬والمخدرات‭ ‬والمواد‭ ‬المدعومة،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬سينعكس‭ ‬إيجاباً‭ ‬على‭ ‬الإيرادات‭ ‬الحكومية‭.‬

وأضاف‭ ‬أن‭ ‬تعزيز‭ ‬الاستقرار‭ ‬الأمني‭ ‬قد‭ ‬يمهّد‭ ‬الطريق‭ ‬لمشاريع‭ ‬الربط‭ ‬الكهربائي‭ ‬وتطوير‭ ‬مشاريع‭ ‬النقل‭ ‬وفتح‭ ‬المجال‭ ‬أمام‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الاقتصادية‭.‬

وتابع‭ ‬حسين‭ ‬أن‭ ‬الجدار‭ ‬العازل‭ ‬يتجاوز‭ ‬وظيفته‭ ‬المباشرة‭ ‬كحاجز‭ ‬أمني،‭ ‬ليصبح‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬خريطة‭ ‬جديدة‭ ‬لإعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬التوازنات‭ ‬السياسية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬بما‭ ‬يحمله‭ ‬من‭ ‬دلالات‭ ‬أمنية‭ ‬وإقليمية‭ ‬عميقة‭.‬

الأبعاد‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية

وللجدار‭ ‬تأثير‭ ‬اقتصادي‭ ‬واجتماعي‭ ‬على‭ ‬المجتمعات‭ ‬الحدودية،‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬محافظتي‭ ‬الأنبار‭ ‬ونينوى،‭ ‬اذن‭ ‬انه‭ ‬سوف

يغير‭ ‬أنماط‭ ‬حياة‭ ‬السكان‭ ‬المحليين،‭ ‬من‭ ‬حرية‭ ‬التنقل‭ ‬والتجارة‭ ‬التقليدية‭ ‬إلى‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬معابر‭ ‬رسمية‭ ‬ومنظومة‭ ‬مراقبة‭.‬

وتشير‭ ‬التقديرات‭ ‬الى‭ ‬تكلفة‭ ‬المشروع‭ ‬المالية‭ ‬والبشرية‭ ‬بالآلاف‭ ‬من‭ ‬العمال‭ ‬والموارد‭ ‬اللوجستية،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الخرسانة،‭ ‬النقل،‭ ‬وصيانة‭ ‬الأنظمة‭ ‬التقنية،‭ ‬ومثل‭ ‬هذه‭ ‬الاستثمارات‭ ‬تمثل‭ ‬تكلفة‭ ‬ثقيلة،‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬السلطات‭ ‬العراقية‭ ‬استثمار‭ ‬في‭ ‬استقرار‭ ‬طويل‭ ‬الأمد،‭ ‬وقد‭ ‬تفتح‭ ‬أبوابًا‭ ‬جديدة‭ ‬للتنمية‭ ‬الحدودية‭.‬

‭ ‬التجارب‭ ‬الدولية‭ ‬وللدول‭ ‬تجارب‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬الجدران‭ ‬والتحصينات‭ ‬الحدودية‭ ‬فقد‭ ‬بنت‭ ‬تركيا‭ ‬جدارًا‭ ‬مع‭ ‬سوريا‭ ‬بطول‭ ‬يفوق‭ ‬800‭ ‬كيلومتر،‭ ‬والأردن‭ ‬أقام‭ ‬سياجًا‭ ‬بطول‭ ‬375‭ ‬كيلومترًا،‭ ‬وإسرائيل‭ ‬أقامت‭ ‬جدرانًا‭ ‬حدودية‭ ‬لتعزيز‭ ‬الأمن‭ ‬ومنع‭ ‬التهريب‭.‬

وواضح‭ ‬أن‭ ‬العراق‭ ‬يسير‭ ‬ضمن‭ ‬نهج‭ ‬إقليمي‭ ‬متزايد‭ ‬نحو‭ ‬التحصينات‭ ‬الحدودية،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬لمواجهة‭ ‬النزاعات‭ ‬المسلحة،‭ ‬بل‭ ‬أيضًا‭ ‬كآلية‭ ‬استباقية‭ ‬لضمان‭ ‬الأمن‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والسياسي‭.‬

