ساحر الطين يستلهم فنه من الحضارة والأساطير

681

3 سنوات على رحيل شيخ النحاتين حاضرة بإنجازات تلوّن ساحات بغداد

ساحر الطين يستلهم فنه من الحضارة والأساطير

 فائز جواد

ثلاث سنوات مرت وكانها ثلاث ليال على رحيل ساحر الطين الفنان الكبير محمد غني حكمت الذي توفي في مثل هذه الايام والشهر من العام 2011 في عمان بعد صراع مرير مع المرض . نعم محمد غني حكمت ساحر الطين الذي اسس ارثا من المنحوتات العملاقة التي مازالت شاخصة الى يومنا هذا ، نصبا وتماثيل وبالرغم من تدمير واهمال قسم منها الا مازالت تحفر بذاكرة العراقيين اجيالا تلو الاجيال كما يحفر الراحل بقلمه الحديدي على الصخر ليخرج لنا تاريخا وفولكلورا وحضارة تمتد الى الاف السنوات تنتمي للعراق .

( الزمان ) التي كتبت عن الراحل منذ كان يعاني شدة المرض الى يوم رحيله بقيت تستذكره فنانا وانسانا ومبدعا عملاقا ، واليوم نستذكر مسيرة الراحل بمناسبة مرور ثلاثة اعوام على رحيله عندما نقل جثمانه من عمان الى جمعية التشكيليين العراقيين واستقبله زملاء مهنته ومحبيه ليوارى الثرى بمقبرة الكرخ وبتوديع رسمي وشعبي يليق بمكانته وماقدمه للعراق من اعمال نحتية سيبقى التاريخ يدونها بصفحات من نور .

الراحل محمد غني حكمت والذي اطلقت عليه القابا عدة ربما اهمها شيخ النحاتين العراقيين كان وبالرغم  من انه اجتاز الثمانين عاماً.. إلا انه كان قوي الذاكرة.. عفوي الأجوبة.. حاضر المعلومة، يمارس مهنته ، مصراً على العمل رغم تحذيرات الأطباء له  ليحقق أمنيته في أن يملأ ساحات بغداد بالتماثيل.

النحات الفنان فاضل وتوت يقول ( كان استاذنا ومعلمنا الكبير رحمه الله مستلهما الحضارة  بإبداعاته الخالدة.. لقد اسس له مدرسة نحتية خالدة من أعماله كانت معظمها من شخصيات ألف ليلة وليلة.. ولازال نصبه الشاهق لشهريار وشهرزاد وكهرمانة والأربعين حرامي وللسندباد البحري تنتصب في ساحات بغداد الغناء بالزينة والخضراء والأعمال الفنية الساحرة ،محمد غني حكمت يستلهم أعماله من السومريين من البابليين من العمارة الكوفية من العمارة البغدادية العباسية.. شخوصه ومنحوتاته تراث ساحر وزاخر.. هو من نحت المتنبي أفحل شعراء العرب، وحمورابي صاحب التشريعات الأولى.. وعشرات من الأعمال الخالدة التي تنتصب في ساحات مدن بغداد وروما وباريس ومدن أخرى كثيرة ) ويضيف (للراحل سمات أسلوبية خاصة ناتجة عن تأثره بالنحت السومري والأختام الأسطوانية السومرية بما تتركه من تعاقب الأشكال المستطيلة المستدقة في الطين الذي تطبع فيه وهو أمر ظاهر في العديد من أشكاله، لدى محمد غني نبرة تعبيرية تعيدنا للنحت الآشوري والبابلي والأكدي.. ومنذ منتصف الستينيات من القرن الماضي تحول محمد غني في نحته إلى فن العمارة الزخرفية ثم أعتمد على نظام تكراري يتشكل بوحدة نظامية أساسها الحرف العربي واتجه كليا إلى نماذج وتشكيلات وتكوينات جاءت نتيجة متابعة تجريدية لأشكال تشخيصية سبق أن عالجها. وعرفناه كطلبة للنحت من امهر نحاتي العالم على الحجر والخشب ).

المهندس وسام الشالجي كتب يستذكر الراحل ( كعادتي كل صباح فتحت حاسبتي لارى ما ارى من اخبار فقرأت خبر نعي الفنان الكبير محمد غني حكمت الذي رحل هذا في عمان . قرأت الخبر واعتصرت قبضتي واحسست بان الجندي الذي حطم قضبان زنزانته في نصب الحرية قد هبط من جداريته اليوم وانزوى متكئأ على احد أعمدة الجدارية ليبكي رحيل انامل من صمم هذا النصب الشامخ . قرأت الخبر واحسست بان كهرمانة قد ملآت جرتها اليوم بدموعها واخت تسكبها بدلا من الزيت ألما على رحيل من صاغت يداه ذلك النصب الرائع . قرأت الخبر واحسست بان شهرزاد لم ترقص اليوم كعادتها امام شهريار في شارع ابي نواس بل هي اليوم تنتحب وتبكي حزنا على غياب اصابع العبقري التي صنعتهما . قرأت الخبر واحسست بان جدارية مدينة الطب قد انزلت خامة سوداء على نفسها اليوم وقررت ان لا يشاهدها بعد الأن احد لان صاحبها قد فارق الدنيا حتى دون ان يودعها . قرأت الخبر واحسست بان المتنبي لم يعد يضع يده على صدره في تمثاله وهو يقول (انا الذي نظر الاعمى الى ادبي) بل رفع كلا يداه ووضعهما على رأسه وهو يقول باكيا (انا الذي غاب عني من صنعني) . قرأت الخبر واحسست بان بغداد لابد ان يكون الخجل قد اخذ منها اليوم مأخذا واخفت وجهها مستحية لانها لم تحتضن كما تفعل بقية الامم حين يرحل من أحبوها وعشقوها . قرأت الخبر وشعرت بان العراق لابد ان يكون قد دخل اليوم في موسوعة غينس للارقام القياسية في موضوع لفظ الدول وكرهها لاعلامها ومبدعيها )  .

