ساعة في أبعاد الزمن – عبدالرضا سلمان حساني

338

ساعة في أبعاد الزمن – عبدالرضا سلمان حساني

الزمن هو عامل أساس في تشكيل معادلات  ومَعْلَمات  قوانين الحياة وحركة مكوّنات   الكون وهو مقياس كلّ حدث في البدء والإنتهاء وما بينهما. والزمن هو مقادير الأعمار  وهو بعد تركيبي في محاور الوصف المتكامل لمنظومات ديناميكيّة الأشياء في الطبيعة بإعتباره نبض التقاويم ومسارها الذي لايتوقّف.

لقد بدأ خط شروع الزمن  منذ الثانية الأولى لنشوء الكون بموجب نظرية الإنفجار الكبير قبل  13,7

مليار سنة  حيث أن الكون كان في حالة بلازما (غاز متأيّن بدرجة حرارة وصلت الىمائة مليون درجة)  في أوّل مائة ثانية من نشوء الكون. ومنذ ذلك الحين بدأ تعريف الزمن وأصبح الفلاسفةينظرون اليه  بأنّه طريقة الطبيعة  للحفاظ على الأحداث وترتيبها بحيث لايحدث كل شيء حالاً!

قبل 2500 سنة، عرّف أرسطوطاليس الزمن بأنّه أكثر شيء مجهول من بين الأشياء.  فإذا مرّ الوقت فلا يمكن تعويضه لأن زمن الماضي

 قد مرّ  ومضى ولن يعود أبداً.  وعليه فالماضي هو  زمن في الوراء و(الآن) هو الحاضر ولكلّ منّا له(الآن) الذي يخصّه في هذا الكون الفسيح أذا ما أدخلنا مفهوم الزمان والمكان(الزمكان) وأبعاده.

وهذا ماوضعه ألبرت آينشتاين في نظريتيه النسبيتين العامة والخاصة.

ضوء قادم

في مساء أحد  أيام ربيع عام 1905 وفي مدينة بيرن السويسرية، ركب آينشتاين  عربة قطار  وأثناء الرِحلة تأمّل في ضوء قادم من أحد الأبراج التي مرّ بها القطار  وكانت هناك ساعة في اعلى البرج.

وكان مايشغل تفكير آينشتاين  في تلك الفترة هو مايحدث في الكون ومن حوله من ظواهر.

وهنا قدحت في ذهنه فكرة فحواها(مالذي يحدث لو كانت عربة القطار  تسير بسرعة الضوء؟) وكانت هذه بداية ثورة في مفاهيم الفيزياء وعلوم أخرى. لقد أدرك آينشتاين بأن ساعة يده في هذه السرعة سيتجمّد فيها الرمن، في حين أن ساعة البرج ستسير بنمط زمن إعتيادي ( زمن يتجمّد في ساعة متحرّكة وآخر يسري بنمط طبيعي في ساعة برج ثابت). وهنا بدأت فكرة تباطؤ الزمن لديه وإستنتج بأنّه كلّما تحرّكنا سريعاً  خلال الفضاء (المكان) ستتباطأ حركتنا خلال الزمن. لقد إعتمد آينشتاين في تحليلاته على قوانين نيوتن في الحركة وهي أن الحركة هي نسبية (حركة جسم نسبة الى جسم آخر). وإعتمد أيضاً على النظرية الكهرومغناطيسية التي وضعها جيمس كلارك ماكسويل في عام 1864 وهي أن سرعة الموجة الكهرومغناطيسية  أو الضوء ثابتة بقيمة ثلاثمائة ألف كيلومتر في الثانية بغض النظر عن المشاهد أو الناطر. وهذا خلاف يظهر للوهلة الأولى بأن هناك سرعة نسبيّة وأخرى للضوء كونية ثابتة. في هذا الصراع بين المفهومين، إقترح آينشتاين فكرة توسّع الزمن في نظريته النسبية الخاصة. وهذا نمط تفصيلي في التفكير بساعة زمن ومعناها الكوني والعلمي بتصوّر العلماء الأوائل. وقد أعطيت بشيء من الإسهاب للأهميّة العلمية والتطبيقيّة.

خبر سعيد

وهناك مثال لساعة أخرى وهي ذات المحتوى المعنوي في العمل.  ففي عام 1962 كتب الشاعر الغنائي المصري المبدع  حسين السيد (1916-1983) أغنيربّنا  هذا يوم جديد، فإجعله حاملاً للخير والخبر السعيد من كرمكَ ورحمتكَ ورزقكَ يا أحكم الحاكمين (دقّت ساعة العمل) ولحّنها وغنّاها الموسيقار  محمد عبدالوهاب.

