سايكس بيكو جديدة

655

الإسلام السياسي طائفي

 

سايكس بيكو جديدة

 

 

المتتبع لخارطة الصراعات في داخل العراق وفي العالم العربي والاسلامي يجدها اسلامية – الاسلامية وكلها طائفية سببها الاسلام السياسي  فلا تفهم هذه الظاهرة في وضعها الراهن مالم تكن هنالك مراجعة للأحداث التي مرت على العراق والعالم العربي والاسلامي في العهود الماضية فكل حدث من تلك الاحداث لا بد ان يكون له من التأثير قليل او كثير في سلوك الناس وفي تفكيرهم وانعكاسات ذلك على الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية .

 

 فبعد المرحلة الاولى من ظهور الاسلام هاجر الرسول (ص) الى المدينة وبعد نضال عسير من اجل الرسالة الاسلامية وبناء الدولة الحديثة التي شهدت اول دستور تعاقدي في التاريخ وذلك هو (وثيقة المدينة) (1) الذي شمل كل الملل والنحل والاديان والمذاهب والاجناس  وبعد وفاته (ص) تولى الخلفاء الراشدين الحكم وبعدهم الامويون ثم العباسيون وفي هذا العصر ظهرت المذاهب السنية والشيعية وكذلك الخوارج والمعتزلة وكانت هذه المذاهب مختلفة في الاحكام الفرعية متفقة في الاحكام الاصلية والاساسية حتى ادى ذلك الى انقسام الامة الاسلامية الى قسمين الاول في المشرق والثاني في الغرب ثم مارست الحكم الدويلات الاسلامية التي كانت تسمى (طوائف الملوك) ثم انتقل الحكم الى الامبراطورية العثمانية  وخلال الحرب العالمية الاولى عام (1914-1918 م) والتي شهدت معها تفكك الامبراطورية العثمانية وظهور اتفاقية (سايكس بيكو (2) التي رسمت حدود بلدان المشرق العربي ونصبت ملوكها وحكامها  تأتي معاهدة (سيفر) (3) في 10 اغسطس – اب 1920 التي اقرت اقتطاع اجزاء من الدولة العثمانية التي كانت تدعى (برجل أوربا المريض)  فمنحت مملكة الحجاز اعترافاً دولياً وكانت هنالك مادة تتعلق بالمسلمين وهي تنص على (الزام الدولة العثمانية بإعادة نسخة القران الكريم (قرآن عثمان) الذي جمع في عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان الى السلطة في الحجاز كذلك اضفت هذه المعاهدة الشرعية على اتفاقية سايكس بيكو السرية والتي كان من نتائجها استيلاء بريطانيا على العراق وحصولها على امتيازات كبيرة في شركة النفط التركية التي سيطرت عليها بريطانيا واعادة تسميتها لتصبح شركة النفط العراقية.

 

 وفشلت معاهدة سيفر بمعالجة القضية الكردية فلقد كان هنالك اتفاق مبدئي على حدود كردستان ولكن الاكراد رفضوا بسبب عدم ادخال منطقة (فان) وهكذا صار الامر الى ابقاء قسم من الاكراد في تركيا كمواطنين اتراك والقسم الاخر في العراق كمواطنين عراقيين.

 

خسائر جسيمة

 

واجهت بريطانيا صعوبات كبيرة وقدمت خسائر جسيمة في الارواح والمعدات العسكرية لغرض سيطرتها على العراق وخاصة في مواجهة ثورة العشرين 1920 م مما اجبرها  على الاعتراف بتشكيل حكومة وطنية لإدارة البلاد عام 1922م  ولكنها تنبهت الى حالات القوة في المجتمع العراقي و مراكز التأثير في وحدة القيادة ودور العشائر وتوحدها وكذلك تأثير المؤسسات الدينية ومرجعياتهافي صنع القرار واذكاء الروح الوطنية وتأجيج الحماس وتصدرها القيادة مع ثوار العشائر فلجأت بريطانيا كعادتها الى استخدام سياستها الخبيثة (سياسة فرق تسد) أيقظت الفتنه الطائفية وزرعت بذور التفرقة والانقسام بين ابناء الوطن الواحد وعملت على احتواء المؤسسات الدينية من خلال التضييق على مرجعياتها (تشير الجريدة الداخلية لحزب الدعوة الى ان المراجع الشيعية اغفلوا موضوع الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ووقعوا تحت تأثير الفكر الاستعماري) .

