ستارة زرقاء شفّافة للكاتبة أطياف رشيد

ستارة زرقاء شفّافة للكاتبة أطياف رشيد

قراءات في (نصوص مسرحية)

 وسن علي الزبيدي

     اينما تحط فراشات القارئ وانظاره حين القراءة على أغصان عتبة النص المكتوب بمختلف مرجعياته التجنيسية ، تكن غاية مراده توجيه طاقة اللاشعور المتولدة لديه ، وهو يغوص في أعماق منجز الآخرين باتجاه حيادي مقنن ، كأنه يريد من صاحب النص السير باتجاه واحد ، الاّ أن النص يصدمه بعقبات ومطبات وتعرجات النفس المنفعلة وما يسبر في أغوارها ،وهي تؤرخ لسيرة اجتماعية وايدلوجية أو حوادث واقعية أراد كاتبها ان يلقيها في روع القارئ ، مع تواطئ جمالي خاص ، واسلوبية متفردة في الكتابة ، يكون لها القول الفصل في تجسيد الانطباع الابداعي لما تراه العيون ، وتحسه الروح المتألمة وتتفاعل معه . تحفزت كثيرا ، حين اتممت قراءتي الاولى لنصوص مسرحية لكاتبة عراقية مبدعة حركت بقلمها واسلوبها السهل الممتنع نزعة القراءة التحليلية الوصفية لدي ، ولكل من يقرأ (ستارة زرقاء شفافه  ) النصوص المسرحية المعنونة بعناوين ، تجعل منها عتبة مضيئة لما يريد النص ان يستهدفه من موضوع وروئ وايدلوجيات ، حرصت الكاتبة الى ايصالها لمتلقيها بكل فنية كتابية وموهبة خلاقة متجددة ، فكتبتُ ما جال في خاطري ،  بعد قراءة تلك النصوص ، تعليلا وانعكاسا لصورة مَثَلت أمام عيني ، بطلتها الكاتبة (أطياف رشيد ) ولسبب واحد ، هو الروح الشعرية والواقعية المتفلسفة التي تشربتها حوارات الشخصيات المسرحية لدى الكاتبة . فكان كل نص يُقرأ منفردا غير مألوف ، من العتبة الاولى للنص المسرحي الى خاتمته المفتوحة التي عمدت الكاتبة لجعلها خواتيم ذات نهايات مفتوحة ،لتضع القارئ أمام تحدي صعب في البحث عن نهاية جديرة بغلق ذلك النص ورسم باب الخروج وسدها بوجه درامية الاحداث ، فجاءت النصوص من جميع نواحي طبقات النص المادية والمعنوية عرضا للفكرة المبسطة لواقع الحياة المعاش ،وايصالها مع وجود رؤية ذاتية وجماليات صيغت بشكل ابداعي ، وفي غاية المتعة القرائية واناقة ترتيب الثيمات المسرحية ، هذا الفن السردي المتميز الذي يباين السرديات الاخرى بفضاءه المسرحي المفتوح وعناصره التي تحتاج الى تقنية فنية ومهارة عالية في توظيفها ، فشكلت الكاتبة (اطياف رشيد ) المتميزة بابداعها ورهافة حسها الكتابي وأناقة اسلوبها الفني ، نقطة تحول ، وعلامة فارقة ، وانعطافة  مهمة وقيمة  لما سبقها ، وما كتب في سني الكتابة الادبية لاسيما الكتابة النسوية العراقية الحالية . فهي تعد من الكاتبات التي تجعل المتلقي يفكر ويفكر ، ويحدث نفسه ويغوص في اعماق ذاته ، ليصل الى رؤية حقيقة مجتمعية معيشة ، بعين كامرة الكاتب المتجول في فضاءت محيط الواقع العراقي  .