وشيدت‭ ‬تركيا‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬مشروع‭ ‬“أنظمة‭ ‬أمن‭ ‬الحدود‭ ‬الفيزيائية”،‭ ‬حاجزاً‭ ‬أمنياً‭ ‬على‭ ‬حدود‭ ‬مختلفة‭ ‬من‭ ‬أراضيها،‭ ‬حيث‭   ‬أنجزت‭ ‬نحو‭ ‬25‭ ‬كيلومتراً‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬الحواجز‭ ‬تجاه‭ ‬الحدود‭ ‬العراقية،‭ ‬مع‭ ‬استمرار‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬المقاطع‭ ‬الأخرى‭.‬

الأطواق‭ ‬الأمنية

وقال‭ ‬مخلد‭ ‬حازم،‭ ‬الخبير‭ ‬الأمني،‭ ‬إن‭ ‬أي‭ ‬عمليات‭ ‬تسرب‭ ‬أو‭ ‬تهريب‭ ‬عبر‭ ‬الأراضي‭ ‬العراقية–السورية‭ ‬كانت‭ ‬تمثل‭ ‬في‭ ‬فترات‭ ‬سابقة‭ ‬إحدى‭ ‬أخطر‭ ‬نقاط‭ ‬الاضطراب،‭ ‬موضحاً‭ ‬أن‭ ‬تلك‭ ‬الحدود‭ ‬شكّلت‭ ‬مرتعاً‭ ‬لعبور‭ ‬بقايا‭ ‬عناصر‭ ‬داعش‭ ‬إلى‭ ‬الداخل‭ ‬العراقي،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬حصولهم‭ ‬على‭ ‬دعم‭ ‬لوجستي‭ ‬عبر‭ ‬المسالك‭ ‬الرخوة‭.‬

وأضاف‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬القطاعات‭ ‬الحدودية‭ ‬استُخدمت‭ ‬أيضاً‭ ‬في‭ ‬عمليات‭ ‬تهريب‭ ‬المخدرات‭ ‬وتهريب‭ ‬البشر،‭ ‬مشيراً‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬المنطقة‭ ‬الممتدة‭ ‬من‭ ‬اتجاه‭ ‬فيشخابور‭ ‬حتى‭ ‬جبل‭ ‬سنجار،‭ ‬والتي‭ ‬كانت‭ ‬تحت‭ ‬سيطرة‭ ‬قوات‭ ‬سورية‭ ‬الديمقراطية،‭ ‬ظلت‭ ‬تمثل‭ ‬عقدة‭ ‬رخوة‭ ‬غير‭ ‬ممسوكة‭ ‬أمنياً‭ ‬وبعيدة‭ ‬عن‭ ‬نطاق‭ ‬سيطرة‭ ‬القوات‭ ‬الاتحادية‭.‬

وأوضح‭ ‬أن‭ ‬بناء‭ ‬ثلاثة‭ ‬أطواق‭ ‬من‭ ‬الخنادق‭ ‬والأسلاك‭ ‬الشائكة‭ ‬والكتل‭ ‬الخرسانية‭ ‬المجهزة‭ ‬بالكاميرات‭ ‬على‭ ‬طول‭ ‬الشريط‭ ‬الحدودي‭ ‬جاء‭ ‬لمعالجة‭ ‬تلك‭ ‬الثغرات‭ ‬وتثبيت‭ ‬واقع‭ ‬أمني‭ ‬أكثر‭ ‬صلابة‭.‬

وتابع‭ ‬أن‭ ‬مرحلة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬عام‭ ‬2017،‭ ‬رغم‭ ‬أنها‭ ‬شهدت‭ ‬الانتصار‭ ‬العسكري‭ ‬على‭ ‬داعش،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬بقيت‭ ‬محاطة‭ ‬بواقع‭ ‬أمني‭ ‬غير‭ ‬مستقر‭ ‬بفعل‭ ‬نشاط‭ ‬بقايا‭ ‬التنظيم‭. ‬وأكد‭ ‬أن‭ ‬“الأهم‭ ‬من‭ ‬النصر‭ ‬هو‭ ‬الحفاظ‭ ‬عليه”،‭ ‬وأن‭ ‬ما‭ ‬تبقى‭ ‬من‭ ‬عصابات‭ ‬داعش‭ ‬كان‭ ‬يستمد‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬التحرك‭ ‬من‭ ‬خارج‭ ‬الحدود،‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬إجراءات‭ ‬الضبط‭ ‬الحدودي‭ ‬ضرورة‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬منها‭.‬

وقال‭ ‬إن‭ ‬الواقع‭ ‬الأمني‭ ‬اليوم‭ ‬يفرض‭ ‬معادلة‭ ‬جديدة‭ ‬مبنية‭ ‬على‭ ‬خطط‭ ‬محدثة‭ ‬لملاحقة‭ ‬خلايا‭ ‬التنظيم،‭ ‬تُستخدم‭ ‬فيها‭ ‬تقنيات‭ ‬استخبارية‭ ‬أرضية‭ ‬وجوية،‭ ‬مثل‭ ‬تفعيل‭ ‬طائرات‭ ‬الرصد‭ ‬والاستمكان‭ ‬الجوي‭ ‬والطائرات‭ ‬المسيّرة،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬طائرات‭ ‬C5‭ ‬التي‭ ‬دخلت‭ ‬الخدمة‭ ‬لمراقبة‭ ‬الحدود،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬الخارجة‭ ‬عن‭ ‬سيطرة‭ ‬الشرطة‭ ‬الاتحادية،‭ ‬مثل‭ ‬فيشخابور‭ ‬وجبل‭ ‬سنجار،‭ ‬وهي‭ ‬مناطق‭ ‬لطالما‭ ‬استغلّتها‭ ‬العصابات‭ ‬في‭ ‬تنفيذ‭ ‬تحركات‭ ‬قريبة‭ ‬من‭ ‬خطوط‭ ‬التماس‭.‬

وأضاف‭ ‬أن‭ ‬المرحلة‭ ‬القادمة‭ ‬تتطلب‭ ‬تعزيز‭ ‬العمل‭ ‬الاستخباري‭ ‬بصورة‭ ‬أوسع‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬الممتدة‭ ‬بين‭ ‬حدود‭ ‬إقليم‭ ‬كردستان‭ ‬ومحافظة‭ ‬كركوك،‭ ‬عبر‭ ‬نشر‭ ‬قوات‭ ‬مشتركة‭ ‬لضبطها‭ ‬وإحكام‭ ‬السيطرة‭ ‬عليها،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تنفيذ‭ ‬كمائن‭ ‬في‭ ‬المسارات‭ ‬التي‭ ‬تُستخدم‭ ‬للتسلل‭ ‬نحو‭ ‬ديالى‭ ‬وكركوك‭ ‬وصلاح‭ ‬الدين،‭ ‬لأن‭ ‬ترك‭ ‬تلك‭ ‬الرقعة‭ ‬بلا‭ ‬وجود‭ ‬أمني‭ ‬يمنح‭ ‬العصابات‭ ‬حرية‭ ‬اختيار‭ ‬الوقت‭ ‬والمكان‭ ‬لتنفيذ‭ ‬عمليات‭ ‬مباغتة‭.‬

وتابع‭ ‬أن‭ ‬الحاجة‭ ‬ملحة‭ ‬اليوم‭ ‬إلى‭ ‬تنفيذ‭ ‬عمليات‭ ‬استباقية‭ ‬تمنع‭ ‬حركة‭ ‬بقايا‭ ‬عناصر‭ ‬داعش،‭ ‬رغم‭ ‬أنهم‭ ‬لم‭ ‬يعودوا‭ ‬يمثلون‭ ‬خطراً‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬السابق‭ ‬بعد‭ ‬سقوط‭ ‬مشروع‭ ‬“التمكين”‭ ‬الذي‭ ‬كانوا‭ ‬يطمحون‭ ‬إليه‭.‬