 

وهكذا نفذت بريطانيا بأفكارها وسياساتها الدنيئة لتشيع الفرقة والخلافات وتسوغ ذلك من خلال موضوع الخلاف التاريخي بين الامام علي (ع) والصحابة لتحدث التفرقة بين السنة والشيعة وعلى هذا المنوال جاءت الحركات والاحزاب الطائفية الاسلامية لتكون ذات طابع طائفي غير اسلامي بعضها سني يدعو للخلافة وشيعي يدعو للولاية  وان الصراعات التي نشهدها اليوم هي نتاج هذا المنهج الاستعماري الصهيوني الذي هو سايكس بيكو ثاني سايكس بيكو العقول الذي جاء به الاحتلال  انكلو- امريكي للعراق عام 2003  فلقد اعطى الاحتلال فرصة تاريخية لهذه الحركات والاحزاب (الاسلام السياسي) للصعود الى واجهة الاحداث والتقدم لقيادة عملية التحول نحو الديمقراطية في العراق والعديد من الدول العربية التي شهدت احداث ما يسمى بالربيع العربي فلقد حظيت بدعم واسع وواضح من قبل الولايات المتحدة الامريكية والدول الغربية وشكل ذلك الدعم مفارقة كبيرة بين مواقف الدول الغربية  بزعامة الولايات المتحدة الامريكية من الاسلام وخطرة واعتباره مصدراً للإرهاب وبين الدعم الواسع النطاق الذي شهدته حركات واحزاب الاسلام السياسي في العراق والبلدان العربية والاسلامية لتتصدر الاحداث والصعود لقيادة عملية التحول نحو (الديمقراطية الغربية)  فأن تسابق عدد غير قليل من حركات واحزاب الاسلام السياسي في تبني الافكار الديمقراطية المستوردة من الغرب العلماني يشكل ويثير الشك والعجب فمن خلال القاء نظرة على المشهد السياسي في العراق والحركات والاحزاب التي تسيدت المشهد السياسي والتي اغلبها من الاسلام السياسي وكلها طائفية وليست وطنية سوى كانت سنية أم شيعية وهي طائفية وليست اسلامية  فلقد خالفت تلك الحركات والاحزاب الدين الاسلامي بتبنيها الديمقراطية كنظام حكم  فالديمقراطية كنظام حكم يعبر عنه بأنه حكم الشعب او الحكم للشعب وهي تمكين الشعب من ممارسة السلطة السياسية فالكلمة العليا والمرجعية النهائية للشعب في حين تشير الاحكام القرآنية والشريعة الاسلامية الى الاحتكام الى ما شرعه الله وان نظام الحكم لا بد ان يكون وفق التشريع الاسلامي الذي نص عليه القران والسنة النبوية  مما سبق يتبين لنا التعارض الواضح بين الاسس النظرية للنظام الديمقراطي والمفاهيم العقائدية للإسلام في مسألة الحكم والتشريع اذن كيف استطاعت هذه الاحزاب من تحقيق التوافق بين عقيدتها وأيديولوجيتها ونظرتها للحكم وبين المنطلقات الايديولوجية والنظر الديمقراطية  فأن التوافق حسب ادعائهم هو تماشياً مع روح العصر (كرسي الحكم) فلقد اصبحوا في العصر الامريكي يدعون الايمان بالتداول السلمي للسلطة نظرياً  والديمقراطية والحداثة واحترام الاخر  فهم يتحركون بما يرسم لهم من خطط في اثارة النعرات الطائفية وتقسيم البلد وهم اداة بيد اصحاب مشروع الشرق الاوسط الجديد ومادته .

