سالم صالح يتحدث لـ (الزمان ) عن توظيف محنة الموصل: – سامر الياس سعيد

سالم صالح يتحدث لـ (الزمان ) عن توظيف محنة الموصل: – سامر الياس سعيد

نحتاج إلى رواية تجمع المجتمع المغيّب في الأدب العراقي

تجربة ادبية زاخرة مر بها القاص والروائي سالم صالح حينما قام بارشفة محنة مدينته ادبيا عبر رواية طويلة اطلق عليها عنوان (اوثان لزجة ) كما اسهم قبل سنوات سيطرة داعش بابراز الكثير من النصوص الادبية التي تمحورت حول اوجاع مدينته التي لم تعرف السكون والاستقرار  لذلك عني القاص الموصلي بتوظيف  سرده الروائي لمتابعة الايام المريرة التي عاشها اقرانه خصوصا في روايته التي جمع فيها سنين  الالم والمرارة  قبل ان تسقط المدينة بيد غرباء  اطلق عليهم  صالح  تسمية الذباحين  الذين يتجولون بازقة المدينة  متربصين بابنائها كل شر  خصوصا وانه بقي في المدينة طيلة سنوات تلك السيطرة المقيتة  ليقف على واقع مرير  ينتظر ان  يسهم بعكسه على الورق  ليتحول لمادة توثيقية سردية مهمة .. تلك التجربة المهمة والبارزة  كانت محور لقائي  بالقاص والروائي سالم صالح  الذي استقبل اسئلتي برحابة صدره المعهودة وتناولها باجاباته الوافرة عبر هذه الحصيلة:

{ مرت مدينة الموصل بمحنة قاسية ربما عشت اغلب تفاصيلها ،كيف يمكن للادب ان يوثق تلك المحنة ويسهم بايصال محطاتها ومشاهدها للقاري العربي والعالمي ؟

– ما زال الأدب الروائي العراقي  يفتقر  لحقيقة ونبض هذه المحطة المرعبة المروعة في سفر نينوى وما جرى فيها من تغير في سياق حياتها اليومية المخيفة ولا أحد يستطيع تصديقها لو رويت بتفاصيلها الجارحة للنفس البشرية وكبرياؤها وذاتها وقيمتها السماوية .

كان صباح الموصل موشح بالدم والسواد.ودفن منطق الحياة في خبايا عبر أبجدية تدحرج الرؤوس وتحول أرصفة الأزقة إلى مجازر ذبح وكذلك رمي البشر من الأعالي بينما المركبات تجري والناس تواصل يومها القاسي في البحث عن الرغيف.كانت هنالك حياة تدك قلبها ولاتنبض روحها.

نهار المدينة

شئ غير واضح ومعدوم  يسود  المخيلة رغما عنها وانت تعود لبيتك بينما الذباحين يتجولون  بسيوفهم المضمخة بالدماء ليتحول نهار المدينة إلى مجزرة قصابين تجهل مصيرك فيها ولا تعرف متى يأتي دورك حتى لو لم يكن لك ذنب في هذا العالم.

وهذا ما أريد الوصول إليه لنرسم حقيقة ما عشناه وانا أعيش ذكريات آلاف يقلدون إلى الموت وفي دمعة أحدهم ابتسامةيهديها  لابنته أو زوجته أو أمه.وهو ما ينبغي عليه أن تكون رسالة الرواية الموصلية أو العراقية

نحتاج إلى رواية موصلية تجمع موروثها وتأريخها ومجتمعها المغيب في الأدب العراقي وهذا سببه ابتعاد ادبائها عن جوهر مجتمعهم ومعاناته.هذا كان في الماضي أما في الوقت الحاضر فيوجد نهضة وخاصة بعد تحرير المدينة في إنتاج ادب جيد يطرح مشاكل المجتمع الموصلي بشكل قريب. وهذا يعني ارتقاء الرواية الموصلية خطوة متقدمة بشكل شامل

{ برايك وانت تكتب القصة اضافة للرواية،  فايهما اقدر على تجسيد المعاناة التي عاشها ابناء الموصل وهل يمكن ان تسهم فنون ابداعية اخرى في هذا الشان؟