ادوات عمرانية

 وحين نأتي الى النصوص لنقف عند البناء الذي تبنته الكاتبة وهي مثلت كعامل بناء ألم بأدواته العمرانية ليتعامل مع مفاصل نصه المسرحي بصورة عامة وجزئياته المتعددة والمتمثلة بفضاء النص وشخصياته وحواراته ،واحداثه ، وقد اجادت في ذلك ، فكانت حافلة بالتدرج والوصول لهرمية وذروة الحدث  ، وتفجير شمسها المشعة بضوء أكبر وأعم ،عن طريق خلق شخصيات واقعية فاعلة دراميا ، أمسكت بزمام الحدث . ولو بدأنا بتحليل بنية الشخصيات في كل نص ، نجدها شخصيات متخيلة لكنها تنقلب عن طريق القراءة المتعمقة الى شخصيات ذات حقيقة ومرجعية واقعية موجودة الملامح في أذهاننا ، ليتوافق انفعاليا معها ، لربما كانت، تلك الشخصيات  قناعا للذات الكاتبة ، تتستر ورائها لتنطقها بلسانها وما يعتمل جوف تفكيرها ويسبر في أغوار نفسها المنتفضة ضد هذا الواقع الملتهب بقضاياه ومشاكله المستعصية عن الحل والوصول الى نهاية النفق . وهذا يعطي انطباعا أنه لو تسنى للذات الكاتبة أن تفكر علنا وبصوت مسموع عالٍ لأعلنت عن الكلمات نفسها والحوارات ذاتها بانفعالاتها التي تحدثت بها تلك الشخصيات المتخيلة على الورق ، لذا نراها جعلت من النص المسرحي متنفسا لها وللقارئ ، سورا يُتخفى خلفه ، لتنتقد واقعا معاشا علقما طعمه ، متوجعا ملمسه ، مع حلمية وجود مخرجا لتلك الاحزان والمواقف التي تدمي ضمير الانسانية ،والكاتبة تواجه بهذه النصوص ، المجتمع بحقيقته المرعبة ، كأنسان جُرد من أمتيازاته والقابه الرئاسية وحقه في العيش الكريم الآمن في بلده الجريح المنتفض ضد العنجهية والظلم والفساد  ، الا ان على الرغم من هذه الرؤية الذاتية نجد الحيادية والموضوعية في الكتابة وتحاور شخصياتها التي ارتدها كأقنعة تحدث بلسانها لتفتح لها نافذة من دون باب ، فتطل منها بأشاعة بعض الحرية لشخصياتها المسرحية مع كامل سيطرتها على النص عن طريق مسك خيوط الكتابة العنكبوتية التي تديرها بأناملها الفنية في دقة متميزة للشخصية الرئيسة في النص . والتي ترمي بظلالها على سلوك بقية الشخصيات التي لا يتجاوز عدهها في كل نص اثنين او ثلاث شخصيات فعالة متحاورة تسير معها احداث المسرحية ، والملاحظ هنا انها تطلق على الشخصيات اسماء عمومية غير مسماة اي انها لا تعطيها اسماء بعينها بل تقول في تعريفها للشخصية مثلا : ( الشخصيات .. رجل ، امرأة ، شاب ، طفل ، المجموعة السياسية ، الكاتب ، المذيع …الخ) ،(ينظر لمزيد من الاطلاع كتاب ستارة زرقاء شفافة ،ص 25،22، 23 29، ،،)  وهذا دليلا على انها تحاول جعل هذه الشخصيات اقنعة تتخفى بها وهذا ما اوردناه سابقا ، فتطلق عليها اسماء عامة لا خصوصية فيها تدور في غمارها احداث المسرحية وتسير مع فضاءتها الزمانية والمكانية مؤثرة فيها ومتأثرة بها .

اذ نرى مثلا في مسرحية الرحلة ؟200 ،ومسرحية مونودراما من فصل واحد ومسرحية ستارة زرقاء شفافة ،،الكاتب او موت أحمر ..الخ ) تبدو الشخصية الرئيسة منفردة في تفكيرها وسلوكها ، تبحث عن حلول تحتضن الشخصية الاولى ، وهذه المجموعة تعكس حال المجتمع، وفي ان سلوكها ما هو الا ردة فعل لما يجري من احداث ،فهي تسير متوازية مع الشخصية الرئيسة ، لينتهي بها المطاف ملتحمة متماهية تتحدث بلغة واحدة متمردة ثورية ، أعتمدت في كل ذلك الكاتبة في تحريك شخصياتها على الايقاع الهرمي والبناء المتوهج ،وبشكل توليفي ، فيما بينها اولا ، ومع محيطها الزمكاني ثانيا ، بعبارة اخرى ، ان هناك شخصيات تسير في فضاء الحدث وهي ليست من هواة الشخصية المركزية ، تقع بمستوى مغاير لها ، الا ان اصواتها تتحد كالمركب المتألف من عناصر عدة لينتج واقعا آخر بمسمى مغاير ، وبكينونة أخرى . يدور في حراك درامي ، ثم ليعود الى مصدر جذره الاول . كانت الموسيقى الداخلية للنصوص متلازمة مع الاحداث لا تنفك تعزف لحن النزيف الدرامي المتوجع بمعية الحوارات داخل كل نص ولم تتبدل طوال تلك النصوص جميعها ، الا ان الكاتبة حاولت وبمهارة فنية متميزة ، ان تبعث فيها الحياة احيانا وبقوة مطردة ، لكنها سرعان ما تعود مع شخصياتها الى ما كانت عليه من الخط الدرامي الحزين المستدعي لصرخة الالم والتمرد على هذا الواقع المتشظي ، ليحدث التكامل في البنية العامة للنصوص . فتعزف في النهاية لحنا جميلا بأيقاعية متنامية منطلقة من التنقلات المنكوكية للاحداث وبين لحظات درامية وبنيات صراعية من دون التأثير عل سير التوالي الدرامي وتسلسله المتجه نحو الذروة .   ونأتي لعنصر اخر من عناصر النص المسرحي الا وهو الزمان والمكان ، فاتصف في هذه النصوص بالديمومة والتواصل ، لكنه تواصل موتور مع الحرية ، وذلك وفقا لعبارات (حتى ، منذ …وكأن الكاتبة تريد ان تقول : ما كتبته هو قصة اثبات وجود وكيان بأكملها من خلقها حتى خرابها وتهديم تلك الآمال الطموحة على يد مغتصبي الحياة وسراق الاحلام بظلمهم ونفوسهم الجشعة . فضاء النصوص المكاني والزماني تمثل بكرة تدور وتدور بلا توقف . فتعلنها بصوت مسموع انها قصة المرأة العراقية الصابرة والشاب العراقي والطفل والشيخ .. انها قصة الكون العراقي كله .