 

1 – وثيقة المدينة :

 

لما وصل الرسول (ص) الى المدينة اعلن تلك الوثيقة على المسلمين كافة لتكون لهم دستوراً للتعامل فيما بينهم وبين سواهم لتنظيم العلاقات الداخلية والخارجية للدولة الاسلامية وعلاقتها بالدول الاخرى  نص الميثاق على ان محمداً (ص) نبي المسلمين والمؤمنين من الانصار والمهاجرين من قريش ومن تبعهم ولحق بهم وجاهده معهم هم امة واحدة دون الناس  وان ذمة الناس واحدة وان المؤمنين بعظهم موالي بعض فمن ظلم واعتدى وفسد بين الناس فأن ايديهم عليه جميعاً ولو كان احدهم  لليهود دينهم وللمسلمين دينهم  مواليهم انفسهم الا من ظلم واثم فأنه لا يرتع الا نفسه وان لا يحول هذا الكتاب دون ظالم او مظلوم او اثم  والميثاق اقوى سنة اجتماعية لدى العرب كالحلف الذي يعقد بين القبائل وهو الرابط الوحيد الذي يربط الناس بعضهم ببعض وقد حل الميثاق محل الميثاق القبلي بدل اليد الاخرى لتكون (يد الله فوق ايديهم).

 

2 – اتفاقية سايكس بيكو :

 

تقودنا هذه الاتفاقية الى سلسة اتصالات تجري بين بريطانيا وفرنسا ممثلتين بالسيدين مارك سايكس وفرانسو جورج بيكو في سنة 1916 م ومن خلال اتصالات عديدة  والحرب العالمية الاولى قائمة على قدم وساق منذ عام 1914 م ومعها تفكك الامبراطورية العثمانية  ان هذه الاتفاقية سرية فضحتها ثورة 1917 م البلشفية في روسيا .

 

وضع العراق

 

نص الاتفاقية على وضع العراق من شمال بغداد والى الجانب الغربي من الخليج العربي حتى الاحساء تحت السيطرة البريطانية  اما شمال العراق راوندوز والموصل الى سوريا الحالية فتكون تحت النفوذ الفرنسي  اما جنوب الوسط من تركيا هبوطا الى ساحل البحر الابيض المتوسط  الشرقي ويشمل لبنان الحالي فهذه منطقة النفوذ الفرنسي كما ان المنطقة البادئة من كركوك غرباً تغطي الاردن حالية من العقبة وجنوباً الى جزء كبير من نجد فهذه منطقة نفوذ بريطاني  وتبقى فلسطين من حيفا شمالاً لأخر غزة جنوباً بما فيها القدس خاضعة للحلفاء اي تحت اشراف دولي وقد عدلت فيما بعد ليصبح العراق وفلسطين تحت الانتداب البريطاني وبلاد الشام تحت الانتداب الفرنسي  ومن الجدير بالذكر ان هذه الاتفاقية تصادمت بل لعلها نسخت اتفاقية ماكماهون الذي اعلن عنه لورنس العرب والمتضمن كما هو معلوم منح العرب حقوقاً في ادارة امورهم مقابل مساعدة الحلفاء في الحرب ضد الدولة العثمانية  وكان اتفاق سايكس بيكو اشارة طريق التي تلقفها وايزمان والمجلس الصهيوني الذي ساهم بالتحضير والاشتراك بصياغة تصريح (وعد بلفور) الذي ساهم فيه كل من كان يعطف على قضية اليهود وقد صيغت كلماته المقتضبة بسم زعاف جر على فلسطين واهلها الويلات ومايزال .

 

3 – معاهد سيفر :

 

وقعت هذه المعاهد في العاشر من اغسطس اب 1920 م في مدينة سيفر المشهورة عالمياً بصناعة الخزف في ضواحي باريس وهي واحد من المعاهدات التي تمخضت عن معاهدة فرساي مؤتمر باريس للسلام المنعقد في كانون 1918 م الذي عقده قادة الدول المنتصرة وكان هدف المؤتمر انهاء الحرب قانونياً وذلك لان سنة 1918 م شهدت فقط اعلان هدنة للقتال وكما اوضحت سابقاً ان هذه المعاهدة اضفت الشرعية على اتفاقية سايكس بيكو .

 

خالد محسن الروضان – بغداد