-أعتقد كل الفنون والآداب قادرة على تجسيد معاناة الموصل واهلها وخاصة عندما يتوفر عامل الصدق والخبرة والفنية في طرح المنتوج،لكن عالم الرواية واسع وله ابواب متعددة في طرح معاناة الأنسان الموصلي والعراقي  حيث تمتلك الرواية كل مفاصل الطرح والمناورة والتحرك  بكل جرأة وانسيابية. كذلك ألاحظ الفنون الأخرى كاللوحات التشكيلية والفوتغرافية والافلام التسجيلية واللقطات التمثيلية  غدت تكشف معاناة الموصل بجانبيها وانسانها بطرق رائعة جدا بعد تحرير المدينة وما زالت تتحرك وتساهم بشكل فعال في المشهد الموصلي

{ كاديب موصلي ولك مكانتك ضمن نخبة ادباء الموصل ، هل استطاع الادب الموصلي  من الخروج من عنق المحلية والانطلاق نحو فضاءات العالمية ، هل يمكن للجوائز الابداعية ان تسهم بهكذا انطلاقة ؟

-ينشط الأدب الموصلي بشكل لافت و اعتقد بعض الروايات تستحق مكانة كبيرة وعالمية وخرجت من عنق الزجاجة مثل روايات ثامر معيوف و نزار عبد الستار  وغادة صديق رسول وحسين رحيم ونوزت شمدين وانفال الجبوري وغانم خليل وغانم البجاري وكذلك قصص قيس عمر وأحمد الحاج وعائشة النعيمي  .

مع التنويه بان بعضهم فاز  بجوائز عربية مهمة  الأدب الموصلي في هذه المرحلة وبشكل لافت يطبع ويوزع خارج العراق.والجوائز مهمة لطرح ذلك العمل إلى الضوء وفي عصر يعتمد على الإعلام في طرح العمل ومساعدته ليصل إلى نجوميته

{ عرف ان الادب اسهاماته في شان التوثيق والارخنة للمحطات التي يسهم الكاتب والاديب في ابرازها ، هل يمكن للادب الموصلي من ان يساهم بكتابة وارخنة التاريخ والمحطات التي عاشها ابناؤه ؟

-سؤال مهم وضروري. تحتاج الموصل لهذه الأرخنة في الكتابة عنها.ومن الضروري أن يمزج الكاتب الموصلي في كتاباته بين التأريخ  وحاضره.ويفتقر الأدب   الموصلي في ماضيه  لهذه الأرخنة ونحتاج كأدباء وفي هذه الصحوة المتأخرة لأن نتناول مراحل مهمة من ماضيه الزاخر بألأحداث والبطولات والملاحم.

واحلم يوما لأرى رواياتنا تمثل وتطرح في افلام تأريخية تليق بالموصل عبر كلا من ماضيها وحاضرها

{ الانشطة الادبية التي تبلورت في غضون الاعوام التي تلت التحرير، هل اسهمت بابراز صوت الادب الموصلي ام بقيت تعاني من محليتها دون مشاركة ادباء من محافظات اخرى ، برايك ماهي  ابرز المحاور التي تسهم بالتلاقح الثقافي بين ابناء المدن العراقية الاخرى ؟

-كان لحضور دور النشر الجديدة في الموصل بعد التحرير أثرا واضحا في إسهام الأصوات الجديدة في المشهد الأدبي لكن اهمال النقاد في المدينة لمنجزات زملائهم الأدباء أثر بشكل واضح على أن يروج هكذا أدب وحتى  الاكاديميين من أساتذة جامعة الموصل لم يسهموا في ايصال الأدب الموصلي لمكانته ومنحه في دراسات البكالوريوس والماجستير والدكتوراه إلا بنزر  يسير فظل يعاني الأدب الموصلي من ظلم الزملاء والنقاد واعجب لنقاد في الموصل يتهافتون على روايات ودراسات خارج البلد ويهملون ادب مدينتهم كذلك لايوجد تلاقح أو تعاون بين أدباء العراق  والموصل والفجوة بعيدة

كان من المفروض أن توجه الدعوات والاستضافات لبعضنا البعض لكي يتم التلاقح والانسجام ونفهم أننا عراق واحد وينبغي أن ننصهر في بوتقته الثقافية العامة.

نحتاج للكثير من الأزمنة القادمة لكي نستوعب كوننا أمة عراقية واحدة

{ للكاتب روح التنبؤ ، وكانت لك نصوص  صدرت عام 2009 بعنوان تسابيح الخيول اسهمت ودارت في هذا الفلك ، هل للاديب رؤية عميقة في ان يبرز ماورائيات الزمن الاتي ؟

-الأديب تستهويه لعبة الهواجس ويلعب معها طوال يومه بقلق واستفزاز روحي.وذلك ما يشمل الرؤيا العميقة والتوجيه لما هو قادم.