وبعد 56 عاماً لابدّ أن ننظر الى تلك الساعة  العربية المعبّرة عن واقع عمل ديناميكي يعكس إيجابيّاته على المجتع بأجمعه.  فمعذرة من روح الشاعر  حسين السيد لإستبدال كلمة العمل  في العنوان على أساس أنّ العمل ينبع من

 غرسة أمل أو  في جدلية لا غبار على صيرورتها. وفي الشعر وردت ساعة التأمّل والطاقات الموجبة ونورد هنا ساعة الصفر لدى نزار قبّاني كمثال مبسّط ليس إلاّ.

يقول  نزار في قصيدته (ساعة الصفر):

إنّنا في ساعة الصفر  فما تقترحين؟

أصبحت أعصابنا فحماً، فما تقترحين  علب التبغ رميناها وأحرقنا السفين وقتلنا الحب في اعماقنا وهو جنين  في محتوى هذا المقال لانتحدّث عن ساعة زمن بدقائقها الستين أو عن ساعة آليّة وإنّما عن حركة عمل توافقية متشاكهة متناغمة مع بيئتها ومحيطها و متّصلة في جميع المكوّنات و العناصر  الزمكانيّة والبشريّة في بيئة ومجتمع واحد متفاعل عبر الأبعاد الجغرافيّة المألوفة التي تحدد التموقع.

فماهي ساعة الأمل إذن؟ وماهي معاييرها في هذا الزمن الذي جاد الينا وعلينا بساعات تعمل بتقانات متعددة؟  ماهو منتج ساعة الأمل مثلما نرى منتج ساعة العمل؟

لابدّ أن نتّفق بأنّه يمكن تشبيه الزمن بطريق ذي إتجاه واحد والساعة هي إحدى مكوّناته. فساعة الأمس قد مرّت ويعيش كلّ منّا  ساعة (الآن) بإنتظار الساعة القادمة.  هذه السة للزمن مشابهة لمفهوم الإنتروپي في القانون الثاني للثرموداينمكس (الحرارة). فالإنتروپي هو عامل قياس اللانظام أو العشوائية في أي عملية مهما يكون جنسها مادام أنّ هناك طاقة ودرجة حرارة تتصرّفان بمرور الزمن الذي يسير والإنتروپي معه في تزايد. ولتوضيح معنى درجة اللانظام، نتصوّر أنّ هناك صندوق يحتوي على عدد من كرات المنضدة (الطاولة) بلو ونين مختلفين.  فإذا  وضعنا كل لون في جهة داخل الصندوق فهذه درجة ترتيب للنظام؟ أمّا صورة اللانظام فتتجسّد عند خلط الكرات في داخل الصندوق بشكل عشوائي. ولكنّ اللون لايكفي إذا كان الشخص الذي أمامه الصندوق أعمى، وعليه يجب إدخال عامل او عوامل اخرى كحجم الكرات أو كتلتها او وضع نقشة على بعضها أو غيرها. ولكي يكون عامل  الإنتروپي أكثر دقّة، فقد طرحه العالم بولتزمان في معادلات يتم التعامل معه فيه  إحصائيّاً. وهنا نشير الى أنّ هذا العامل موجود في المنظومات العاملة وكذلك موجود في اجهزة الجسم البشري وسلوكه وتأثّر وتأثير الأداء اليومي.

وضمن نفس السياق،  أُعتُمد مقياس الإنتاجية  والقدرة البشريّةفي العمل وهو (رجل-ساعة) والذي يظهر  كعدد يحتاجه إنجاز كل مشروع أو عمل. وهنا تدخل المؤهّلات والمواصفات الحقيقية والإمكانيّات الفاعلة عمليّاً للعاملين  حتى تكون الحسابات واقعيّة.

إذن الزمن في ساعة عمل بنّاء هو صورة مصغّرة لمجموع الأزمان وإنّ ساعة الأمل تبني أيضاً حتى للعاطل عن العمل. وهنا نقول باللهجة العاميّة بأن الزمن هو(ساعة تروح وساعة تجي) وهذه عبارة وردت على لسان الفنّان  إسماعيل ياسين في أفلامه والتي تعلّمها من ممثّل إسمه (حسن أتلا) بخروج عن النص في تصوير أحد  مشاهد فلم سينمائي قديم.

سطور الختام

وفي إطار الإنتروپي ودرجة اللانظام:

من الطبيعي أن تتبع الهزّات الأرضيّة هزّات إرتداديّة، وهذا ما يحدثُ تحت الأرض بين طبقاتها. فمتى تحدث فوق سطح بعض الأرض لإزاحة مفسدين ولتقويم أداء في بناء؟!

مشاركة