يشار الى ان  تشييع جثمان الراحل ابتدأ في عمان بمسيرة راجلة لحشد كبير من محبي الفنان، انطلقت قرب السفارة العراقية ، ثم نقل جثمانه ملفوفا بالعلم العراقي في موكب شعبي الى مطار العاصمة الاردنية لينقل الى بغداد التي انطلقت فيها فعاليات التشييع من نقابة التشكيليين العراقيين باتجاه مقبرة الكرخ التي دفن فيها بناء على وصيته.

وبلا شك ان الاحتفاء بحكمت  واستذكار اعماله لا ينطلق فقط لكونه شيخ النحاتين.. وصاحب احد اشهر المدارس والأساليب النحتية بالعالم فحسب.. بل يبتعد كون النحات محمد غني حكمت ساهم بتلك الهالة الفنية الساحرة لتماثيل بغداد.. وهو مسحور ببغداد عاشق لها.. عندما تحدث عنها أفاض بمشاعر حب جارف ولذكريات بعيدة عن ماضيه في هذه المدينة بصوب الكرخ من دجلة منها..

الراحل في سطور …

ولد حكمت في بغداد عام 1929، وتخرج من معهد الفنون الجميلة عام 1953، حصل على دبلوم النحت من أكاديمية الفنون الجميلة في روما عام 1959، حصل على دبلوم الميداليات من مدرسة الزكا في روما أيضا عام 1957، حصل على الاختصاص في صب البرونزفلورنسا عام 1961

ساهم عبد الغني حكمت في أغلب المعارض الوطنية داخل القطر وخارجه وحصل على جائزة احسن نحات من مؤسسة كولبنكيان عام 1964، له مجموعة من التماثيل والنصب والجداريات في ساحات ومباني العاصمة بغداد منها تمثال شهرزاد وشهريار، علي بابا والأربعين حرامي، حمورابي، جدارية مدينة الطب ونصب السندباد البحري في مدخل فندق الرشيد والمتنبي وبساط الريح والخليفة أبو جعفر المنصور والجنية والصياد، إضافة إلى أعمال أخرى لا تحصى، منها 14 لوحة جدارية في إحدى كنائس بغداد تمــــثل درب الآلام للسيد المسيح.

كما أنجزالفنان عبد الغني حكمت الذي يغد من جيل الرواد في الفن العراقي الحديث أنجز في ثمانينات القرن الماضي إحدى بوابات منظمة اليونيسيف في باريس وثلاث بوابات خشبية لكنيسة +تيستا دي ليبرا؛ في روما ليكون بذلك أول نحات عربي مسلم ينحت أبواب كنائس في العالم، فضلا عن إنجازه جدارية الثورة العربية الكبرى في عمان وأعمال مختلفة في البحرين تتضمن خمسة أبواب لمسجد قديم وتماثيل كبيرة ونوافير.

كما ساعد حكمت في عمل نُصب الحرية الذي كان من تصميم أستاذه النحات العراقي المعروف جواد سليم الذي وافاه الأجل في سن الثانية والأربعين قبل اكتمال هذا العمل الذي يرمز إلى مسيرة الشعب العراقي من زمن الاحتلال البريطاني إلى العهد الملكي ثم الجمهوري.

وتم إنجاز نصب الحرية خلال عامين في فلورنسا بإيطاليا وهو بطول 50 مترا ويضم 25 شخصية بالإضافة إلى الثور والحصان، ويعد أحد أكبر الأنصاب في العالم، ونُقل إلى بغداد عام 1961 في طائرة خاصة انذاك.

بعد أبريل 2003 دمرت وسرقت 150 تمثالا من منحوتاته من البرونز والخشب والحجر و300 وسام وميدالية وشارة من الذهب والفضة والنحاس والبرونز كانت معروضة في متحف ببغداد وتمثل معظم مسيرته الفنية، كما اجتث العملاء الصغار المتحكمون بالعراق بعضاً من أعماله الفنية الخالدة، إلا أن محمد غني حكمت ظل يعمل بشغف وإخلاص آملا بالعودة إلى بغداد ليكمل مشواراً بدأه قبل أكثر من ستين عاماً.

توفي في 17 سبتمبر 2011 في عمان، الأردن، بعد اصابته بجلطة وتوقف عمل ونقل جثمانه الى بغداد والى مثواه الاخير مقبرة الكرخ.