‭ ‬وأكد‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬التطورات‭ ‬تمثل‭ ‬إنجازاً‭ ‬للمنظومة‭ ‬الأمنية‭ ‬والاستخبارية‭ ‬والشرطوية‭ ‬في‭ ‬ضبط‭ ‬الشريط‭ ‬الحدودي،‭ ‬مشيداً‭ ‬بقدرات‭ ‬قوات‭ ‬شرطة‭ ‬الحدود‭ ‬والقوات‭ ‬العسكرية‭ ‬المدرعة‭ ‬التي‭ ‬تشكل‭ ‬الخط‭ ‬الثاني‭ ‬بعد‭ ‬قيادة‭ ‬قوات‭ ‬الحدود،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬منظومة‭ ‬الأطواق‭ ‬الأمنية‭ ‬التي‭ ‬جرى‭ ‬اعتمادها‭ ‬لحماية‭ ‬المنطقة‭ ‬ومنع‭ ‬أي‭ ‬اختراق‭ ‬محتمل‭.‬

بناء‭ ‬الثقة

والمرجح‭ ‬ان‭ ‬الجدار‭ ‬سوف‭ ‬ينجح‭ ‬في‭ ‬منع‭ ‬التسلل‭ ‬والتهريب‭ ‬لكنه‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬التعاون‭ ‬المستمر‭ ‬مع‭ ‬دمشق،‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬الأنظمة‭ ‬التقنية‭ ‬والأمنية،‭ ‬وفاعلية‭ ‬القوات‭ ‬على‭ ‬الأرض،‭ ‬فيما‭ ‬تؤكد‭ ‬تحليلات‭ ‬خبراء‭ ‬الأمن‭ ‬والسياسة‭ ‬أن‭ ‬مشروع‭ ‬الجدار‭ ‬المقام‭ ‬على‭ ‬الحدود‭ ‬العراقية–السورية‭ ‬لا‭ ‬يُختزل‭ ‬في‭ ‬وظيفته‭ ‬التحصينية‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تعيد‭ ‬بناء‭ ‬مستويات‭ ‬الثقة‭ ‬بين‭ ‬بغداد‭ ‬ودمشق‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬شديدة‭ ‬الحساسية‭.‬

وتوضح‭ ‬القراءة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬أن‭ ‬العراق،‭ ‬عبر‭ ‬هذا‭ ‬الجدار،‭ ‬يبعث‭ ‬برسالة‭ ‬مفادها‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬ضبط‭ ‬حدوده‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يعني‭ ‬ذلك‭ ‬الانغلاق‭ ‬أو‭ ‬قطع‭ ‬شرايين‭ ‬التواصل‭ ‬الاقتصادي‭.‬

وتشير‭ ‬التقديرات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الخطوة‭ ‬قد‭ ‬تفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬تفاهمات‭ ‬أمنية‭ ‬مشتركة‭ ‬تعالج‭ ‬الملفات‭ ‬العالقة‭ ‬وتخفف‭ ‬من‭ ‬مخاطر‭ ‬تسلل‭ ‬الجماعات‭ ‬المسلحة‭ ‬عبر‭ ‬المناطق‭ ‬الرخوة‭.‬

وتلفت‭ ‬تحليلات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬ضبط‭ ‬الحدود‭ ‬يهيئ‭ ‬بيئة‭ ‬آمنة‭ ‬تساعد‭ ‬على‭ ‬عودة‭ ‬الحركة‭ ‬التجارية‭ ‬وتنشيط‭ ‬مشاريع‭ ‬الربط‭ ‬الكهربائي‭ ‬والنقل‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭.‬

وتبرز‭ ‬لدى‭ ‬المراقبين‭ ‬قناعة‭ ‬بأن‭ ‬تعزيز‭ ‬الأمن‭ ‬الحدودي‭ ‬يشكل‭ ‬حجر‭ ‬الأساس‭ ‬لأي‭ ‬تعاون‭ ‬اقتصادي‭ ‬محتمل‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭.‬

وتذهب‭ ‬بعض‭ ‬الآراء‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬نجاح‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬سوف‭ ‬يشجع‭ ‬على‭ ‬ترتيبات‭ ‬إقليمية‭ ‬مماثلة‭ ‬لضبط‭ ‬الحدود‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬أخرى‭.‬

وتخلص‭ ‬هذه‭ ‬المقاربات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الجدار،‭ ‬رغم‭ ‬صلابته‭ ‬المادية،‭ ‬يحمل‭ ‬دلالات‭ ‬سياسية‭ ‬مرنة‭ ‬تُظهر‭ ‬رغبة‭ ‬العراق‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬الأمن‭ ‬والانفتاح‭ ‬والتنمية‭.‬

‭ ‬