سؤالان متشابهان – طالب العكيلي

سؤالان متشابهان –  طالب العكيلي

عند سؤال القسم الأكبر مِنْ الأجيالِ ، ليستْ بعيدةً ، لماذا لم تكملوا الدراسة ؟ فالجواب بلا خجل وترددٍ، الفقرُ منعنا، كنّا في حيرةٍ مِنْ لقمةِ العيشِ، أطفالٌ حفاةٌ ، وجوهٌ قاحلةٌ، كصحراءٍ لا يمرُها غيمٌ، ملبسُنا واحدٌ على مدارِ السنةِ، يتحملُ حرَ الصيفِ، بردَ الشتاءِ، آباءٌ غيبتْ التجاعيدُ ملامحَهم. الفقرٌ منتشرٌ، هو ليس عيباً كما قالتْ العربُ: الفقرُ والمرضُ والموتُ ليسوا عيباً، هم ضيوفُ اللهِ لا بد مِنْ الرضاءِ بهم،

ولكن هنا السؤالُ المحيرُ، فقرٌ مع خيراتٍ، عوزٌ مع كنوزٍ، كيفَ يجتمعان؟ أرضٌ خصبةٌ لا تنتجُ فقط نباتاً، بل تحوي معادناً وذهباً وكنوزا لا تحصى، الفقرُ يأكلُنا، بلا أسنانٍ، كفريسةٍ لا تقاوم ، لم يبقَ منها ألا عظامُها. اليوم نسألُ شبابنا، لماذا لم تذهبوا إلى مقاعدِكم الدراسيةِ؟ يجيبوننا، وفي قلوبِهم حسرةٌ، السلاحُ منعنا، مقاعدُنا مستهدفةٌ، أرواحُنا غيرُ آمنةٍ، أساتذتُنا في حيرةٍ مِنْ أمرِهم، بالأمسِ كانَ المطرُ يمنعُنا يوماً أو يومين، لكننا لم نكنْ نعلمُ يوماً، الرصاصُ يخترقُ حرمةَ مقاعدِنا، ينثرُ دماءنا بلا ذنبٍ، سوى أننا طلابُ علمٍ، فقدنا أناملَ ناعمةً، كانَتْ حالمةٌ بخيوطِ الشمسِ، تحاكي آمالَها، مهندسٌ، طبيبٌ، معلمٌ.

السلاحُ والعلمُ مطلوبانِ، لكنّهم لا يلتقيان، السلاحُ في سوحِ الوغى، العلمُ في دورِ العلمِ، نظريةُ عنترةُ تختلفُ عنْ نظريةُ الفراهيدي، كلُّ منهما محقٌ في نظريتِه، لكلِّ شيءٍ طريقُهُ الخاصُ، لا يجوزُ تقاطعُه. العلمُ محاربٌ بالفقرِ والسلاحِ، وأنْ اختلفتْ أدواتُهما، الفقرُ أصبحَ كوريثٍ لنا، يرافقُنا دائماً، يقاتلُنا بلا أيدٍ وأرجلٍ، فقط مِنْ أجلِ أفراغِ البطونِ وتدميرِ العقولِ، ربما الفقرُ يعشقُنا، ونحن لا ندري، ولكن لماذا بعشقِه يقتلُنا؟!

السلاحُ يقاتلُنا، بأيدٍ وأرجلٍ ، الطامةُ الكبرى، أننا جعلناه صديقاً، بحجةِ الدفاعِ عنْ النفسِ، لكن السحر انقلبِ على ساحرِه، فهل الخللُ في السحرِ أم الساحر.

في النهايةِ العلم ضحية لا نصلي عليها، لعلها تعودُ، فماذا نقولُ لأطفالِ مدارسِنا، العلمُ في منامٍ، أو في مماتٍ، أو مؤجلٍ، حقائبُ فارغةٌ بلا كتبٍ، لا ملبسٌ جديدٌ ، لا أجراسٌ تدقُ، مقاعدٌ تحن إلى جالسيها، جدرانٌ يسودُها الصمتُ، لا صوتٌ، لا صدى علينا أنْ نقيمَ صلاةَ الميتِ، على الفقرِ والسلاحِ، لا على العلمِ.

مشاركة