حوار مسرحي

    اما اذا نأتي لعنصر مهم اخر في النص المسرحي الا وهو الحوار المسرحي الذي بين الشخصيات ، فاتسم ببناءين وهما الحوار الخارجي وهو ماكان يدور بين شخصيتين او اكثر على خشبة المسرح وهو الاكثر توظيفا هنا ، نستشهد من النصوص مثلا : ( السياسي الول بصوت الكاتب : هل تفرطون بدماء ابناءكم وتسامحون القتلة الذين اشعلوا نار الحزن على ابناكم حين سلبوهم الحياة بدون رحمة (هياج بين العامة )) في نص اخر : (المرأة : ماذا ؟ / الكاتب : لتنتهي فقط … أقول أن المسألة سهلة جدا ، قلم بارع ووصفات جاهزة ، أمزج المختلف ليصبح مؤتلفا ولننهي المسألة … آه … الحياة أسهل بكثير ) وينظر للمزيد من الاطلاع ( ص 10 ، 11 . 19 ، 20 ، 25 ، 30 ، 104 …) ، وهناك الحوارات الداخلية الاحادي اما ما تسمى ( المناجاة ) وهنا تكشف الكاتبة عن مكنونات الشخصية من دواخلها ليستطيع الجمهور الاحاطة بجوانب الشخصية الخفية والدقيقة وما يتعلق بها مثلا نرى في قول النص الاتي ( هذا هو الحال في كل ليلة … كل ليلة .. لا أحد يرد وكأنه طارق خفي … لو أن أحد معي ، أحد اسأله وانظر في عينه لأعرف ان كان يسمع هذا الصوت مثلي .. هذا الطرق .. هل هو في رأسي فقط …) ص80 -81 ، وهناك الحوار الجانبي الذي وظفته الكاتبة بفنية عالية ايضا في بعض النصوص وهو الحوار الداخلي التي تتكلم به الشخصية من دون ان تسمعها بقية الشخصيات نراه مثلا في هذا النص (ربما كنت سأحب نعته أياي بالفاشلة ، فالوحدة قاسية …قاسية جدا … أكثر قسوة من كل نعوت الفشل المريرة ، كنت سأحب ان صنفني بالعجوز وكأني الوحيدة التي مرت عليها الحروب والثورات والسنون فغزلن لها ذوائب بيض ونهر جفت دورته عند آخر صهيل ) ص 91 ، وينظر ص25 .  نجد في هذه الحوارات المسرحية ،ان الكاتبة قد سلطت الضوء على القضايا المجتمعية وما يمر به بلد العراق  من محن اقتصادية وأسرية وسياسية وبيئات نفسية غارت في اعماق التمزق الفكري والعاطفي وتناهت في التيه والضبابية لرؤية مستقبل يضيء العتمة ويبني المستقبل لاجيال عانت ما عنته من ويلات الحروب والفقر وخذلان الحكام لشعبهم في حفظ كرامة الانسان العراقي والعيش في بئة آمنة مستقرة رغيدة . فهو حلم بعيد المنال الاعن قلب العراقي النابض بالحياة يأبى الرضوخ لهذا الواقع ولن يتراجع في اصراه على تغيره بأذن الله .  هكذا نجد الكاتبة العراقية المبدعة  ( أطياف رشيد ) قد اسهمت في إعطاء نبذة  عن حقيقة يدركها الكثيرين لواقع مؤلم يعيشه العراق بكل اطيافه ،بصورة سردية عالية الفنية والاداء الاسلوبي الراقي بلغة مقروءة سلسلة من دون الاخلال بالمهارة الكتابية في البناء السردي والبلاغي للنص المسرحي.

مشاركة