سبعون كتاباً تخلّد منجزاً خالداً – سعد جواد محمد عوض

885

جبرا .. راعي المواهب الشابة

سبعون كتاباً تخلّد منجزاً خالداً – سعد جواد محمد عوض

   جبرا إبراهيم جبرا هو مؤلف ورسام وناقد تشكيلي ومترجم لا يشق له غبار، فلسطيني من السريان الأرثوذكس وتزوج من لميعة العسكري واسمه واسم جده آراميا الأصل ويعني القوة والشدّة.. ولد في بيت لحم في عهد الانتداب البريطاني واستقر في العراق بعد حرب 1948. أنتج نحو سبعين كتابا في مختلف المجالات كالروايات والكتب النقدية والكتب المترجمة وقد ترجمت أعماله إلى أكثر من اثنتي عشرة لغة وهو من أكثر الأدباء العرب نتاجاً وتنوعاً إذ عالج في كتاباته الرواية والمسرحية والنقد التشكيلي والموسيقى العالمية والشعر الحر.

    درس في القدس وانكلترا وأمريكا ثم تنقل للعمل في جامعات العراق مدرساً للأدب الانكليزي حيث تعرف عن قرب على النخبة المثقفة وعقد علاقات متينة مع أهم الوجوه الأدبية مثل السياب والبياتي.

      وصل الى بغداد في خريف عام 1948 حاملاً على كتفه صليب القدس بدءاً من “طريق الآلام” وما كان يدرك ان الرحلة ستطول، فيوم وصل الى بغداد ما كان قد بلغ الثلاثين من العمر، جاء يحمل شهادة الماجستير في الأدب الانكليزي من جامعة كيمبردج العريقة مع ثروة من الثقافة في ميادين الفن من رسم ونحت وموسيقى. تجمع حوله المثقفون، والكلُّ يتعلم منه ويسير في طريق أشار بها إليه. فكان الشعراء وكتّاب القصة والرسامون والنحاتون يسعون إليه سائلين النصح والتوجيه وما كان يبخل على احد او يرد احداً منهم.

    كانت “دار المعلمين العالية” و “كلية الملكة عالية” للبنات موئل الدراسات الادبية، قبل تأسيس كلــــــية الاداب عام 1948 وكان الأستاذ الجديد، يدرّس ويحاضر في الآداب الأوروبية والفنية من رسم ونحت وموسيقى في هذين المعهدين، وفي تجمعات ثقافية أخرى. أسس في العالية “المرَسم” ثم في كلية الآداب. وفي عام 1951 اسس بالاشتراك مع الرسام والنحات الكبير جواد سليم “جماعة بغداد للفن الحديث” التي أشاعت في بغداد ثقافة فنية من خلال ما قدمته من معارض ومحاضرات عامة.

ترجمة اعماله

    في تلك السنوات باشر جبرا ابراهيم جبرا أعماله الترجمية فترجم كتاب “الغصن الذهبي” لجيمس فريزر  عن “اودونيس” فصارت هذا الترجمة مصدراً للفائدة من جانب الأدباء والشعراء في العراق مما أثرى الأعمال الشعرية والفنية.    لم تقتصر توجيهات جبرا وتشجيعه للأدباء والفنانين في عراق الخمسينيات على المحيط الجامعي، فلدى عودته من جامعة هارفرد  بعد سنتين من الدراسة والبحث (1952-1954) تلقفته “شركة نفط العراق” ليؤسس لها ركناً ثقافياً، فأسس مجلة “العاملون في النفط”، وراحت هذه المجلة تنشر قصصاً وقصائد وصوراً لكثير من أدباء العراق وفنانيه إضافة إلى أدباء من بلاد عربية أخرى وبذلك توسع تأثيره في التوجيه وتشجيع المواهب.

   أصرَّ “حسين مردان” عامل الطين من بعقوبة ، ذو الموهبة الشعرية النادرة،  التي اوحت إليه أن يسعى ليكون “بودلير العراق”. فصدرت ترجمة جبرا لـ “اودونيس” في بيروت وتوالت بعدها ترجمات كتب مهمة عن الانكليزية، مسرحيات شكسبير، سبعة منها، ودراسات في الآداب والفنون زادت عن ثلاثين كتاباً مترجماً، كانت الغذاء الفكري والنفسي للجيل العراقي والعربي على امتداد القرن العشرين ، ولا تزال.

    إضافة إلى ترجمة الآداب عن الانكليزية، كتب جبرا عدداً من القصص القصيرة والروايات منها “السفينة” و “البحث عن وليد مسعود” ثم “عالم بلا خرائط” بالاشتراك مع عبد الرحمن منيف هذه الرواية العجيبة التي لم يعرف لها مثيل في العربية،إذ لا يمكن لأي أديب أو باحث أن يميز من كتَبَ هذا المقطع أو الصفحة هل هو جبرا أم هو منيف؟

تطوير شعر

  في عام 1992 فقد جبرا ابراهيم جبرا رفيقة عمره “لميعة العسكري” فبقي سنتين يشكو من آلام في ذلك “الخافق المعذَّب” على الرغم من انه لم يشتكِ يوماً من مرض، وزاد من آلامه الوضع المأساوي الذي خيّم على العراق في سنوات الحصار. وآخر ما يصور ذلك التعب النفسي والفكري عند هذا الأديب الكبير مجموعة من الشعر الحر بعنوان “متواليات شعرية” 1996 نُشرت في بيروت بعد رحيله بسنتين.

  ولعل أهم ما يميز كتاباته عن حياته منذ أن جاء الى العراق حتى وفاته هي رواية “شارع الأميرات” التي تعد بمثابة سيرة ذاتية لهذا الأديــب الكبير.

  في الثاني عشر من كانــــــون الاول سنة 1994 غادرنا الى عالم الخلود الأديب الفلسطيني- العراقي جبرا ابراهيم جبرا، الأكاديمي، الفنان، الروائي، المترجم، راعي المواهب الشابة، الإنسان الذي كان يقصده كل من عاش تلك السنوات من اجل الاستزادة من آرائه في شتى الميادين.

مشاركة