معظم المبدعين تخالجهم رؤى وأفكار يبنون من خلالها أعمالهم.

في سنة 2000رفضت روايتي (سكاكر البرجس) من النشر بسبب تنبؤات في الرواية تطرح دخول القوات الأمريكية وتحتل البلد وذلك بنحو ثلاثة اعوام  من الاحتلال الامريكي .وتطرح ما ورائيات ذلك من سيطرات ودوريات وحوادث في شوارع المدن.وكذلك كتاب تسابيح الخيول كان فيه رؤية عانيت ظروف توقعاتها وسجلتها في الكتاب.

هواجس الاخرين

الكاتب له روح تختلف بهواجسها  عن الآخرين وعواطف طبيب وحكمة شيخ طاعن  يبعث في المدى نظره ليستكنه الاشياء.

للأديب رؤية عميقة  تستنطق القادم وتتوجس منه ويعيش قلق القادم ويتمثل له بتوفز عجيب

{ كاديب موصلي  معروف ، ماهي ابرز المحاور التي تسهم بابراز المشهد الثقافي في المدينة وهل  اقامة الملتقيات الثقافية بمشاركة عربية مثل ما شهد مهرجان ابي تمام في السبيعينات من تعميق لللادب في هذه المدينة ؟

-إن للإنتشار الاعلامي الخارجي دور مهم في معرفة وتعميق رؤية الأدب بين الشعوب.وكذلك الدعوات بين أدباء الدول وتبادل الزيارات والمهرجانات وإقامة الملتقيات والندوات بين الدول العربية والأجنبية له القدح المعلى في تناسب وانسجام الأدب بين المثقفين والادباء والشعوب .

نحتاج لتبادل المؤتمرات بين مثقفينا  لنتعرف على احوالنا وهذا ما كان يجري في سبيعينات القرن الماضي.وحاليا ظهرت الكافيهات الثقافية أو الملتقيات والروابط والاتحادات وكلها مهمة وظاهرة صحية ترتقي بثقافة الشعوب إلى الأمام.وهكذا المشاركات العربية والمهرجانات

{ ازاء كل تلك المحنة التي عاشها الموصليون ابان حقبة داعش ،ومحاولة توثيقك لجانب منها ، ماهي الافكار التي تشغل بالك ازاء تلك الحقبة وتحاول تجسيدها على صفحات الادب ؟

-منذ التحرير وانا أعيش عوالم تلك الحقبة في ذاكرتي.

واعيش هواجس شخصيات عاشت في تلك المرحلة القاسية واختفت بظروفها واهوالها.

ما زلت أتأمل أكثر مما اكتب عن تلك المرحلة.لأن لها عوالمها الخاصة والمهمة وكشفت عن معادن كنا نجهل حقيقتها.

والآن لم اجد عملا موضوعيا عن تلك المرحلة وأحداثها على الساحة الثقافية.

أخربش في منسوجات ذاكرة لعلي أضع بين يديك عملا يعني الموصل والعالم والسماء.

ومقابل ذلك أعيش  قلقا عن غد  مجهول وربنا مخيف.نحتاج لنبتسم رغم عواديه

{ ختاما ، هل  حظي الاديب سالم صالح بفرصته في المشهد الادبي والى اين ينطلق طموحك في فلك الادب ؟

-لم أحظى بشئ!!!

وكنا في الموصل نعيش في مرض التوحد نحن زملاء الكلمة.

لاتوجد محبة ولا تعاون ولاتسامح ولا ثقافة .

سعيت في تجربتي الأدبية تجاه قضية وطني ومدينتي وبيئتي لكن لم ألمس صدى من زملاء الكلمة. أنهم نرجسيون ويتحالفون مع من يرتدي مثلهم قناع  الغرور و الحداثة كما يتصورون فيكسبون جسد الكلمة ويخسرون روحها المؤثرة.فلذلك تجد مؤلفاتهم في اندثار ولا احد يقرأها واضاعوا حبهم لمدينتهم لأنهم فهموا الأنانية مصدر غرور يكسبهم ضد الوعي. طموحي أن اجد رواياتي على شاشات السينما.ليرى العالم قضية الموصل وما عاناه العراق.

وكم هو الانسان المشرقي مظلوم في رؤاه وامنياته  وطموحاته وأنه ملئ بالحب والجمال والأخلاق رغم الجهل المحيط به من قبل حكامه

شكرا لك على هذه الأسئلة القيمة.

وشكرا لأمنا الكبيرة  جريدة الزمان

مشاركة