ساحرةُ الروشة

294

ساحرةُ الروشة

حيدر عاشور

اتسعتْ  لها اخيلته وتصوراته، وانبرى اليها بكل حذر وتوئدة ،وتسمرت حدقتا عينيه في تحديقها، تحدوها رغبة جامحة في معرفتها وتفحصها، وما عليه الا أن يكون حذرا حتى يتخلص من الاحراج الذي وقع  فيه وهو غارق في تخيلاته، بعد ان سحبته من بين اصدقائه وامسكت يده بقصد وتعمد لتقرأ له المستقبل من خلال باطن كفه. رأى نفسه امام الامر الواقع، وسرّه أنه يتحسس يدها تلامس يده، وتمكنت منه رغبة خفية فطارت روحه في فضاء الروشة، برهة تنفس هواء البحر وعطرها بكل حذر، فبهره منها قدراتها وقوة شخصيتها، وسحرها. فجأة بدت عيناها تتلامع، وتراءت له أنها بدأت تنومه بخدرها ثم انحنى وقد امسكت بباطن يدها اليمنى يده اليمنى وتلامس بيدها اليسرى باطن يده اليمنى، وشعر ان يدها كأنها قطع من الجمر المتوقد. فقال يحاور نفسه: ايكون بالإمكان ان اجد مخرجا  واتخلص من هذه الساحرة الفلسطينية، امتقع وجهه وبدت عيناه تحملقان في صخرة الروشة وماء البحر الازرق الذي يحيط بها من كل جانب، انها ورغم سحر جمالها لتبدو خطرة وتحمل وراءها خفايا واخطار غير ظاهرة. استجمع قواه وبدأ بالحركة لتتخلص منها، وهي تشد على يده بقوة وتقترب منه شيئا فشيئا، فهمست في اذنيه انك انسان محسود ومسحور وعيون الناس عليك، وخرجت من هذه الحياة بخسارات مادية كبيرة وفقد مركزك الوظيفي وكأنك سقطت من المنارة الى سراديب الظلام ولكن الله معك فأنقذك وأرسلك من كربلاء الى لبنان لتسمع مني ما اقوله وتنفذه بالحرف الواحد بعد ان تعطيني بياضك ما يساوي قيمة اربعة من طيور الدجاج. بدت عليه تقاطيع وجهه في حركة كلماتها تعّبر عن ذهوله وارتباكه وبدأ عليه الشحوب والانهيار، وخارت عزائمه واستولى عليه الفزع واليأس. هذه العرافة الجميلة الفلسطينية كل ما قالته هو واقع له في الحقيقة، لاشك بقدرة الله والاسباب التي يسببها والابواب التي يفتحها للإنسان المؤمن والراضي بما  مقسوم له في الحياة. بقي جامدا برهة من الزمن وكأنه تمثال رخامي لا حراك فيه، وسرعان ما عاد له توازنه واخذ يهتز ويتمايل بين يديها، ونظر في عينيها بعيدا عن كل ما شعر بدواخله بالنظرة الاولى، وبدأ يترأى له كمن يمشي منتشيا على حافة صخرة الروشة يحدوه الحذر والتوئدة، بعد ان خارت قواه تماما وضاقت انفاسه، وهذه الجميلة بكل خصائصها منقذته من الانزلاق والوقوع في بحر وهم المرض، كالخضر يخرج من باطن البحر لينقذ مؤمنا نادى عليا مظهر العجائب.

مشاركة